الرضواني ينتقد المذكرات الحزبية الخاصة بالنموذج التنموي..لا تنمية بدون الفصل بين السلطتين السياسية والاقتصادية


الرضواني ينتقد المذكرات الحزبية الخاصة بالنموذج التنموي..لا تنمية بدون الفصل بين السلطتين السياسية والاقتصادية
ناظورسيتي: علي كراجي

اعتبر محمد الرضواني، أستاذ العلوم السياسية بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور، ان تشخيص واقع المغرب وإعادة ذلك دون تقديم علاج يحقق نتائج ملموسة على مستوى الواقع، وتضخيم النقاشات حول ملفات معينة بخلفية الهيمنة على الفضاء العمومي، والاستيلاء على خطابات المعارضة من قبل الفاعلين السياسيين الرسميين، أضحى يعبر فعلا عن هيمنة ظاهرة "سند أمان آد أمان" على الفضاء السياسي؛ والوصف مثال ريفي يستعمل للتعليق على من يدور في حلقة مفرغة ويقوم بخض الماء عوض اللبن، وذلك نظرا لكثرة التقارير التي تشرف عليها الدولة؛ كدفتري الخمسينية والجهوية الموسعة دون الوصول عن طريقها الى المبتغى المنشود.

وحل الرضواني، أول أمس الخميس، 13 فبراير الجاري، ضيفا على جامعة محمد الخامس بالرباط، لتأطير لقاء حول النموذج التنموي، شارك فيه بمداخلة شكل موضوع "السياسي والاقتصادي في مذكرات الأحزاب السياسية" محورا لها، وقد تطرق له من خلال استحضار أهمية الفصل بين السلطات في تحقيق التنمية وإشكالية الجمع بين السلطتين السياسية والاقتصادية.

وشدد المتدخل، في محاضرته على ضرورة الفصل بين السلطات، لكون ذلك من ضمن أهم وسائل تحقيق التنمية، مشيرا إلى تعميم هذا الفصل ليشمل مختلف السلطات، المدنية والعسكرية، السياسية والمجتمع المدني، إضافة إلى السلطة الاقتصادية، مؤكدا أن واقع الممارسة السياسية في الدول الغربية أثبت القفزة الكبيرة التي حققتها نتيجة الفصل بين السلط المذكورة.




وانطلاقا من الحالة المغربية، فقد اعتبر المحاضر، أن الجمع بين السلطتين الاقتصادية والسياسية، أصبح ظاهرة تتسم بالاستمرارية في الحياة السياسية، مستندا في ذلك على دراسات أكدت آثار هذا الجمع على النخب المستفيدة من الوضع، وقال في هذا الصدد "بالرغم من تعبير المغرب على انخراطه في الانتقال الديمقراطي منذ حكومة التناوب عام 1998، وفتح العديد من الإصلاحات السياسية والحقوقية، والمبادرات الاجتماعية، فإن ظاهرة الجمع بين السلطتين الاقتصادية والسياسية ظلت راسخة إلى أن أصبحت من الطابوهات على مستوى الإصلاح، لتزيد بعد ذلك استفحالا مع انتشار آثار العولمة والأزمة الاقتصادية المالية الدولية وانفتاح السوق المغربية".

وأوضح الرضواني، ان تركيز الرأسمال في أيدي ائتلاف مهيمن اقتصاديا وسياسيا، وتوظيف المناصب السياسية في توجيه السياسات العمومية لخدمة المصالح المالية الضيقة والفئوية والشخصية إضافة إلى الممارسات الاحتكارية والإقصائية في الميدان الاقتصادي وما ينتج عن ذلك من عدم القدرة على تحدي القوى الاقتصادية السياسية المهيمنة على مختلف المجالات الصناعية والخدماتية والفلاحية...، أصبحت من بين أبرز مظاهر الجمع بين السلطتين موضوع محاضرته.




وفي سياق متصل، أشار المتحدث لمظاهر تعكس الجمع بين السلطتين السياسية والاقتصادية، ومن بينها المتاجرة في النفوذ؛ النفوذ السياسي كرأسمال مربح، وتزايد شخصنة القرارات السياسية، والمساومات ذات الطبيعة الاقتصادية المصلحية في الأوساط السياسية، ناهيك عن الانتشار الكبير لأسلوب الجماعات الضاغطة لدى النخبتين الاقتصادية والسياسية معا.

وقدم المصدر نفسه، عناصر أخرى لتأكيد الظاهرة المثارة سلفا، رابطا بينها والمذكرات التي وضعتها الأحزاب السياسية على طاولة لجنة النموذج التنموي الجديد، إذ أكد ان الأحزاب واصلت مناقشتها لموضوع التنمية بنفس الآليات والوسائل الماضية، بالرغم من إثارة الرأي العام والإعلام لظاهرة الجمع بين السلطتين الاقتصادية والسياسية وآثارها الوخيمة على البلاد، وذلك منذ تظاهرات 20 فبراير وحراك الريف وفي مختلف الاحتجاجات الأخرى وحملة المقاطعة الغامضة لمنتجات بعض الشركات المعروفة.

ويرى الرضواني في هذا الإطار، أن الأحزاب السياسية وإن أكدت في مذكراتها على أهمية الديمقراطية في تحقيق التنمية، فإن مقترحاتها بشأن الجمع بين السلطتين الاقتصادية والسياسية لم تشكل فكرة محورية في تشخصيها، إضافة إلى كونها لم تعبر عنها بشكل مباشر، مسلطا بذلك الضوء على المذكرات المقدمة للجنة النموذج التنموي وتغييبها للعنصر المثار في نقاشه.

وقال، إنه إضافة إلى حزب التجمع الوطني للأحرار الذي لم يشر مطلقا لمظاهر الجمع بين السلطتين الاقتصادية والسياسية في مذكرته، فإن أحزاب أخرى كالعدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، لم تتوفق في جعل الظاهرة قضية محورية. ولاحظ الرضواني، أن مذكرتي فيدرالية اليسار الديمقراطي وحزب الاستقلال، كانتا الأكثر قربا من إثارة ظاهرة احتكار السلطتين السياسية والاقتصادية، وفي هذا الإطار ركزت مذكرة حزب الاستقلال على استحالة تحقيق التغيير في ظل هيمنة سلطة المال وتغول اللوبيات التي أصبحت مؤثرة في القرار السياسي وعلى ضرورة تجفيف منابع الريع، وذلك من خلال الانتقال من مجتمع مبني على الوساطة والامتيازات والدوائر النفعية المغلقة الى مجتمع الحقوق للجميع وضرورة اعتماد إطار قانوني خاص وملائم في شكل مدونة بهدف التصدي لتنازع المصالح بأشكالها وتقاطعاتها المختلفة.



وسجل المتدخل استنتاجات عديدة حول مذكرات الأحزاب السياسية، معتبرا أنها جاءت غير كاشفة إذ تقدم معطيات عامة وتختبئ خلف لغة رنانة، بعيدا عن إظهار مكامن الاختلالات التي يعرفها المغرب لاسيما ما يتعلق بتأثير الشركات الكبرى في القرارات السياسية وعلى مستوى النخبة الاقتصادية المتورطة في الجمع بين السلطتين الاقتصادية والسياسية، وتحويلها لمدن وأقاليم "رهينة" في يديها، ما أدى إلى احتقان اجتماعي رافقته شعارات احتجاجية قوية من قبيل المافيا والعصابات.

وأبرز، أنها جاءت بلغة عادية مألوفة في الخطاب المغربي وغير مختلفة عن تقارير المجالس والمؤسسات الرسمية التي تكون أكثر تقدما في بعض الحالات، لكونها لم تقدم إشارات تجيب عن الأسئلة المقلقة التي يطرحها المواطن المغربي حول السلوك الاقتصادي للأبناك ومسؤوليتها في العجز الاقتصادي الذي يعرفه المغرب، وغياب الجرأة لدى الفاعل السياسي في إصلاح هذا القطاع، وحول السلوك الاقتصادي للشركات الكبرى في مجال المستحضرات الصيدلية والأدوية شبه الطبية، وفي قطاع العقار وصناعة السيارات والصناعات الغذائية والمحروقات. فضلا عن أسئلة أخرى حول المستفيد من محاربة الاقتصاد غير المهيكل، خاصة التهريب، هل الدولة أم الائتلاف المهيمن؟.

وفي هذا الإطار، أبرز الرضواني أن القضاء التدريجي على التهريب المعيشي الذي تعرفه المناطق الشمالية يعتبر إجراء سينعكس سلبا على مستقبل منطقة الريف، نظرا لآثاره الاقتصادية والاجتماعية الوخيمة والخطيرة على المنتفعين المباشرين ومستوى عيش المواطن، خاصة وأن دولة ضعيفة اقتصاديا مثل المغرب لا يمكن أن تقدم بديلا مقنعا، مع العلم أن التهريب شكل حاضنة اجتماعية لسكان المنطقة، وبالرغم من ذلك لا أحد من الأحزاب السياسية أثار ذلك، الأمر الذي يعكس تواطئا مخيفا.

إلى ذلك، وصف أستاذ العلوم السياسية، مذكرات الأحزاب السياسية بوثائق تعبر في جانب كبير منها عما يمكن تسميته بمسرحة التنمية والمقترحات؛من جهة، نظرا لتغيير هذه القوى لخطابها وتوجهاتها بمجرد صدور بلاغ عن الديوان الملكي أو مباشرة بعد خطاب رئيس الدولة، أو أحيانا بمجرد إشارة ملكية غير صريحة؛ ومن جهة أخرى لكون أغلب الأحزاب مشاركة في الحكومة لما يفوق عن 20 سنة، ومن بينها من تقود المؤسسة الحكومية منذ 2012، لكنها تواصل انتقاد النموذج التنموي بتقديم تشخيص يظهر تراجع المغرب في مجالات عدة وإشهارها لمقترحات إجرائية مكانها الطبيعي البرامج الحزبية والحكومية وليس المذكرات.




تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح