عبد الله بوصوف: سنة 2020 ستبقى عالقة بالذاكرة التاريخية


عبد الله بوصوف: سنة 2020 ستبقى عالقة بالذاكرة التاريخية
بقلم : عبد الله بوصوف

لم يكن قرار منظمة الصحة العالمية يوم 11 مارس بإعلانها فيروس كورونا ” كجائحة ” أو ” وباء عالمي ” بالقرار العادي ، خاصة بعد ان بلغ عدد الحالات حينذاك على المستوى العالمي اكثر من 118الف حالة في اكثر من مائة دولة و زاد عدد الوفيات عن عشرات الالاف…بل كان قرارا يحمل كل مواصفات “القرار التاريخي و المفصلي ” …لذلك يتم اعتماده من طرف أغلب المحللين الاستراتيجيين كتاريخ فاصل بين مرحلة ما قبل و ما بعد زمن كورونا…

و انتعشت الذاكرة الإنسانية و التاريخية بعد اعلان فيروس كورونا “كوباء عالمي ” و ذلك باستحضار مآسي لازالت عالقة بالذاكرة الجماعية الإنسانية في أزمنة غابرة او حديثة حيث عبثت فيها الامراض و الأوبئة بأرواح لعديـد من البشر…
وهو ما لوحظ سواء من خلال كتابات و مؤلفات أو تقارير استشرافية و تحليلية ، لما عليه الواقع الآن و توقع ما سيؤول إليه الامر في المستقبل ، او من خلال الطلب المتزايد لقراءة كتب اتخدت من الأوبئة و الامراض المعدية مضمونها ، وحققت بذلك مبيعات خيالية و نذكر منها مثلا ، كتاب ” الوباء ” لالبير كامو ، و كتاب ” العمى ” لخوسي ساراماغو و كتاب Spillover لدافيد كوامين…

فـقوة جائحة كورونا لا تُخْتزل فقط …في انتعاش عمليات تسويق كتب عن بُعْـد تناولت الحديث عن الأوبئة و رفعت بذلك نسبة القراءة ، و لا تُختزل في لغة ارقام الضحايا و لا تُختزل في عودة استعمال مصطلحات جديدة ” كاقتصاد الحرب ” مثلا ، أوالتداول العالمي و القوي للعـديد من المصطلحات كالحجر الصحي و المرحلة الثانية و إجراءات الوقاية ، و معادلات جديدة للامن الغدائي و الامن الصحي و البحث العلمي…كما لا تختزل في ملامح الخرائط الاستراتيجية للعالم على اكثر من مستوى لمرحلة ما بعد كورونا…
لان قوة كورونا تجلت أيضا… في تعطيل طقوس الحياة اليومية لمواطني العالم ، تماما كما عطلت العديد من أجندات الدول و الأنظمة السياسية و أسواق البورصة و المال و الرياضة و الثقافة و غيرها…

2020..ليست سنة عادية هي مساحة زمن انتقالية….

ان الحرب التي اعلنها اغلب قادة دول العالم على فيروس كورونا ،فرضت تغيير العديد من الطقوس اليومية و كذا الحد من حرية التنقل والتباعد الاجتماعي كإجراءات وقائية للحد من تفشي العدوى بين الناس..وهو ما يعرف بالحجر الصحي أو الطوارئ الصحية ، في انتظار لقاح فعال ضد فيروس كورونا..

و قــد لا نبالغ بالقول بان سنة 2020 ستبقى عالقة بالذاكرة التاريخية ،و ان احداثها ستـكون مصدر الهام للعديد من الكُـتاب و الروائيين و رجال السينما.. و بنفس القوة سيبقى عالقا في الذاكرة الإنسانية و كل الاجندات السياسية و الثقافية و الرياضية…

كما سيكون ابناء هذا الجيل ” شهود عيان ” عن انتهاء مرحلة تاريخية عرفت إلغاء أو تأجيل العديد من المواعيد العالمية التي لم تعرف التوقف منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية…

لقد عصفت كورونا بمواعيد سياسية هامة و في اكثر من دولة حيث تم تأجيلها احترامًا للطوارئ الصحية…بدءا بتأجيل الدور الثاني من الانتخابات البلدية الفرنسية المحددة سلفا في تاريخ 22مارس الى 21يونيو ، و في اسبانيا تم تأجيل انتخابات أقاليم الباسك و غاليسيا المحدد اجراؤها بتاريخ 5 ابريل الي ما بعد الصيف الحالي..بالاضافة الى لائحة من التأجيلات بخصوص الانتخابات في كل من سيريلانكا و صربيا و اثيوبيا و بوليفيا…كما تم تأجيل تمهيديات الحزب الديمقراطي الأمريكي المحددة بين شهريْ ابريل و ماي في نطاق سباق الرئاسيات الامريكية القادمة الي يونيو القادم ، مع الإشارة الى سعي العديد من الولايات الامريكية لاعتماد نظام التصويت بالمراسلة…

لم تسلم الاستشارات السياسية كالاستفتاءات الدستورية من قوة فيروس كورونا..و هكذا تم تأجيل الاستفتاء حول الإصلاحات الدستورية لدولة الشيلي المحدد سلفا في تاريخ 26ابريل الي تاريخ 25 أكتوبر القادم..كما تم تأجيل الاستفتاء الدستوري بروسيا المحدد بتاريخ 22ابريل الى تاريخ لاحق (اما نهاية شهر ماي او بداية شهر يونيو) …
و قد لا تخفى على احد أهمية استفتاء الشيلي و الذي جاء استجابة لاحتجاجات الخريف المنصرم من اجل كتابة وثيقة دستورية جديدة تختلف عن دستور سنة 1980 المنتمي لعهد أوغوستو بينوتشي…اما استفتاء روسيا فقد كان مصيريا في تحديد المستقبل السياسي للرئيس الحالي بوتين…و رغم ذلك فقد كانت اجندة فيروس كورونا هي الأقوى…

فيروس كورونا ارغم اغلب سكان العالم على لزوم البيوت و عدم الخروج الا للضرورة القصوى ، وهو ما أدى الى إيقاف المسيرات والحركات الاحتجاجية بالعالم ، أهمها مسيرات ” السترات الصفراء ” بفرنسا والمسيرات الاحتجاجية في الشارع الجزائري ، أو ما يُعرف ” بالحِـراك ” الجزائري..
بالاضافة الى إلغاء المسيرات العمالية بمناسبة فاتح ماي أي عيد الشغل ، وهو ما شكل سابقة تاريخية بعدم خروج الطبقة العمالية الى الشارع للاحتفال بعيدها العالمي…و كذا إلغـاء مسيرات الاحتفال بذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية في 9 ماي من كل سنة…

لم يكن المجال الثقافي و الفضاءات العمومية الثقافية احسن حظ من المجال السياسي.. فقد تم تأجيل أو إلغـاء اغلب المواعيد الفنية و الثقافية ذات الشهرة و التقليد العالمي….حيث تم تأجيل معارض الكتاب بكل من لندن و طورينو و غيرها ، كما تم تأجيل معارض عالمية للاثاث و المجوهرات وعروض الموضى العالمية و تو قيف العروض المسرحية و اقفال قاعات السينما…
أكثر من هذا فقد تم القفز على موعد ” مهرجان كان للسينما ” بفرنسا لشهر ماي..و مهرجان اوروفيزوين للغناء ، كما تـم إلغــاء ” سباق الثيران ” الشهير في مدينة بامبلونا و الاحتفال الشعبي Las Fallas بمنطقة فلنسيا باسبانيا و التي لم تلغى الا في سنوات الحرب الاهلية الاسبانية ( 1936-1939)،و في المانيا فقد تم إلغــاء احتفالات ” أكتوبر فيست ” الشهيرة Oktoberfest…
من جهة أخرى ، فـقد تم إغلاق أبواب المتاحف العالمية و الأماكن الاثرية و المكتبات العالمية في وجه الملايين من الزوار..وهو ما شكل خسارة مالية كبيرة للمجال الفني و الثقافي رغم وجود محاولات لتعويض الخسارة بتنظيم متاحف رقمية و معارض رقمية للكتاب…

أما المجال الرياضي فلم يقوى بدوره على الصمود أمام الانتشار السريع و المفاجئ لفيروس كورونا.. فكان القرار أن تم توقيف كل الأنشطة الرياضية و كل دوريات كرة القدم في العالم ..حيث تم تآجيل دوري الأمم الأوروبية لكرة القدم و عصبة الابطال الأوروبية لكرة القدم و البطولات العالمية لسباق السيارات و الدراجات النارية…و تم توقيف أشهـر البطولات العالمية خاصة كرة القدم و كرة السلة…كما تم تأجيل سباق فرنسا للدراجات Tour de France ، و دوري فرنسا للتنس ( رولان غاروس ) ، و تأجيل فعاليات أولمبياد طوكيو 2020 الي سنة 2021…و سباق إيطاليا الدولي للدراجات…و غيرها من المواعيد الرياضية التي تم تأجيلها أو إلغـاؤها…

كان هذا اذن ، جرد بسيط لمواعيد و اجندات سياسية و ثقافية و فنية و رياضية…ارغمتها ظروف الحجر الصحي على التأجيل أو الإلغـاء…الا ان هـذا لا يعني إعلان انتصار فيروس كورونا…بل هي ” إجراءات تكتيكية ” في الحرب مع عدو غير مرئي..لذلك فقد كانت حماية حياة الانسان مُـقدمـة كل تلك العائدات المالية و كل ميداليات و كؤوس النصر..
فقريبا سنرفع إشارة النصر و ستعود الحياة الى الفضاءات الثقافية العمومية و الميادين الرياضية ، و ستستعيد الحياة السياسية سجالاتها…لكن بطريقة جديدة و بانتظارات جديدة..وسياسات عمومية جديدة….


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح