ناظورسيتي: مهدي عزاوي
لا يختلف اثنان حول القيمة العلمية والرمزية لمحاضرة العلامة الفقيه الدكتور سعيد الكملي، ولا حول عمق موضوعها الموسوم بقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، خصوصا وهي تأتي استجابة للرسالة الملكية السامية الداعية إلى الاحتفاء بمرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد النبي محمد عليه السلام. غير أن عظمة الفكرة لا تعفي من مساءلة التنفيذ، لأن التفاصيل – حين تهمل – تربك الرسالة بدل أن تخدمها.
لقد نُظِّمت المحاضرة فعلًا، أمس الاثنين، وحجّ إليها الناس من مختلف مدن إقليم الناظور، بل ومن أقاليم مجاورة كالحسيمة والدريوش ووجدة، في مشهد يعكس تعطشا مجتمعيا للعلم والدروس الهادئة الرصينة. لكن المفارقة الأولى برزت منذ لحظة الدخول إلى القاعة، حيث تم اعتماد ترتيب الكراسي على طريقة الحفلات، عوض الزرابي أو الفضاءات الأرضية التي تسمح باستيعاب أعداد أكبر، وتنسجم أكثر مع طبيعة هذا النوع من المجالس العلمية. خاصة وأن الدكتور سعيد الكملي معروف بقاعدته الجماهيرية الواسعة والإقبال الكبير الذي تحظى به محاضراته أينما حل.
أما الإشكال الثاني، فيتعلق بطبيعة المكان ذاته؛ فقاعات الحفلات، مهما حُسّنت، تظل غير ملائمة لاحتضان محاضرات دينية علمية من هذا المستوى، وهو ما انعكس سلبًا على الأجواء العامة داخل القاعة، حيث لوحظ حضور وجوه غريبة عن سياق المناسبة، وانتشار روائح كريهة كالدخان، إضافة إلى بعض مظاهر “التشمكير” التي تتنافى مع الوقار المفترض في مجلس علمي يُؤطره أحد أبرز علماء المملكة المغربية الشريفة.
كما لوحظ، بالموازاة مع الاختلالات التنظيمية، حضور بعض الوجوه التي لا تربطها أي صلة مع الشأن الديني أو العلمي، ولم يُعرف عنها اهتمام بالعلم أو المجالس المعرفية، بقدر ما بدا حضورها بدافع الظهور أمام عدسات الكاميرات واستثمار المناسبة لأغراض شخصية أو دعائية.
وحتى إن أرادت الجهات المنظمة الترويج للمحاضرة، فإن الأجدر بها أن تتحرّى بعناية الجهات والمنابر التي تُوكل إليها مهمة التغطية والتواصل، بما ينسجم مع طبيعة الحدث وروحه، ويجنّبه أي توظيف دعائي أو استعراضي قد يُفرغ الرسالة العلمية من مضمونها، أو يسيء إلى هيبة المناسبة ومقاصدها.
وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير الدعوة والحضور، خاصة حين تتحول المجالس العلمية إلى فضاءات للاستعراض الرمزي، بدل أن تظل منابر للعلم والوقار، بعيدة عن الحسابات الضيقة والشبهات التي تُثقِل المشهد العام وتُسيء إلى روح المناسبة.
إن مثل هذه المظاهر، مهما كانت محدودة، تظل دخيلة على مجالس الذكر والعلم، وتستدعي يقظة تنظيمية أكبر، حتى لا يُستغل الدين في غير مقاصده، ولا تُوظَّف المناسبات الروحية في غير ما أُقيمت له.
ومن الملاحظات أيضا التي أثارت استغراب عدد من الحاضرين، الحضور اللافت لحراس أمن مخصَّصين للدكتور المحاضر، في صورة لم يسبق أن رافقت الدكتور سعيد الكملي في محاضراته داخل المغرب أو خارجه، حيث عُرف عنه التواضع والبساطة، وهو ما جعل هذا المشهد يبدو أقرب إلى تنظيم حفل ليلي منه إلى مجلس علم وذكر.
لا يختلف اثنان حول القيمة العلمية والرمزية لمحاضرة العلامة الفقيه الدكتور سعيد الكملي، ولا حول عمق موضوعها الموسوم بقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، خصوصا وهي تأتي استجابة للرسالة الملكية السامية الداعية إلى الاحتفاء بمرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد النبي محمد عليه السلام. غير أن عظمة الفكرة لا تعفي من مساءلة التنفيذ، لأن التفاصيل – حين تهمل – تربك الرسالة بدل أن تخدمها.
لقد نُظِّمت المحاضرة فعلًا، أمس الاثنين، وحجّ إليها الناس من مختلف مدن إقليم الناظور، بل ومن أقاليم مجاورة كالحسيمة والدريوش ووجدة، في مشهد يعكس تعطشا مجتمعيا للعلم والدروس الهادئة الرصينة. لكن المفارقة الأولى برزت منذ لحظة الدخول إلى القاعة، حيث تم اعتماد ترتيب الكراسي على طريقة الحفلات، عوض الزرابي أو الفضاءات الأرضية التي تسمح باستيعاب أعداد أكبر، وتنسجم أكثر مع طبيعة هذا النوع من المجالس العلمية. خاصة وأن الدكتور سعيد الكملي معروف بقاعدته الجماهيرية الواسعة والإقبال الكبير الذي تحظى به محاضراته أينما حل.
أما الإشكال الثاني، فيتعلق بطبيعة المكان ذاته؛ فقاعات الحفلات، مهما حُسّنت، تظل غير ملائمة لاحتضان محاضرات دينية علمية من هذا المستوى، وهو ما انعكس سلبًا على الأجواء العامة داخل القاعة، حيث لوحظ حضور وجوه غريبة عن سياق المناسبة، وانتشار روائح كريهة كالدخان، إضافة إلى بعض مظاهر “التشمكير” التي تتنافى مع الوقار المفترض في مجلس علمي يُؤطره أحد أبرز علماء المملكة المغربية الشريفة.
كما لوحظ، بالموازاة مع الاختلالات التنظيمية، حضور بعض الوجوه التي لا تربطها أي صلة مع الشأن الديني أو العلمي، ولم يُعرف عنها اهتمام بالعلم أو المجالس المعرفية، بقدر ما بدا حضورها بدافع الظهور أمام عدسات الكاميرات واستثمار المناسبة لأغراض شخصية أو دعائية.
وحتى إن أرادت الجهات المنظمة الترويج للمحاضرة، فإن الأجدر بها أن تتحرّى بعناية الجهات والمنابر التي تُوكل إليها مهمة التغطية والتواصل، بما ينسجم مع طبيعة الحدث وروحه، ويجنّبه أي توظيف دعائي أو استعراضي قد يُفرغ الرسالة العلمية من مضمونها، أو يسيء إلى هيبة المناسبة ومقاصدها.
وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير الدعوة والحضور، خاصة حين تتحول المجالس العلمية إلى فضاءات للاستعراض الرمزي، بدل أن تظل منابر للعلم والوقار، بعيدة عن الحسابات الضيقة والشبهات التي تُثقِل المشهد العام وتُسيء إلى روح المناسبة.
إن مثل هذه المظاهر، مهما كانت محدودة، تظل دخيلة على مجالس الذكر والعلم، وتستدعي يقظة تنظيمية أكبر، حتى لا يُستغل الدين في غير مقاصده، ولا تُوظَّف المناسبات الروحية في غير ما أُقيمت له.
ومن الملاحظات أيضا التي أثارت استغراب عدد من الحاضرين، الحضور اللافت لحراس أمن مخصَّصين للدكتور المحاضر، في صورة لم يسبق أن رافقت الدكتور سعيد الكملي في محاضراته داخل المغرب أو خارجه، حيث عُرف عنه التواضع والبساطة، وهو ما جعل هذا المشهد يبدو أقرب إلى تنظيم حفل ليلي منه إلى مجلس علم وذكر.
نهيك عن تسجيل اختلاط واضح بين النساء والرجال دون تخصيص فضاء مستقل أو منطقة مهيأة للنساء، وهو أمر كان بالإمكان تفاديه بسهولة، احتراما للخصوصية، وللأعراف التنظيمية المتعارف عليها في مثل هذه الأنشطة. وكذا أعراف المنطقة.
ويطرح هذا كله سؤالًا جوهريًا: لماذا لا تُنظَّم مثل هذه المحاضرات في فضائها الطبيعي؟ فمدينة الناظور تزخر بمساجد كبرى قادرة على احتضان الآلاف، مثل مسجد محمد السادس بحي المطار، او مسجد أولاد إبراهيم، وكذا مسجد لالة أمينة (الحاج مصطفى) وغيرهما، وهي فضاءات تجمع بين السعة، والسكينة، والانسجام الروحي، وتغني عن كثير من الإشكالات التنظيمية.
ومن بين الحلول التنظيمية التي باتت ضرورية في مثل هذه التظاهرات ذات الإقبال الواسع، اعتماد مبدأ الدعوات أو التسجيل المسبق، سواء عبر توزيع دعوات محددة العدد، أو إنشاء مجموعات تواصل (كـ“واتساب”) تضم الراغبين في الحضور، بتنسيق مع جهة معينة، قصد ضبط العدد، وحسن توزيع الفضاءات، وتوفير ظروف ملائمة للجميع.
وقد أثبتت هذه الآلية نجاعتها محليًا، كما هو الحال مع رابطة الشباب من أجل التنمية والتضامن، التي نجحت عبر خطوات استباقية وتنظيم محكم، في تأطير متابعة جل مباريات المنتخب الوطني خلال كأس أمم إفريقيا، بالقاعة المغطاة بحي المطار، حيث تم ضبط الحضور، وتوجيه الدعوات، وتهيئة الأجواء، بما سمح بحضور العائلات في فضاء منظم، خالٍ من الفوضى والمظاهر غير اللائقة.
إن استلهام مثل هذه التجارب الناجحة، وتكييفها مع الأنشطة الدينية والعلمية، من شأنه أن يضمن احترام قدسية المناسبة، ويحفظ راحة الحاضرين، ويحول دون كثير من الاختلالات التي يُعاد تكرارها بسبب غياب التخطيط المسبق وآليات التواصل الواضحة.
ولا يمكن إغفال دور مسيّر المحاضرة، حيث لوحظ حشو زائد في التقديم، وحدة في نبرة الصوت، ما أخلّ بإيقاع الافتتاح، في حين أن مثل هذه اللقاءات تحتاج إلى مسيّر هادئ، مقتضب، يحسن ضبط الزمن والسياق، ويترك المجال للعلم أن يقول كلمته دون ضجيج أو بهرجة.
وفي الأخير، إن نقد هذه الجوانب لا ينتقص من قيمة المحاضرة ولا من مكانة مؤطّرها، بل يندرج في باب النصح العام، حتى ترتقي الأنشطة الدينية المقبلة إلى مستوى الرسالة التي تحملها، وتُحاط بما يليق بها من تنظيم، ووقار، وحُسن اختيار للمكان والوسائل. فالرسالة المحمدية التي قامت على الرحمة، أحوج ما تكون اليوم إلى أن تُقدَّم في أجواء تعكس معناها، لا أن تُثقِلها تفاصيل كان يمكن تداركها ببعض الحكمة وحسن التقدير.
وفي الختام، فإن التنظيم لا يبدأ بتسيير حشود المواطنين يوم النشاط، بل ينطلق من تدبيرٍ استباقيٍّ محكم لكيفية استقبالهم، وضبط شروط الحضور، واختيار الفضاء الملائم، وتوفير الأجواء التي تليق بحرمة المناسبة وقيمة المؤطِّر.
فالمحاضرات العلمية ليست مجرد حدث عابر، بل رسالة ومسؤولية، وكل خلل في تفاصيلها التنظيمية قد يُربك مقصدها، مهما سمت مضامينها. ومن هنا، يظل الرهان الحقيقي هو الارتقاء بالتنظيم إلى مستوى الفكرة، حتى تظل مجالس العلم منابر للوقار والمعرفة، لا ساحات للازدحام أو الاستعراض وأخذ الصور.
ويطرح هذا كله سؤالًا جوهريًا: لماذا لا تُنظَّم مثل هذه المحاضرات في فضائها الطبيعي؟ فمدينة الناظور تزخر بمساجد كبرى قادرة على احتضان الآلاف، مثل مسجد محمد السادس بحي المطار، او مسجد أولاد إبراهيم، وكذا مسجد لالة أمينة (الحاج مصطفى) وغيرهما، وهي فضاءات تجمع بين السعة، والسكينة، والانسجام الروحي، وتغني عن كثير من الإشكالات التنظيمية.
ومن بين الحلول التنظيمية التي باتت ضرورية في مثل هذه التظاهرات ذات الإقبال الواسع، اعتماد مبدأ الدعوات أو التسجيل المسبق، سواء عبر توزيع دعوات محددة العدد، أو إنشاء مجموعات تواصل (كـ“واتساب”) تضم الراغبين في الحضور، بتنسيق مع جهة معينة، قصد ضبط العدد، وحسن توزيع الفضاءات، وتوفير ظروف ملائمة للجميع.
وقد أثبتت هذه الآلية نجاعتها محليًا، كما هو الحال مع رابطة الشباب من أجل التنمية والتضامن، التي نجحت عبر خطوات استباقية وتنظيم محكم، في تأطير متابعة جل مباريات المنتخب الوطني خلال كأس أمم إفريقيا، بالقاعة المغطاة بحي المطار، حيث تم ضبط الحضور، وتوجيه الدعوات، وتهيئة الأجواء، بما سمح بحضور العائلات في فضاء منظم، خالٍ من الفوضى والمظاهر غير اللائقة.
إن استلهام مثل هذه التجارب الناجحة، وتكييفها مع الأنشطة الدينية والعلمية، من شأنه أن يضمن احترام قدسية المناسبة، ويحفظ راحة الحاضرين، ويحول دون كثير من الاختلالات التي يُعاد تكرارها بسبب غياب التخطيط المسبق وآليات التواصل الواضحة.
ولا يمكن إغفال دور مسيّر المحاضرة، حيث لوحظ حشو زائد في التقديم، وحدة في نبرة الصوت، ما أخلّ بإيقاع الافتتاح، في حين أن مثل هذه اللقاءات تحتاج إلى مسيّر هادئ، مقتضب، يحسن ضبط الزمن والسياق، ويترك المجال للعلم أن يقول كلمته دون ضجيج أو بهرجة.
وفي الأخير، إن نقد هذه الجوانب لا ينتقص من قيمة المحاضرة ولا من مكانة مؤطّرها، بل يندرج في باب النصح العام، حتى ترتقي الأنشطة الدينية المقبلة إلى مستوى الرسالة التي تحملها، وتُحاط بما يليق بها من تنظيم، ووقار، وحُسن اختيار للمكان والوسائل. فالرسالة المحمدية التي قامت على الرحمة، أحوج ما تكون اليوم إلى أن تُقدَّم في أجواء تعكس معناها، لا أن تُثقِلها تفاصيل كان يمكن تداركها ببعض الحكمة وحسن التقدير.
وفي الختام، فإن التنظيم لا يبدأ بتسيير حشود المواطنين يوم النشاط، بل ينطلق من تدبيرٍ استباقيٍّ محكم لكيفية استقبالهم، وضبط شروط الحضور، واختيار الفضاء الملائم، وتوفير الأجواء التي تليق بحرمة المناسبة وقيمة المؤطِّر.
فالمحاضرات العلمية ليست مجرد حدث عابر، بل رسالة ومسؤولية، وكل خلل في تفاصيلها التنظيمية قد يُربك مقصدها، مهما سمت مضامينها. ومن هنا، يظل الرهان الحقيقي هو الارتقاء بالتنظيم إلى مستوى الفكرة، حتى تظل مجالس العلم منابر للوقار والمعرفة، لا ساحات للازدحام أو الاستعراض وأخذ الصور.

محاضرة الدكتور سعيد الكملي بالناظور.. مضمون علمي رفيع وتنظيم دون مستوى الحدث