المزيد من الأخبار






وثيقة أمريكية تكشف: خوان كارلوس الأول فكر في تسليم مليلية إلى المغرب وتدويل سبتة


وثيقة أمريكية تكشف: خوان كارلوس الأول فكر في تسليم مليلية إلى المغرب وتدويل سبتة
ناظورسيتي: أيوب الصابري

قبل سنوات طويلة من زيارة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول وزوجته صوفيا إلى سبتة ومليلية المحتلتين، كانت المدينتان تمثلان واحدة من أكثر الملفات حساسية في علاقة إسبانيا بالمغرب.

وتكشف وثائق دبلوماسية أمريكية أن خوان كارلوس الأول طرح، في نهاية سبعينيات القرن الماضي، إمكانية التخلي عن مليلية لصالح المغرب، مقابل وضع سبتة تحت إدارة أو حماية دولية، وذلك في سياق مخاوف إسبانية من تكرار سيناريو المسيرة الخضراء التي قادها الملك الراحل الحسن الثاني في الصحراء سنة 1975.


اجتماع سري في قصر زارزويلا

تعود التفاصيل إلى سنة 1979، أي بعد أربع سنوات فقط من وفاة فرانكو، عندما استقبل خوان كارلوس الأول في قصر زارزويلا السيناتور الأمريكي إد موسكي، الذي كان مبعوثا شخصيا للرئيس الأمريكي آنذاك جيمي كارتر في جولة أوروبية هدفت إلى تقييم الوضع السياسي في القارة بشكل غير معلن.

واستمر الاجتماع لأكثر من ساعة ونصف، بحضور السفير الأمريكي في مدريد تيرينس تودمان.

ووفقا لما أورده المؤرخ تشارلز باول في كتابه "خوان كارلوس الأول.. ملك من أجل الديمقراطية"، فإن الملك الإسباني تحدث مع ضيفيه عن إمكانية التوصل إلى حلول مختلفة بشأن المدينتين.

وتضمنت الأفكار المطروحة إمكانية تسليم مليلية للمغرب خلال فترة زمنية قصيرة، ووضع سبتة تحت حماية دولية، على غرار النظام الذي حكم طنجة بين عامي 1923 و1956، قبل استقلال المغرب.

برقية سرية وصلت إلى واشنطن

لم تبق تفاصيل الاجتماع داخل جدران القصر، إذ جرى توثيقها في برقية دبلوماسية سرية أرسلتها البعثة الأمريكية في مدريد إلى وزارة الخارجية الأمريكية.

وأزيلت السرية عن هذه الوثيقة سنة 2014.

وبحسب البرقية، اعتبر خوان كارلوس الأول أن "القضية الكبرى" بين إسبانيا والمغرب تتمثل في المدينتين.

وكان يرى أن التخلي عن مليلية قد يكون أسهل نسبيا، لأن عدد الإسبان المقيمين فيها آنذاك لم يكن يتجاوز 10 آلاف شخص.

أما رد فعل المؤسسة العسكرية الإسبانية، فكان حاضرا في حسابات الملك، إذ أقر بأن الجيش سيحتج على القرار، لكنه اعتبر أنه قادر على السيطرة على الوضع، وقدر أن حالة الغضب داخل المؤسسة العسكرية قد تستمر شهرين فقط.

سبتة كانت أكثر تعقيدا

في المقابل، رأى خوان كارلوس الأول أن التخلي عن سبتة سيكون أكثر صعوبة، بسبب عدد سكانها الإسبان الذي كان يبلغ آنذاك حوالي 60 ألف شخص.

وهذا الرقم ارتفع مع مرور السنوات، إذ يبلغ عدد سكان المدينة اليوم نحو 85 ألف نسمة وفق المعطيات الواردة في التقرير.

ولهذا السبب، طرح الملك الإسباني آنذاك خيارا مختلفا، يتمثل في وضع سبتة تحت حماية دولية، مستحضرا تجربة طنجة التي خضعت لنظام دولي شاركت فيه عدة دول أوروبية، من بينها إسبانيا، بين 1923 و1956.

هاجس تكرار المسيرة الخضراء

السبب الأبرز وراء هذه الحسابات كان، بحسب الوثيقة نفسها، الخوف من أن يقدم الملك الراحل الحسن الثاني على تكرار تجربة المسيرة الخضراء في سبتة.

ففي نوفمبر 1975، قاد المغرب مسيرة ضخمة نحو الصحراء، التي كانت آنذاك تحت الإدارة الإسبانية، وانتهت بتطورات سياسية ودبلوماسية دفعت مدريد إلى الانسحاب منها.

وبحسب البرقية الأمريكية، كان خوان كارلوس الأول يخشى، في حال عدم التوصل إلى حل للملف، إمكانية تنظيم "مسيرة خضراء أخرى" باتجاه سبتة، معتبرا أن مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى مشاكل خطيرة لإسبانيا.

وتظهر الوثيقة كذلك أن الملك كان يتحدث خلال الاجتماع في أجواء وصفها التقرير الأمريكي بأنها مريحة ومنفتحة، مؤكدا أكثر من مرة أنه سيتحدث "بصراحة وانفتاح"، خصوصا أن اللقاء كان سريا.

ورغم تلك الحسابات التي تعود إلى نهاية السبعينيات، احتاج خوان كارلوس الأول إلى 28 عاما قبل أن يزور سبتة ومليلية المحتلتين بشكل رسمي.

وجاءت الزيارة سنة 2007، عندما توجه الملك وزوجته صوفيا إلى المدينتين، في محطة أثارت حينها تداعيات دبلوماسية كبيرة مع المغرب.

ولم يمض الملكان ليلة في أي من المدينتين، إذ توقفا للمبيت في مالقة بين زيارتهما للمدينتين.

وقال رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو لاحقا إن خوان كارلوس الأول أخبره بأنه لا يريد إنهاء عهده من دون زيارة المدينتين.

كما لعب وزير الخارجية الإسباني آنذاك ميغيل أنخيل موراتينوس دورا في الدفع نحو تحقيق هذه الزيارة، التي اعتبرها بمثابة تحقيق لرغبة قديمة لدى الملك السابق.

وكانت الملكة صوفيا قد وصفت الرحلة بأنها كانت "صعبة"، قبل أن تكشف للصحافية بيلار أوربانو جانبا من أجوائها.

وقالت إن الإسبان في سبتة ومليلية استقبلوا الملكين بفرحة كبيرة، وكانوا متحمسين للتعبير عن هويتهم الإسبانية.

لكن صوفيا قدمت أيضا قراءة لافتة للمستقبل، إذ قالت إن الملك محمد السادس، مثل والده الحسن الثاني من قبله، سيواصل من حين إلى آخر المطالبة والاحتجاج بشأن المدينتين، معتبرة أن ذلك يبقي القضية حاضرة.

وهكذا تكشف الوثائق والشهادات المرتبطة بهذه المرحلة أن ملف سبتة ومليلية لم يكن مجرد قضية حدودية بالنسبة لإسبانيا، بل كان منذ سبعينيات القرن الماضي جزءا من حسابات سياسية وأمنية ودبلوماسية معقدة، وصلت في إحدى مراحلها إلى طرح أفكار كانت تبدو في سياقها محاولة لتجنب مواجهة مباشرة مع المغرب.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح