المزيد من الأخبار






من التصوف إلى التسليع: حين تنحرف الزاوية البودشيشية عن رسالتها وسط تساؤلاتٍ متزايدة حول دور منير القادري في هذا التحول


ناظور سيتي: متابعة

إنّ الرابطة بين الشيخ والمريد في التصوف ليست علاقة شكلية أو انتماءً تنظيميا عابرا، بل هي ميثاق روحي عميق يقوم على التربية والتزكية، ويستمد مشروعيته من اتصال السلسلة النورانية بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. فالشيخ، في التصور الأصيل، ليس مجرّد موجّه أو واعظ، بل هو مربٍّ وارث، يُجسّد الشريعة حالا وسلوكًا، ويقود المريد في مدارج الإحسان، حيث تصفو النفس وتترقى في مقامات القرب.

غير أنّ هذا التصور المثالي يصطدم اليوم بواقع مقلق، حيث لم يعد الانحراف استثناءً عارضا، بل أخذ، في بعض التجارب، طابعا بنيويا يهدد جوهر الطريق من أساسه. إذ كيف يمكن الحديث عن رابطة روحية صادقة، في ظل تحويل الطريق إلى واجهة استثمار، أو "ماركة" تُسوّق في أسواق الدنيا؟ وكيف يُتصوّر تحقق الإمداد الروحي في بيئة تُلوّثها معاملات مشبوهة، أو تخترقها ممارسات لا تمتّ إلى روح الشريعة بصلة؟


إنّ أخطر ما في هذا الانحراف ليس فقط مضمونه، بل ما يُلبس له من شرعية زائفة، حين يُطلب من المريد تسليما مطلقا يُفضي عمليًا إلى تعطيل عقله، وإسقاط ميزان الشرع من يده. وهنا تتحول الطاعة من وسيلة للتزكية إلى أداة للهيمنة، ويُستبدل السلوك الواعي بالتبعية العمياء، فيُختزل الطريق من مسار تحرّر روحي إلى منظومة ولاء مغلقة.

إنّ التسليم للشيخ، كما قرره أئمة التصوف، لم يكن يوما إلغاءً للعقل، ولا تفويضا مفتوحا يُبرّر الانحراف، بل كان مشروطا بالاستقامة على الشريعة ظاهرا وباطنا. أمّا حين يُستعمل هذا المبدأ لتبرير اختلالات بيّنة، فإننا نكون أمام قلبٍ لمفاهيم الطريق، لا مجرد سوء تطبيق لها.

ثم إنّ تحويل الزاوية إلى كيان ذي منطق تجاري، تُدار علاقاته بمنطق الربح والخسارة، يُعدّ قطيعة صريحة مع وظيفة التصوف التاريخية، التي قامت على الزهد، وخدمة الخلق، وتحرير الإنسان من أسر المادة، لا تكريسه فيها.

وعندها، لا يعود الشيخ مربّيًا يوجّه إلى الله، بل فاعلا ضمن شبكة مصالح، ولا يعود المريد سالكا، بل مستهلكا داخل بنية مغلقة تُعيد إنتاج التبعية.

وليس من المبالغة القول إنّ هذا المسار يفضي، في مآلاته، إلى تفريغ التصوف من مضمونه، وتحويله إلى قشرة ثقافية أو طقس اجتماعي بلا روح. بل الأخطر من ذلك، أنّه يفتح الباب أمام إدماج التصوف في قوالب استهلاكية معاصرة، من قبيل ما يُروَّج له تحت مسميات "التنمية الروحية" أو "النيو إيج"، حيث يُختزل الذكر في تقنيات استرخاء، ويُفرغ السلوك من بعده التعبدي، ويُعاد تشكيل الطريق بما يتلاءم مع ذوق السوق لا مع مقتضيات الشريعة.

وسط هذا الواقع، تتزايد التساؤلات حول دور بعض الشخصيات البارزة في الزاوية، ومن بينها منير القادري، في الدفع بهذا التحول إلى نمط تجاري، مما يُقوّض الثقة في الخطاب الصوفي برمّته، ويُسهم في تنفير الباحثين والمريدين عن الصدق الروحي. ومن ثمّ، فإنّ استعادة المعنى الأصيل للتصوف تقتضي إعادة الاعتبار لمعيار الشريعة، ورفض كل توظيف تجاري أو مصلحي للطريق، والتأكيد على أنّ الرابطة بين الشيخ والمريد هي رابطة تربية وتزكية، لا علاقة نفوذ أو استثمار.

فإمّا تصوّفٌ يحرّر الإنسان من أسر الدنيا ويقوده إلى الله، وإمّا مسخٌ يلوّث الدين بالشبهات ويُسخِّره للدنيا؛ ولا يمكن التوفيق بينهما إلا بذبح الحقيقة.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح