انتخابات مجالس هيئات المحامين تكرس الذكورية


انتخابات مجالس هيئات المحامين تكرس الذكورية
كريمة مصلي

لم تتجرأ أي محامية على خوض غمار انتخابات النقباء، التي جرى أغلبها، باستثناء حالة فريدة في مراكش، ولم تستطع المرأة المحامية خلال الانتخابات المهنية أن تنتصر للنص الدستوري في إقرار المناصفة في تحمل المسؤولية.

فرغم الحق الدستوري الذي نص عليه الفصل 19 بأنه "يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية… وتسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء وتحدث لهذه الغاية، هيأة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز"، إلا أن ما أفرزته الانتخابات الأخيرة، الخاصة بانتخاب نقباء وأعضاء مجالس جل الهيآت، مع استثناء لا يمكن الأخذ به، أن العدو الأول والأخير للمرأة هو نفسها، بعيدا عن تحميل الآخر مسؤوليته في الموضوع، أو المطالبة بالكوطا، التي لم يعد لها معنى سوى الاستجداء.

فالمرأة المحامية التي تحمل على كتفيها رسالة الدفاع عن الحقوق والحريات والتي يصدح صوتها داخل قاعات المحاكم بمرافعات، واستطاعت أن تسجل اسمها في جدول هيآت المحامين ابتداء من 1963، لم تتمكن من إقناع زميلتها للتصويت عليها، حتى في أعرق الهيآت التي هي هيأة المحامين بالبيضاء، التي تشكل الاستثناء والتي لم تجرؤ أي محامية على منافسة زميلها الرجل على منصب النقيب، رغم أنه بحساب بسيط فعدد المحاميات المنتميات إلى الهيأة كان بإمكانه إحداث المفاجأة في التنافس الحقيقي على ذلك المنصب، الذي ظل في كل الهيآت حكرا على الرجل.

ولم يخرج تمثيل المرأة المحامية في الهيآت التي تمكنت فيها من الظفر بمقعد داخلها، عن ثلاث حدا أقصى، كما هو الحال في مراكش وطنجة، في حين شكلت فاس مهد الحضارة والعاصمة العلمية نكسة حقيقية، إذ لم تتمكن أي محامية من الظفر بمقعد والشيء نفسه بالنسبة إلى الجديدة، في انتظار ما سيسفر عنه انتخاب مجلسي البيضاء والرباط.



صراع المرأة من أجل إثبات الذات والمناصفة، لم يخرج عن صالونات الندوات والجمعيات المهتمة بالشأن النسوي، ولم يترجم على أرض الواقع، فالفكر الذكوري هو الطاغي حتى لدى المرأة عندما توضع في مثل هذه الامتحانات، ويؤثر بشكل سلبي على إيمانها بقدراتها التي تمتلكها، وغالبا ما تكون المرأة خلال المحك الحقيقي لترجمة المناصفة بعيدة عن ذلك، وتكرس النظرة الدونية التي يتبناها الفكر الذكوري في عدم إمكانية المرأة إدارة شؤون أي مؤسسة أو هيأة.

في كل مرة ترفع مطالب بتطبيق "الكوطا" في التمثيليات النسائية في جميع الميادين، وتطالب المرأة الرجل بمنحها حقها الدستوري، وكأن الأمر يتعلق بطلب حله بيد الرجل لا غير، في حين أن من يستطيع أن يحقق المساواة بين المرأة والرجل هي المرأة نفسها بثقتها أولا في نفسها وفي بنات جنسها والإيمان بقدراتها، فحسب الإحصائيات العامة فالمرأة تمثل حوالي 50 في المائة من السكان، ما يعني المناصفة العددية، قد يقول البعض إن المناصفة العددية لا يمكن الاحتكام إليها في ظل ما يعيشه المجتمع من ارتفاع لنسبة الأمية، وتسلط الرجل والقمع المعنوي الذي تعانيه، وهي مبررات يمكن الأخذ بها، إلا أن ذلك لا يمنع أن المجتمع المغربي يزخر بطاقات نسائية مهمة في جميع الميادين والمجالات، يكفيها فقط أن تؤمن بنفسها وأن تلقى الدعم من بنات جنسها من خلال ثقتهن فيها.

قد يعتبر البعض أن مثل هذه الدعوة تتضمن نوعا من التعسف على الحق الديمقراطي المنصوص عليه في الدستور المغربي بشأن حرية اختيار الأشخاص دون تمييز في الجنس، ولكن الأمر غير ذلك، لأن الخطابات المتكررة التي ترفعها المرأة في وجه الرجل وتطالبه بمنحها حقها في التمثيلية، تشكل في حد ذاتها إنقاصا من قدراتها وتثبيتا للفكر الذكوري.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح