بوتخريط يكتب.. عن أحلام الشباب قوارب الموت رحلات الهروب وعيون أمهات مكلومات أذبلها الحنين


بوتخريط يكتب.. عن أحلام الشباب قوارب الموت رحلات الهروب وعيون أمهات مكلومات أذبلها الحنين
محمد بوتخريط . هولندا

- أنَّ الإنسان بلا حلم ذكرى إنسان؟ !
عن أحلام الشباب ، قوارب الموت ، رحلات الهروب ، وعيون أمهات مكلومات أذبلها الحنين.


الى الامهات اللاتي فقدن فلذات الاكباد..
الى المرابطات على شواطئ الاحلام ..
الى اللاتي يصارعن شغف العيش وانتظار المجهول وخطر الامراض.
الى كل الامهات...

خابت الآمال وتبخرت الأحلام...
ما ان انتهي من تصفح خبرعن غرق قارب حتى أصادف آخر عن اختفاء قوارب أخرى في عرض البحر تقل "مهاجرين" ابحروا من الريف أو من مناطق أخرى من البلد..
لا أسمع خبرا عن هجرة سرّية إلا وتبعته أخبار مماثلة، من الناظور إلى الحسيمة الى أعالي جبال الريف .. الصورة واحدة و النزيف واحد والمأساة قاتلة، والمأساة الكبرى اليوم أنّ "الحريك" صار جماعيا، والكارثة العظمى أن عائلات بأكملها صارت تركب البحر..تأخذ الأطفال و الرضع وحتى القطط ، هي مآسي أخرى وللأسف ليست الأخيرة.

تحولت شواطئ الريف ملاذا للعديد من الشباب من مختلف بقاع الوطن، ومهما اختلفت الطرق وتنوعت الوسائل فإن الوجهة واحدة ..هي الوصول إلى ما وراء البحر...
هي ، حكاياتنا ..ولا تنتهي ..
شباب يائس يركب موج البحر ولا يفكر في العواقب، بل أنه يدركها تماما لكنه يفضل المحاولة حتى لو خسر الرهان.. فحين يرسم الواقع الشروخ العميقة والجراحات الدامية لا يجد هؤلاء سوى الرحيل للضفة الأخرى دواء لجراحهم...وهروبا من وطن لم يفلح في إسعادهم.
شباب مغامر يحلم بحياة أفضل ومستقبل واعد في ظل ضيق الأفق والفقر والبطالة والفساد والبيروقراطية والمحسوبية والاختلاسات، وانعدام الفرص في أوطانهم ..
شباب مهمش فضل الانتحار الجماعي بحرق جميع قواربه على أن يعود إلى بلد حباه الله من "الخيرات" ما لم يمنحه للأماكن التي يحلم بالعيش فيها... لكنه لا يستفيد منها..وحالة الفقر في البلد مخزية في ظل وجود ثروات وخيرات كفيلة بخلق حالة الاكتفاء الذاتي للجميع!!.
شباب اختار طريقه وسط القوارب المهترئة ...ركبوها وغاصوا أعالي البحار ... في رحلة مجهولة العواقب ، أصبحت رديفاً لما هو عذاب دائم وموت محتمل في أعماق البحر .. رحلة الهروب من الحياة إلى الموت ...الهروب من وطن لم يفلح في إسعادهم...مخلفين أمهات مكلومات، تبحث عن جثث أبنائها و بعضهن مازلن يقصدن الشواطئ كل يوم ينتظرن عودة فلذة أكبادهن، بدموع حارقة تنسكب من عيون أذبلها الحنين، وصدى أنين لا يتوقف في قلوب تسكنها لوعة الاشتياق وحيرة السؤال..



آلاف المشاهد تزدحم في ذاكرتي لأصدقاء وأبناء بلدتي غادروا على عجلٍ..
آلاف المشاهد تزدحم في ذاكرتي لمقاطع فيديوهات وصور لهؤلاء وهم يودعون الوطن على شواطئ البلد قبيل انطلاقهم في الرحلة .. يوجهون كلماتهم الأخيرة لعائلاتهم ..وفي أذهانهم كل الاحتمالات ، قد يصلون وقد لا يصلون لشواطئ الأمان ، قد يعانقون "أوروبا" وقد يبتلعهم البحر فيموتون على أعتابها أو تحت أسوارها..

لم يدر بخلدهم يوما أن يتركوا المدينة التي احتضنتهم لسنوات و لا الحي الذي نشأوا وتربو داخله ولا الشوارع والأزقة التي ترعرعوا فيها، لكنّهم اضطروا إلى الخروج منها ..
هاجروا المدينة ، كما هاجرها العديد من أقرانهم ، ما جعلها شبه مهجورة وجعل الحياة فيها مستحيلة...هجروا يبحثون عن مكان آمن يستطيعون العيش فيه بأمان ...يروون معاناة الخروج بغصة في الحلق.."العيش في البلد صار صعبا بل مستحيلا" ..
اضطروا إلى الهجرة بشكل قسري تاركين خلفهم كل شيء،
وأي شيء ؟
هو الشيء الذي أصبح هو والعدم سواء .

اليس هؤلاء أبطال ؟
هؤلاء الذين يناضلون من أجل حياة أفضل ، يغامرون بحياتهم في ركوب "قوارب الموت" للوصول من شواطئ البلد إلى بلدان أخرى يرتزقون فيها على نحو أفضل...تغرق المراكب ، يموتون ويفشلون في الوصول إلى حلم 'الحياة' ..
علينا أن نوجه البوصلة نحو هؤلاء الأبطال الحقيقيين الذين هم موجودون بيننا،صمدوا وتحملوا كل المصاعب... موجودون بيننا، من لحمنا ودمنا، من جامعاتنا، من قُرانا من مزارعنا ، و شوارعنا...
كم أحبوا روائح الورد على شرفات منازلهم ، ورائحة الحبق المزروع في زوايا الأمكنة ..
كم مرة تذرعوا الى الله ليرحمهم..
لكن الوطن لم يرحمهم ..
وطن ، كان أرض الاحلام ، لكن اليوم هرب الحلم لدول الجوار...هنالك انتعش وأزدهر و في البلد ...غاب أو اضمحل ..

خلاصة الحكاية..
كيف سنروي يوماً ما لأطفال البلد ، قصص الشوق المعلّق على محاجر الأمهات في انتظار أبناءٍ لم يعودوا..
واليوم لم يبق لهن سوى الانتظار...
ووحده الموت كان بانتظار فلذات الاكباد .



تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح