المزيد من الأخبار






النقاش العمومي تحت رحمة “اليوتيوبرز” لإثرائه بفهم “مجلس السلام” والجيوسياسة


النقاش العمومي تحت رحمة “اليوتيوبرز” لإثرائه بفهم “مجلس السلام” والجيوسياسة
ناظورسيتي: متابعة

لم يكن الجدل الذي رافق حلقة برنامج “فيرال” على قناة ميدي 1 تيفي مجرد ردّ فعل انفعالي عابر، بل شكّل إدانة شعبية صريحة لمسار الإعلام العمومي، حيث انزلق النقاش من الرصانة العلمية إلى منطق “الفرجة السياسية”، وتحولت القضايا الجيوسياسية إلى مادة سهلة الاستهلاك، تُقدَّم أحيانًا وفق منطق الانتشار والشهرة أكثر من الكفاءة والتحليل.

البرنامج، وهو يتناول ملفًا بالغ الحساسية والتعقيد كـ«مجلس السلام» الذي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأسيسه، ويضم المغرب كعضو مؤسس، اختار أن يُسند النقاش إلى صناع محتوى ويوتوبرز، لا إلى باحثين في العلاقات الدولية أو أساتذة علوم سياسية أو دبلوماسيين سابقين. وهنا يكمن الخلل في توازن النقاش العمومي، إذ أصبحت المنصات الإعلامية تعتمد على شعبيّة الأسماء أكثر من عمق الخبرة.

إن ملف “مجلس السلام” يندرج بالأساس ضمن القضايا الجيوسياسية الخالصة، لارتباطه المباشر بموقع المغرب الإقليمي، وبشبكة علاقاته مع القوى الكبرى، وبما يترتب عن ذلك من تداعيات على السيادة، الأمن، التحالفات، والنفوذ.

فالأمر لا يتعلق برأي شخصي أو محتوى تحفيزي عابر، بل بـحسابات قوة وتوازنات دولية ومصالح استراتيجية دقيقة، تتطلب مقاربة تحليلية رصينة، وهو ما غاب حين أصبح صناع المحتوى هم مصدر النقاش الأساسي.

كما أن القضية هنا تتعلق بحدود الاختصاص أكثر من أي شيء آخر. وإن السياسة الدولية ليست رأيًا شخصيًا أو مادة قابلة للاختزال في انطباعات سريعة أو فيديوهات قصيرة، بل حقل معرفي له أدواته ومفاهيمه التاريخية، وأي إخراج له من هذا السياق هو تبسيط مُخلّ وتشويه للوعي العام.


أضف أن ردود الفعل الغاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي لم تأتِ من فراغ. إذ أن عدد واسع من النشطاء عبروا عن استيائهم من تحويل موضوع استراتيجي إلى مادة “فيسبوكية”، تُناقش بلغة انطباعية وخالية من العمق، بينما هي في الواقع ثرثرة مصقولة لا تصمد أمام أي مساءلة علمية.

والأخطر من ذلك أن اعتماد صناع المحتوى لمناقشة ملفات ذات حجم استراتيجي يعكس منطقًا جديدًا في الإعلام العمومي: الشهرة بدل الكفاءة، والانتشار بدل الاختصاص، وهو منطق يسيء ليس فقط لصورة القناة، بل أيضًا لوظيفة الإعلام في توعية الرأي العام وتحفيزه على الفهم النقدي.

إن استدعاء “يوتيوبرز” لمناقشة توازنات القوة الدولية وأدوار الدول ومستقبل النزاعات العالمية يحوّل النقاش العمومي إلى فرجة متاحة للجميع، على حساب التحليل العميق، ويضع المشاهد في مواجهة معلومات ناقصة أو مضللة، بدلاً من إعطائه أدوات الفهم الواقعي.

ما وقع في “فيرال” ليس سقطة عابرة، بل انعكاس لأزمة أعمق في النقاش العمومي المغربي: من هو المؤهل للحديث عن ملفات استراتيجية؟ وكيف يمكن للمواطن أن يكوّن رأيًا قائمًا على تحليل موضوعي في زمن صعود تأثير صناع المحتوى؟

الإعلام، حين يتخلى عن مسؤوليته المعرفية، لا يصبح محايدًا، بل شريكًا في تفريغ السياسة من معناها، وتحويل القضايا المصيرية إلى مشاهد عابرة، تُستهلك كما يُستهلك أي محتوى ترفيهي آخر.

والخلاصة أن ما أثار السخرية والانتقاد ليس مجلس السلام في حد ذاته، بل الطريقة التي قُدّم بها النقاش، وكيف أصبح النقاش العمومي تحت رحمة اليوتيوبرز لإثرائه بفهم الملفات الجيوسياسية، وهو مؤشر صريح على أزمة الاختيار، أزمة المعايير، وأزمة احترام التخصص في الإعلام العمومي.



تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح