المزيد من الأخبار






عبد الحق المساوي: حين يصبح المؤثر بديلا عن المنتخب.. قراءة سوسيولوجية في ظاهرة “خالد العليان” بالناظور


عبد الحق المساوي: حين يصبح المؤثر بديلا عن المنتخب.. قراءة سوسيولوجية في ظاهرة “خالد العليان” بالناظور
عبد الحق المساوي

​تعتبر التفاعلات والنقاشات التي رافقت زيارة المؤثر الرقمي "خالد العليان" لإقليم الناظور حدثا سوسيولوجيا مهما لفهم التحولات البنيوية في علاقة المواطن بالمجال العام. حيث تجاوزت هذه الواقعة منطق "الحدث العابر" لتستقر كظاهرة اجتماعية مكتملة الأركان، تعكس انتقالا حادا من التنمية القائمة على التخطيط المؤسساتي إلى ما يمكن تسميته بـ "التنمية الاستعراضية".
​ويمكن التفصيل في هذه القراءة عبر المقاربات التحليلية الآتية:

​أولا ـ أزمة التمثيلية وتراجع دور النخب السياسية المحلية
​تؤشر الحفاوة الشعبية والمؤسساتية المبالغ فيها تجاه "الفاعل الرقمي" على وجود شرخ عميق في العقد الاجتماعي بين الساكنة والنخب السياسية المحلية. فحين تفشل المؤسسات التمثيلية (أحزاب، مجالس منتخبة،...) في القيام بدورها التاريخي كقناة للوساطة والترافع، يحدث نوع من "النزوح الجماعي" نحو بدائل غير مؤسساتية. إذ في هذا السياق، لم يعد "المؤثر" مجرد صانع محتوى، بل تحول في المخيال الشعبي إلى "وسيط إنقاذ" يرتجى منه لفت انتباه مركز القرار وتحقيق مكاسب تنموية عجزت الدبلوماسية الموازية والسياسة المحلية عن تحصيلها طيلة عقود.

​ثانيا ـ سوسيولوجيا الاحتياج الرمزي و"يوتوبيا" التسويق الفيروسي
​تعكس استمالة الساكنة لهذه الزيارة حالة من الفراغ الرمزي والقلق التنموي. لقد تم إحلال "الخوارزمية" محل "الخطة التنموية"، حيث تسود قناعة واهمة بأن "الترند" الرقمي يمتلك سلطة سحرية قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد المحلي. هذا الارتهان للعاطفة الرقمية يكشف عن يأس بنيوي من الآليات العلمية للتنمية؛ فبدل المطالبة باستثمارات مهيكلة ومصانع وبنى تحتية، يتم اختزال الطموح الجماعي في "مقطع فيديو" قد يجلب سياحا أو مستثمرين مفترضين، وهي مقاربة تتسم بـ الهشاشة والارتهان للحظة الراهنة.

​ثالثا ـ الصراع بين "الواقع السوسيو-اقتصادي" و"الصورة المتخيلة"
​تطرح هذه الظاهرة إشكالية "تزييف الواقع عبر الشاشة". فالمؤثر الرقمي، وبحكم طبيعة نشاطه القائم على "الجمالية البصرية" (Aesthetics)، يعمد إلى انتقاء مشاهد العظمة والجمال، متغافلا عن التناقضات الصارخة والمشاكل الهيكلية التي يتخبط فيها الإقليم (البطالة، ضعف الخدمات الصحية، أزمة التهريب المعيشي سابقا). إن هذا التباين يخلق حالة من الاغتراب السوسيولوجي؛ حيث يشاهد المواطن "ناظورا متخيلا" عبر شاشة هاتفه، بينما يصطدم يوميا بـ "ناظور واقعي" يئن تحت وطأة التهميش، مما يجعل الرهان على المؤثر رهانا سطحيا لا يلامس جوهر الأزمة.

​رابعا ـ تحذير من "تمتيع" العمل التنموي
​إن الخلاصة المركزية لهذا الحراك تشير إلى تحول خطير في الثقافة السياسية المحلية؛ حيث بدأت التنمية تتحول من مسار نضالي ومؤسساتي جاد إلى "محتوى استهلاكي" يقتات على تطلعات المقهورين. إن خطورة هذه الظاهرة تكمن في شرعنة "الفعل الارتجالي" على حساب "العمل المؤسساتي"، وتحويل مطالب الساكنة المشروعة من حقوق قانونية ودستورية إلى "هبات" مرتبطة بمدى نجاح حملة رقمية أو زيارة عابرة لمشهور.

​خامسا ـ سيكولوجيا الفراغ السياسي العاطفي: "المؤثر" كبديل وجداني
​يمكن تفسير تبني المواطن الناظوري لدور المؤثر السعودي "خالد العليان" كبديل عن النخب السياسية المحلية من خلال مفهوم "الفراغ السياسي العاطفي". فالعلاقة بين المحكوم والحاكم لا تتأسس فقط على المصالح المادية، بل وعلى روابط الالتزام والوجدان، وحين يختزل الفاعل السياسي المحلي حضوره في "الموسمية الانتخابية" والخطاب الخشبي الجاف، تنشأ حالة من اليتم السياسي لدى الساكنة.

​في ظل هذا الفراغ، يتقدم "المؤثر" لملء الهوة عبر خطاب "عاطفي، مباشر، وغير بروتوكولي"، مستخدما لغة التقدير والانبهار بمؤهلات الإقليم، وهي اللغة التي افتقدها المواطن في خطاب نخبه المحلية التي غالبا ما تتبنى لغة "التبرير" أو "الوعود المؤجلة". إن هذا الانتقال يعكس رغبة جماعية في "الاستعاضة الوجدانية"، حيث يتم إسقاط آمال الإنقاذ على "الآخر" القادم من الفضاء الرقمي، ليس لامتلاكه حلولا واقعية، بل لقدرته على تقديم "الاعتراف الرمزي" بجمالية وقيمة الإقليم، وهو الاعتراف الذي فشلت النخب المحلية في ترجمته إلى كرامة اقتصادية واجتماعية على أرض الواقع. وبذلك، يتحول الإعجاب بالمؤثر إلى شكل من أشكال العقاب الرمزي للنخب المحلية، ومحاولة للبحث عن "أبوة تنموية" بديلة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة التقليدية.

​الخلاصة:
إن ما حدث في الناظور هو بمثابة استفتاء رقمي على فشل النخب المحلية، وهو تنبيه صريح إلى ضرورة إعادة الاعتبار للعمل السياسي الجاد، بدلا من ترك المجال العام نهبا لـ "دبلوماسية السنابات" التي قد تلمع الواجهة لكنها لا تصلح الأساسات.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح