بقلم: عبد الله بوصوف
في قرية بني سيدال الجبل، حيث للجبال ذاكرة وللوجوه حكايات، وُوريت الثرى امرأة لم تكن عادية في حياتها ولا في رحيلها. إنها ميمونت بنعيسى، زوجة المرحوم العربي الهواري، أخ والدتي، التي غادرت الدنيا في بروكسيل وعادت لتُدفن في تراب الريف الذي خرجت منه شابة يافعة، حاملة معها سيرة جيل كامل من نساء الهجرة الصامتات.
التحقت ميمونت بزوجها في بلجيكا سنة 1971 في إطار التجمع العائلي، بعدما كان قد هاجر قبلها بعشر سنوات، سنة 1961. كانت قادمة من جبال الريف، من بيئة بسيطة، بلا تعليم يُذكر، ولا لغة تتكئ عليها في الغربة: لا الدارجة، ولا الفرنسية، ولا الفلامانية. لكنها كانت تملك ما هو أثمن من اللغات والشهادات: قلبًا كبيرًا، وإيمانًا عميقًا، وإرادة لا تلين.
في سنة 1983، توفي زوجها، ووجدت نفسها أرملة في بداية عقدها الرابع، مسؤولة عن أسرة من ستة أفراد في مجتمع لا تعرفه، وقوانين لا تُحسن قراءتها، ومدينة لا تفهم لغتها. كان ذلك امتحانًا قاسيًا، لكنه كشف معدنها الأصيل. تحولت ميمونت من زوجة مهاجر إلى أمٍّ وأبٍ في آن، تحملت أعباء التربية، وحراسة القيم، وتدبير العيش، دون ضجيج ولا شكوى.
كانت تعرف أن أبناءها هم مشروعها الوحيد. فوهبتهم حياتها، وربّتهم على حب الأسرة، والاعتزاز بالأصل، والارتباط بالهوية المغربية الأمازيغية المسلمة. لم تسمح للغربة أن تقتلعهم من جذورهم، ولم تدع الحاجة أن تُفسد أخلاقهم. نجحت حيث يفشل كثيرون، لأن سلاحها كان نكران الذات، واليقين بأن التربية أعظم استثمار.
كبر الأبناء، وتحقق ما كانت تصبو إليه: مهندس، ومحاسب، وطباخ… ومسارات أخرى شريفة تشهد بأن اليد التي ربّت كانت يدًا صالحة. ثم جاء الأحفاد، يحملون نفس الروح ونفس القيم، وكأن ميمونت لم تُربِّ أبناءها فقط، بل أرست مدرسة أسرية ممتدة عبر الأجيال.
ميمونت بنعيسى ليست حالة فردية، بل نموذج لنساء الجيل الأول من الهجرة المغربية إلى أوروبا، ذلك الجيل الذي نادرًا ما يُذكر في السرديات الرسمية، رغم أن تضحياته صنعت استقرار أسر، ونجاح أبناء، وحضورًا مغربيًا مشرّفًا في بلاد الغربة. نساء لم تُتح لهن فرصة التعليم، لكنهن علّمن أبناءهن معنى الحياة. لم يُتقنّ لغات البلد، لكنهن أتقنّ لغة القيم.
لقد نجحت المرحومة نجاحًا باهرًا في أصعب الظروف: حافظت على أسرتها، وصانت هويتها، وربطت أبناءها بوطنهم الأم، رغم المسافات والسنين. كانت بحق امرأة بألف رجل، ليس في القوة الجسدية، بل في الصبر، والحكمة، والقدرة على التحمل.
اليوم، وهي تعود إلى تراب بني سيدال الجبل، تعود محمولة بسيرة تليق بالتخليد، وبذكرى تستحق أن تُروى. لأنها لم تكن فقط أمًا لستة أبناء، بل كانت رمزًا لجيل كامل من نساء الهجرة اللواتي كتبن تاريخًا صامتًا من التضحية والعطاء.
رحم الله ميمونت بنعيسى، وجعل مثواها الجنة، وجزى ما قدمت خير الجزاء
في قرية بني سيدال الجبل، حيث للجبال ذاكرة وللوجوه حكايات، وُوريت الثرى امرأة لم تكن عادية في حياتها ولا في رحيلها. إنها ميمونت بنعيسى، زوجة المرحوم العربي الهواري، أخ والدتي، التي غادرت الدنيا في بروكسيل وعادت لتُدفن في تراب الريف الذي خرجت منه شابة يافعة، حاملة معها سيرة جيل كامل من نساء الهجرة الصامتات.
التحقت ميمونت بزوجها في بلجيكا سنة 1971 في إطار التجمع العائلي، بعدما كان قد هاجر قبلها بعشر سنوات، سنة 1961. كانت قادمة من جبال الريف، من بيئة بسيطة، بلا تعليم يُذكر، ولا لغة تتكئ عليها في الغربة: لا الدارجة، ولا الفرنسية، ولا الفلامانية. لكنها كانت تملك ما هو أثمن من اللغات والشهادات: قلبًا كبيرًا، وإيمانًا عميقًا، وإرادة لا تلين.
في سنة 1983، توفي زوجها، ووجدت نفسها أرملة في بداية عقدها الرابع، مسؤولة عن أسرة من ستة أفراد في مجتمع لا تعرفه، وقوانين لا تُحسن قراءتها، ومدينة لا تفهم لغتها. كان ذلك امتحانًا قاسيًا، لكنه كشف معدنها الأصيل. تحولت ميمونت من زوجة مهاجر إلى أمٍّ وأبٍ في آن، تحملت أعباء التربية، وحراسة القيم، وتدبير العيش، دون ضجيج ولا شكوى.
كانت تعرف أن أبناءها هم مشروعها الوحيد. فوهبتهم حياتها، وربّتهم على حب الأسرة، والاعتزاز بالأصل، والارتباط بالهوية المغربية الأمازيغية المسلمة. لم تسمح للغربة أن تقتلعهم من جذورهم، ولم تدع الحاجة أن تُفسد أخلاقهم. نجحت حيث يفشل كثيرون، لأن سلاحها كان نكران الذات، واليقين بأن التربية أعظم استثمار.
كبر الأبناء، وتحقق ما كانت تصبو إليه: مهندس، ومحاسب، وطباخ… ومسارات أخرى شريفة تشهد بأن اليد التي ربّت كانت يدًا صالحة. ثم جاء الأحفاد، يحملون نفس الروح ونفس القيم، وكأن ميمونت لم تُربِّ أبناءها فقط، بل أرست مدرسة أسرية ممتدة عبر الأجيال.
ميمونت بنعيسى ليست حالة فردية، بل نموذج لنساء الجيل الأول من الهجرة المغربية إلى أوروبا، ذلك الجيل الذي نادرًا ما يُذكر في السرديات الرسمية، رغم أن تضحياته صنعت استقرار أسر، ونجاح أبناء، وحضورًا مغربيًا مشرّفًا في بلاد الغربة. نساء لم تُتح لهن فرصة التعليم، لكنهن علّمن أبناءهن معنى الحياة. لم يُتقنّ لغات البلد، لكنهن أتقنّ لغة القيم.
لقد نجحت المرحومة نجاحًا باهرًا في أصعب الظروف: حافظت على أسرتها، وصانت هويتها، وربطت أبناءها بوطنهم الأم، رغم المسافات والسنين. كانت بحق امرأة بألف رجل، ليس في القوة الجسدية، بل في الصبر، والحكمة، والقدرة على التحمل.
اليوم، وهي تعود إلى تراب بني سيدال الجبل، تعود محمولة بسيرة تليق بالتخليد، وبذكرى تستحق أن تُروى. لأنها لم تكن فقط أمًا لستة أبناء، بل كانت رمزًا لجيل كامل من نساء الهجرة اللواتي كتبن تاريخًا صامتًا من التضحية والعطاء.
رحم الله ميمونت بنعيسى، وجعل مثواها الجنة، وجزى ما قدمت خير الجزاء

بني سيدال الجبل تودّع أمًّا حافظت على الهوية وربّت أجيالًا في بلجيكا

