المزيد من الأخبار






اختلاف إعلان بداية شهر رمضان بين الدول الإسلامية: مقاربة فقهية فلكية في ضوء النموذج المغربي


اختلاف إعلان بداية شهر رمضان بين الدول الإسلامية: مقاربة فقهية فلكية في ضوء النموذج المغربي
عبدالله بوصوف

أثار الإعلان عن بداية شهر رمضان لهذه السنة تباينا ملحوظا بين عدد من الدول الإسلامية، حيث أعلنت المملكة العربية السعودية ومعها أغلب دول الخليج أن يوم الأربعاء هو أول أيام رمضان، بينما أعلنت مصر أن الأربعاء متمم لشهر شعبان وأن الخميس هو فاتح الشهر الفضيل. أما المغرب فقد تمسك بتقاليده المؤسسية في تحري الهلال مساء الأربعاء قبل الإعلان الرسمي عن دخول الشهر، في إطار منظومة دقيقة ومتواصلة لمراقبة الأهلة. هذا الاختلاف لا يعكس مجرد تباين ظرفي في الإعلان، بل يرتبط بإشكالات فقهية وعلمية عميقة تتعلق بمنهجية إثبات دخول الشهور القمرية وحدود العلاقة بين الرؤية البصرية والحسابات الفلكية.

يستند الفقه الإسلامي في إثبات دخول رمضان إلى الحديث النبوي «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، غير أن فهم دلالة “الرؤية” كان محل اجتهاد واسع بين العلماء. فهناك من حصرها في المشاهدة البصرية المباشرة، وهناك من اعتبرها تعبيرًا عن تحقق العلم بدخول الشهر بأي وسيلة قطعية. كما أقر التراث الفقهي بمسألة اختلاف المطالع، أي إمكانية اختلاف بداية الشهر بين الأقاليم تبعًا لاختلاف الأفق الجغرافي، وهو ما يفسر تاريخيا وقوع التباين دون أن يُعدّ خروجًا عن الإجماع. غير أن تطور وسائل الاتصال وتداول الأخبار بشكل لحظي جعلا هذا الاختلاف أكثر بروزا في المجال العمومي، وأحيانا مصدرًا للجدل والتشكيك.


يتميز النموذج المغربي بخصوصية مؤسساتية واضحة في تدبير مسألة الأهلة، إذ تشرف شبكة وطنية تضم حوالي 270 لجنة رصد موزعة على مختلف جهات وأقاليم المملكة، وتتشكل من عدول وقضاة وأعضاء من المجالس العلمية المحلية وشخصيات ذات خبرة، على عملية المراقبة الميدانية. وتتم عمليات الرصد في نقاط جغرافية مدروسة تضمن تغطية شاملة للآفاق المغربية. ولا تقتصر المراقبة على هلال رمضان أو العيدين، بل تشمل الشهور القمرية على مدار السنة، وهو ما يمنح المنهج طابعًا استمراريًا مؤطرًا، ويحول دون الارتجال أو الاقتصار على المناسبات.

كما تضع القوات المسلحة الملكية إمكاناتها التقنية واللوجستية رهن إشارة عملية الرصد، من خلال توفير وسائل الاتصال المتطورة لضمان نقل المعطيات بشكل فوري ودقيق إلى الجهات المركزية، والمساهمة في تسهيل الوصول إلى نقاط مراقبة استراتيجية، إضافة إلى دعم العملية بالتجهيزات التقنية عند الحاجة. وقد أظهرت التجربة أن نتائج الرؤية في المغرب غالبًا ما تنسجم مع المعطيات الفلكية القطعية، مما يعكس تكاملًا عمليًا بين المرجعية الفقهية والمعرفة العلمية.

من الناحية الفلكية، أكدت الحسابات المتعلقة بهذه السنة استحالة رؤية الهلال ليلة الثلاثاء في مجمل العالم العربي والإسلامي، إما بسبب غروب القمر قبل غروب الشمس أو لبقائه بعدها بفارق زمني لا يتجاوز دقيقة أو دقيقتين، وهي مدة غير كافية لرؤيته حتى باستعمال التلسكوبات المتطورة. ويشترط علم الفلك لتحقق إمكانية الرؤية توفر معايير محددة، من بينها ارتفاع الهلال عن الأفق وزاوية الاستطالة ومدة المكث بعد الغروب. وعندما تنتفي هذه الشروط بشكل قاطع، فإن القول بإمكان الرؤية يصبح محل اعتراض علمي. لذلك يدعو عدد من الفقهاء المعاصرين إلى اعتماد الحساب الفلكي في نفي الرؤية المستحيلة، مع الإبقاء على الرؤية البصرية المؤطرة لإثباتها عند الإمكان، باعتبار ذلك صيغة وسطى بين الاتجاهين التقليدي والحداثي.

وقد امتد النقاش إلى السياقات الأوروبية، خاصة في فرنسا، حيث سعت المؤسسات الإسلامية إلى توحيد بدايات الشهور اعتمادًا على الحسابات الفلكية تفاديًا للاختلافات السنوية وما يصاحبها من ارتباك داخل الجاليات المسلمة. غير أن اختلاف الإعلانات بين بعض الدول الإسلامية والمؤسسات الأوروبية يعيد طرح سؤال الاستقلالية المنهجية لمسلمي أوروبا، ومدى ارتباطهم بقرارات الدول ذات الأغلبية المسلمة أو اعتمادهم معايير محلية تستند إلى المعطيات العلمية والتنظيمية المتاحة لديهم.

إن التباين في إعلان بداية رمضان يكشف عن تداخل عناصر فقهية وعلمية ومؤسساتية، ولا يمكن اختزاله في بعد واحد. كما أنه يعكس حيوية الاجتهاد في التعامل مع المستجدات، بدل أن يكون مؤشرًا على اضطراب ديني. ويظل النموذج المغربي مثالًا على إمكانية الجمع بين الانضباط المؤسسي والدقة العلمية والوفاء للمرجعية الفقهية، بما يعزز الثقة المجتمعية في آليات الإعلان الرسمي، ويؤكد أن تدبير الشأن الديني حين يُؤطر بمنهجية علمية ومؤسساتية رصينة يصبح عنصر استقرار ووحدة لا سبب اختلاف وانقسام.



تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح