المزيد من الأخبار






رمسيس بولعيون يكتب.. بين الجرح والصفح… الريف ينتظر قرارا يطوي الألم


رمسيس بولعيون يكتب.. بين الجرح والصفح… الريف ينتظر قرارا يطوي الألم
بقلم: رمسيس بولعيون

دائمًا كنت أطرح ذلك السؤال في داخلي، كهمس في ليالي الريف الطويلة
متى سيُطلق معتقلي حراك الريف وعلى رأسهم ناصر الزفزافي؟
ذلك السؤال، الذي كان يومًا يتيه بين دفاتر الحنين، صار اليوم صرخة نازفة منذ الرابع من شتنبر الماضي، يوم وُوري الثرى عزي أحمد، والد ناصر.

وفي ذلك اليوم تحديدًا ظهر ناصر، بعد ترخيص استثنائي مُنح له لحضور جنازة والده، واقفًا على سطح بيته، محمولًا بنظرات الناس وآلام الفقد، ليقول كلمته التي بدت كوصية صادقة للوطن، وكأن الرجل يستودع الريح همّه ووفاءه. هناك، فهمنا أكثر من أي وقت مضى من أي طينة هو، ومن أي صخر نُحت رفاقه وراء القضبان.


والآن؛ بعد أن اشتدّ المرض على والدته ورقدت في المستشفى، لم يعد السؤال وحده كافيًا.
صار الواجب الأخلاقي يفرض علينا، "كل من يؤمن بأن هذا الوطن يتسع لأبنائه جميعًا"، أن نرفع الصوت عاليًا، وأن نتوجه مباشرة إلى عاهل البلاد، الملك محمد السادس.
فبعد أن أُغلقت كل الأبواب، لم يبقَ لنا سوى باب واحد نؤمن بقدرته على طي الجراح، بادرة العفو التي طالما شكّلت يدًا تمتد لترميم ما تعجز السياسة عن ترميمه.
نؤمن بأن ملك البلاد قادر وحده على جمع ما تفرّق، وعلى أن يجعل من هذا الملف صفحة من الماضي.

أجل… هناك أيدٍ خفية، في الداخل والخارج، تستثمر في الألم، وتريد لهذا الملف أن يبقى محل نزيف دائم.
هناك من غرق في “الصيد في الماء العكر”، ومن صنع من المأساة مقاولة سياسية خارج الحدود.
لكن المعتقلين أنفسهم في كل منعطف، وقفوا ضد هذا العبث. علّقوا يومًا لافتة عملاقة على جبال الحسيمة كتبوا عليها “نحن لسنا انفصاليين.”
ومع السنوات، ومع الزنازين، ومع محاولات عدّة لاستغلال ملفهم، عادوا وأعلنوا بصراحة لا علاقة لهم بمن يدّعي الانفصال أو يسكن أجندات الفوضى.

ويوم دفن والده، وقف ناصر أمام الحشود، والدمع على أطراف صوته، ليقول
“لا شيء يعلو على مصلحة الوطن، من شماله إلى جنوبه.”
جملة اختزلت كل شيء، الانتماء، الفقد، والوفاء لوطنٍ مهما اشتدت عليه العواصف.

أنا ومعي كثيرون نؤمن أن اللحظة قد حانت.
لقد أطلق الوطن، قبل مدة، سراح صحفيين ومدونين، فارتاحت النفوس.
وبقي هذا الملف ينتظر اللحظة التي لا يصنعها إلا قرار ملكي يفتح نوافذ الأمل، ويعيد للقلوب الطمأنينة.

المغرب اليوم على أبواب معركة مصيرية، تحديات إقليمية، ودولية وضغوط اقتصادية، انتظار جيل جديد من الأمل والعناء.
هو بحاجة بكل جوارحه إلى أبنائه، كاملي الحقوق، أحرارًا في حكايتهم، لا مثقّلين بقيود الأمس ولا أسرى لخطابات البؤس.
ومعتقلو حراك الريف ليسوا عبئًا بل هم جزء من نسيج هذا الوطن، يحملون جراحه، ويعرفون نبض أرضه أكثر من غيرهم.

فلنناشد، فلنطالب، فلنجاهر: أطلقوا سراحهم، ليس من أجل مكسب سياسي، ولا من أجل مرور آمن في سياسة عابرة، بل لأنّ الإنسان، عندما يُعتقل، يُعطّل جزءًا من وطن. والعفو الحقيقي: أن نعيد الوطن إلى أنفاس أبنائه.

لنجعل مناشدتنا ومطالبتنا ترتفع، بعيدا عن الغوغاء ومستغلي محن اخوانهم ورفاقم، وليس بعويل ندم، بل بصوت حرّ يقوله قلب طريف
“الوطن ليس حجرًا يُرمى عليه النسيان، بل حضنٌ يحتضن أولاده مهما اشتدت اللحظات.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح