محمد بوتخريط.. حين غرَّد صاحبي مازحا ، عن عطلة "الجالية" في البلد


محمد بوتخريط.. حين غرَّد صاحبي مازحا ، عن عطلة "الجالية" في البلد
محمد بوتخريط . هولندا

- حين غرَّد صاحبي مازحا، عن عطلة "الجالية" في البلد...

حين غرَّد صاحبي مازحا: "سنرتاح منكم هذا العام ، و الشكر موصول لكورونا التي منعت عنكم البحر والبر والجو لتعْبروا..."
لم يخطر بباله و لو للحظة أنه سوف يتلقى تعليقات بعد اقل من ساعة يهتز لها الفيسبوك.
خلاصة التعليقات " لا نريدكم وسطنا ، أنتم تلهبون الأسعار ، توسخون المدينة ، تملؤون شواطئنا وساحاتتنا ومقاهينا .. تقيمون الاعراس في الشوارع وتقلقون راحتنا ، أطفالكم لاينامون ليلا ، يزعجوننا ويقُضُّون مضاجعنا...."

تدافعت حشود من الأسئلة نحو ذهني ..وتدافعت المزيد من الصور في انهمار عاجزة عن التصديق ...
لماذا أصبح البعض يقدم طائعا مختارا على طرح اتهامات مجانية وعامة تنتهي غالبا بالسب والإساءة ...والشتيمة.
هانت عليهم العِشرة ..وأكثرهم يعلمون أننا إن نحن رحلنا بلا عودة .. شاخت‏ الأشجار ...‏ وماتت بها الثمار ..ولا أحد يستطيع أن يحدد توقيت النهاية ...
فـ دعوني أطرق باب وحدتكم لأقول لكم.. آن لكم أن ترتاحوا منا هذا العام ...


سوف ترتاحون من شغبنا... لن تروننا اليوم بينكم ، ولن ترون طوابير سياراتنا المرقمة بالخارج التي تمقتونها تجول "شوارعكم"، ولا أولادنا يملؤون ساحات المدينة فرحا بمعانقتهم للأهل والمدينة .. لن ترونهم يلعبون الكرة في الطرق الرئيسية أو على الارصفة ، أو يقفون وسط الشارع بلا اكتراث لالتقاط الصور..
لن تجدوننا على المقاعد والطاولات المصطفة خارج المقاهي والمطاعم في المدينة ، لن تجدواعلى امتداد بصركم سيارة واحدة مرقمة بالخارج.
لن تروا رجالا يرتدون قمصانا لا تناسب أعمراهم وسراويل من قماش الجينز الغالي الثمن ...لن ترون شبابا يبصقون بصقات سميكة تلتصق بسطح الأرصفة.
لن ترون بائع الأيس كريم يجتذب الشباب والشابات كما تنجذب الفراشات للضوء .. ولا العشاق يتبادلون القبلات في الأزقة الضيقة المظلمة وقد لبس أحدهم الآخر...
لن ترون بائع الورود وبائع التين الهندي ومربي"الفلاليس الملونة ".
لن ترون حركة المرور المزدحمة ولن تسمعوا منبهات السيارات الصوتية المتعالية ولا صراخات البائع المتجول الصاخبة ولا تشاجر السائقين فيما بينهم... ولن تحتاجون لزيادة أعداد الأتوبيسات العامة لتقليل مدة الانتظار...

ستغيب 'الزريعة' من كورنيش المدينة ، وسترحل طوابير ماكدونالد ..وحتى الاماكن في ساحات و مقاهي " المطار" ستكون شاغرة... سيشهد الكورنيش حركته المعتادة ، وتنتشر عربات توفر لكم وجبات خفيفة ومختلفة و بأثمنة بسيطة في متناولكم ، ستستمتعون لوحدكم ب"الببوش" ومرقه..وب:"الزومْبي" ومائه المالح...
سيخلوا الشارع الطويل والكورنيش من شبان يغامزون شابات ( الداخل) وهن تتمايلن وتضربن ردفا بردف أمام فتيان (الخارج) وقد صففن شعرهن وتزينن بكل ما يملكن من أدوات تجميل وعطور قوية.
استمتعوا بالتفاصيل الصغيرة ..والكبيرة في المدينة ، التهموا البانيني و البيتزا و الشاوارما بفجع..
اصرخوا وأنتم ترقصون مع أصدقائكم! ارقصوا لوحدكم بنشوة في حفلات زفافهم وأطلقوا الزغاريد..

وانتم رفاقي ، أصدقائي، الذين عرفتهم والذين كنت أقطع معهم المدينة طولا وعرضا ..نحتسي كؤوس الشاي المنعنع في ساحات و على شرفات المقاهي التي كانت تنبعث منها صباحا رائحة الحرشة والبيض المقلي ، ومساء رائحة القهوة الممتعة... فنحن لا نستطيع أن نحملكم ما يثقل كواهلكم أكثر وأكثر لأن أمامكم الكثير مما يشغلكم...احتسوا قهوة المساء مع أصدقائكم في يوم مشمس .. اقرؤوا جرائد الصباح .. تصفحوا شاشات هواتفكم الذكية باستمتاع وأنتم تضحكون على أكاذيب المسؤولين والمنتخبين .. واستمتعوا بالضجيج والحماقة والجد والجدال..وبمباريات البارصا والريال..

وأنتن صديقاتي، اجمعن صديقاتكن وارفعن صوت السماعات في الأذن وأنتن تستمتعن بأغنية تُجيد تحريك خصركن بحرية وسعادة، والتقطن الكثير من السلفي والسناب شات ...

استمتعوا بالحياة دوننا حد الجنون دون استحياء، فلن نزعجكم كما أنتم دائما عنا تقولون...
تركنا لكم جميع خيرات المدينة و كلّ ما تشتهون ... بين أيديكم..
فقط ، فـ..لتعلموا شيئا واحدا لا غيره ...أننا لا نريد من تواجدنا بينكم أكثر من أن نتقاسم معكم أفراحنا ، أن نسرق من أيّامنا لحظاتٍ جميلة، وأن تكون هذه الّلحظات طويلة، نهديها لكم ، أن نحقّق معكم سعادةً وحبّاً دائمين...
لكن.. لم يخطر ببالنا يوما أنّ الّلقاء بنا سيزعجكم ...
لنطرح الآن السؤال الجارح ..
من عليه الآن إعادة الحسابات ...؟
أنتم "الباقون" هناك ، أم نحن المُهجرون هنا ؟

خلاصة الحكاية...للشقاء عنوان في قلبك ايتها المدينة المسافرة في الحزن والجراح ..فكدّسي أفراحك وأحزانك فوق قلبي...واستعيذي ربك فهو اعلم ب(هؤلاء) العباد..
صباح الخير من دفء فجر الصلاة.. صباح ينفض غبار البعد ، فلا خلود يطفئ فواجع الفقد..
فمن قال أن البعد يجعلنا نعتاد الغياب..؟ من قال أن المدينة لا تتسع لكل العشاق .. والأحباب ؟
اخبري الجميع ، أننا هنا واعون ، أن غداً سيجمعنابك لقاء ، سيزورنا فرحٌ وصبح وعناق .. وسيلتقي بعد الفِراق كل العشاق.
صباح الخير لمن سكنوا القلب رغم بعد المسافة..
صباح الخير من دفء صلاة فجر..آتٍ لا محالـ...ة .

ملاحظة أخيرة..
لم يتعبني الكلام، لكن اتعبني التظاهر بأنكم بخير من دوننا.
وإن كان يُريحكم غيابنا، فلا بأس من الغياب ، فقط تعالوا ، خُذوا ما تبقَّىمن عتاب.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح