كيف تأثرت عادات القراء في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟


كيف تأثرت عادات القراء في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟
ناظور سيتي ـ عبد الملك قلعي

"لست مُضطرا لأن تحرق الكُتب حتى تُدمر حضارة ما، كل ما عليك فعله هو أن تقنع الناس بعدم قراءتها"(راي برادبوري)

لم تعد اليوم الشاشات مُعلقة على جدران البيوت فقط كما كان في عالم "فهرنهايت 451"، بل أصبحت في كل مكان؛ في الحقائب والجيوب، في العمل وفي البيت وعلى أسطح المكاتب، تكاد لا تفلتها الأيادي ولا تبتعد عنها العيون، حتى صار سائق السيارة لا يستغني عنها أثناء السياقة.

ففي ظل غياب إحصائيات دقيقة حول فعل القراءة بالمغرب، تترجم عدد من الإحصائيات الأجنبية تلك الهجرة الجماعية إلى الشاشة بعيدا عن الكتاب، ولعلى خير دليل على ذلك كوننا أصبحنا اليوم أسرى للعديد من وسائل التواصل الحديثة التي نستعين بها في مختلف مجالات الحياة.

ولا شك أن هذا الواقع الجديد ترك آثاره على كثير من مناحي حياتنا اليومية، وباتت هذه الوسائل الحديثة تهدد عادات كانت راسخة في حياة كثيرين، مثل قراءة الكتب والجرائد والمجلات الورقية.




سعيد بلغربي: أصبحنا نستهلك بإفراط على حساب استلاب هويتنا الثقافية

يقول الأستاذ والكاتب الأمازيغي سعيد بلغربي، أن قيمة القراءة في مجتمعنا المغربي تبدو متدهورة سواء قبل انتشار وسائط التواصل الاجتماعي أو بعدها، إلاّ أن الأمور تجاوزت السوء بعد هيمنة الأنترنيت بشكل مخيف على الجمهور القارئ.

في المغرب لا نملك احصائيات دقيقة حول عزوف الشباب عن القراءة والكتابة، وربما هذا راجع بدوره إلى غياب مرصد يتابع بدقة تطورات القراءة والكتابة، إلا أن سؤال القراءة أصبح هاجسا مخيفا، وخاصة لدى الشباب.

لقد تمكنت وسائل التواصل الاجتماعي في تغيير النمط التواصلي لدى شباب اليوم، فأمام فقدان الكثير منهم لشغف القراءة والكتابة وغياب أسباب واقعية محفزة على انتاج المعرفة والتسويق لها عبر آليات الكتابة والقراءة لدى هؤلاء الشباب جعل فعل القراءة في أزمة واضحة، فالسرعة الناجمة عن تسارع الأحداث المحلية والاقليمية والدولية والتحديات الاقتصادية المتذبذبة التي يشهدها العالم الحديث أثرت بشكل سلبي على المجتمعات الثقافية وربما نعتبرها كمبررات أساسية ساهمت في تراجع فعل القراءة في المغرب وفي العالم ككل.

على الرغم من أن المعرفة والمعلومة اليوم أصبحت أقل تكلفة إلاّ أننا مازلنا نعيش أزمة فكرية ونفتقد إلى امكانيات الانتاج مقابل الاستهلاك المفرط لهذه المعلومات وذلك على حساب استلاب خصوصيتنا الثقافية والتي لا يمكن حمايتها إلاّ عن طريق الكتابة والقراءة.


حمزة بوحدايد: نحن أمام اكتساح ثقافة التصفح السريع

بينما يرى الأستاذ حمزة بوحدايد، وهو كاتب وباحث في التاريخ المعاصر، من وجهة نظرنا كمتتبعين للشأن العام، خاصة الثقافي منه وما يتعلق بالقراءة في المجتمع المغربي، ومع هذا الاكتساح الذي بدأت تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه يمكننا القول، أنه إذا كان المجتمع المغربي مجتمع لا يهتم بالقراءة أساسا عكس الحال في بعض المجتمعات الأخرى الأوربية والآسيوية، فإن وسائل التواصل الاجتماعي في المغرب قد حدت بشكل كبير من اقبال الإنسان المغربي أو ذلك النذر اليسير من القراء المغاربة على القراءة وما يتعلق بعادات القراءة، وهو ما يظهر مثلا في تراجع الفضاءات المخصصة للقراءة كالمكتبات العامة...

وأيضا الوقت الذي أصبح وقتا محاصرا بالأحاديث وتتبع التفاهات والانشغال بالمستجدات والصورة المتحركة التي أصبحت طاغية على مواقع التواصل الاجتماعي... بل اقول أن أهم مؤشر يدل على أن هذه المواقع قد قضت على ذلك النذر اليسير من القراء المغاربة هو اختفاء الجرائد الورقية اليوم من على موائد المقاهي، فالكل منزوي لهاتفه يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي...

اذن نحن أمام تحول جذري هم تراجع فضاءات القراءة وثقافة المطالعة والقراءة الورقية في المغرب أو بصفة عامة الحياة الواقعية للقراءة وما يتعلق بها من فضاءات حية، مقابل اكتساح كبير لثقافة جديدة تميز هذه الالفية وهي ثقافة التصفح السريع في المواقع الاجتماعية ومشاهدة الصورة المتحركة وقضاء أوقات هامة في هذه المواقع دونما أن يحتكم إليها كوسائل جديدة قد تؤدي وظائف افتراضية تنمي من عادات القراءة وتساعد الناس على القراءة.

هشام المرابط: القراءة صارت نشاطا غريبا

أما الطالب الباحث هشام المرابط، وهو متخصص في الدراسات اللغوية، فيقول بأنه يبدو أن أفول شعلة القراءة في المغرب بدأت باختلاط وسائل التواصل الاجتماعي مع دماء المغاربة، فبعد أن صارت القراءة لدى العامة نشاطا غريبا وأصبح الكتاب في نظرهم دخيلا على طبيعتهم الجديدة ومسوغهم في ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي تفي بالمطلوب وأكثر.

بدأت العدوى تصيب الفئة النخبة من المغاربة - الطلبة والباحثين - فنحن باعتبارنا من هذا الصنف نؤكد بالملموس أننا على أعتاب التقهقر والطلاق مع عادة القراءة، إذ الواحد منا تأسره التطبيقات أكثر مما تفعل دفات الكتب، ففي القريب من الزمن كان الباحث و الطالب المغربي يفتح عينيه على جريدة تصحب قهوة صباحه، أما الآن فيفتحها على الجدار الأزرق وغيره من الجدران الإلكترونية وهذا ديدن عموم الباحثين المغاربة.

لقد خدرت وسائل التواصل الاجتماعي عقول طلبة العلم حتى أدمنوها فأبعدتهم عن ارتياد المكتبات ومجالسة الكتب وحل الهاتف الهدام محل الكتاب البناء.

هنا محيت عادة القراءة وسقطت هيبة الباحث المغربي لأنها رهينة بسلطة المعرفة التي تستقى من القراءة للكتب.


طارق بوسكوت: أصبح الكتاب حبيس رفوف المكتبات

ومن جانبه يرى الأستاذ طارق بوسكوت، وهو فاعل جمعوي وتربوي، أنه قد تغيرت عادة القراء بالمغرب بشكل كبير، عند فئة عريضة منهم، على الأقل، نتيجة الإقبال الكثيف عن مواقع التواصل الاجتماعي.

في الماضي القريب كان القراء يقرأون المادة مباشرة من الكتاب الورقي أما اليوم فانتقلوا إلى الكتاب الرقمي، وبعضهم تراجع عن القراءة لانشغاله بمواقع التواصل الاجتماعي.

عموما، انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، بكل سلبياته وايجابياته، ساهم في تغير عادات القراء المغاربة. لقد هاجر الجميع نحو الرقمي وأصبح الكتاب حبيس رفوف المكتبات.. وتغير الوضع من "خير جليس في الزمن كتاب" إلى "خير جليس في الزمن هاتف".


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح