المزيد من الأخبار






بين المشاركة القياسية للقضاة والعزوف الانتخابي.. حين يفقد المواطن المغربي ثقته في الأحزاب السياسية


ناظورسيتي: محمد الشرادي

شهد المغرب، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، انتخابات ممثلي القضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، برسم الولاية الثالثة الممتدة من 2027 إلى 2031، سجلت نسبة مشاركة بلغت 94.9 في المائة، بعدما أدلى 4439 قاضيا وقاضية بأصواتهم من أصل 4677 مسجلا، مقابل 93.14 في المائة خلال انتخابات سنة 2021.

في المقابل، لم تتجاوز نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية، التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، 38.08 في المائة، وفق المعطيات الواردة. وبين هذين الرقمين تتجلى مفارقة تستحق التأمل: إقبال واسع على اختيار ممثلي القضاة، مقابل عزوف ملحوظ عن صناديق الاقتراع التشريعي. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول مدى ثقة المواطن المغربي في الأحزاب السياسية، وفي قدرتها على تمثيله والاستجابة لتطلعاته وإحداث التغيير الذي ينتظره.

صحيح أن الانتخابات المهنية تختلف في طبيعتها ورهاناتها عن الانتخابات التشريعية، وأن المقارنة بينهما ليست متطابقة من جميع الجوانب، غير أن هذا التباين يسلط الضوء على أزمة الثقة التي باتت تطبع علاقة شريحة من المواطنين بالمشهد الحزبي. فقد اتسعت الهوة بين الوعود الانتخابية والممارسة الفعلية، وتراجع اقتناع كثيرين بجدوى المشاركة السياسية في ظل استمرار الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية، وضعف الإحساس بقدرة المؤسسات المنتخبة على إحداث تغيير ملموس في حياتهم اليومية.

ومن أبرز تجليات هذه الأزمة ما طال بعض الأحزاب من تحولات أفرغتها من جزء من أدوارها التأطيرية والتكوينية. فبعدما كانت مدارس لإنتاج النخب وتكوين المناضلين وتأطير المواطنين، أصبحت بعض الممارسات داخلها تعزز الانطباع بأنها تحولت إلى دكاكين انتخابية تحكمها حسابات المصالح والصفقات، بدل التنافس على أساس البرامج والكفاءات والاستحقاق.

وتبرز إشكالية التزكيات الانتخابية في مقدمة مظاهر هذا الاختلال، إذ تتجدد الانتقادات بشأن تقديم المصالح والقدرة المالية على الكفاءة والنزاهة والمسار النضالي. ونتيجة لذلك، ترسخ لدى شريحة من المواطنين انطباع بأن التزكية، التي يفترض أن تكون تزكية للاستحقاق والأهلية، تحولت في بعض الحالات إلى موضوع للمساومة، وكأنها سلعة تمنح لمن يملك القدرة على الدفع، لا لمن يملك المؤهلات اللازمة لتمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم.

وهنا يكمن جوهر الأزمة: حين تصبح التزكية مدخلا لتغليب منطق المال والمصالح على الكفاءة والاستحقاق، تفقد الأحزاب جزءا من مصداقيتها، وتسيء إلى صورة العمل السياسي برمته. فالمشكلة لا تتعلق فقط بمن يحصل على التزكية، بل أيضا بالرسالة التي تبعثها هذه الممارسات إلى الناخب، رسالة مفادها أن الحسابات الانتخابية الضيقة قد تتقدم على مصلحة المواطنين، وأن معايير اختيار المرشحين لا تعكس دائما ما يفترض أن تقوم عليه الحياة الحزبية من نزاهة وتنافس ديمقراطي.

فكيف يمكن إقناع المواطن بأهمية التصويت، إذا كان يشعر بأن بعض الأحزاب لا تمنح التزكيات على أساس الكفاءة والاستحقاق، وأن التنافس داخلها قد يتحول إلى صراع على المصالح والمواقع؟ وكيف يمكن مطالبة الناخب بتجديد الثقة في وجوه وممارسات لم تنجح في الوفاء بوعودها أو تقديم بدائل مقنعة؟ إن فقدان الثقة لا يحدث فجأة، بل يتراكم نتيجة ممارسات متكررة تجعل المواطن يشعر بأن صوته يطلب خلال الحملات الانتخابية، بينما تغيب انشغالاته عن أولويات بعض الفاعلين بعد إعلان النتائج.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال العزوف الانتخابي في عامل واحد، كما لا يصح اعتبار ضعف المشاركة، في حد ذاته، دليلا على اختلال نزاهة الاقتراع. فالعزوف ظاهرة متعددة الأسباب، تتداخل فيها العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إلى جانب ضعف الثقة في المرشحين والبرامج، وتراجع الإحساس بجدوى التصويت، والشعور بأن التغيير المنشود يظل بعيد المنال مهما تعددت الاستحقاقات الانتخابية.

لذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على دعوة المواطنين إلى المشاركة أو تحميلهم مسؤولية العزوف، بل يجب أن تبدأ بمساءلة الأحزاب عن أدائها وممارساتها. فاستعادة الثقة تقتضي تجديد النخب، وإعادة الاعتبار للتأطير السياسي والتكوين الحزبي، وربط التزكيات بمعايير واضحة تقوم على الكفاءة والنزاهة والاستحقاق، فضلا عن تقديم برامج واقعية والوفاء بالالتزامات، وتعزيز الحضور الميداني المستمر بدل الاكتفاء بالتواصل الموسمي خلال الحملات الانتخابية.

وفي المقابل، تفرض المشاركة المرتفعة للقضاة في اختيار ممثليهم مسؤولية كبيرة على الفائزين، تتمثل في الدفاع عن استقلال السلطة القضائية وكرامة القضاة، والعمل على ترسيخ مبادئ الإنصاف والشفافية في تدبير المسار المهني للقاضيات والقضاة. فالثقة التي يعبر عنها الناخبون لا تنتهي بإعلان النتائج، بل تتحول إلى التزام يستوجب الوفاء بالمسؤولية وتحقيق انتظارات من منحوا أصواتهم.

إن المفارقة بين المشاركة القياسية في انتخابات ممثلي القضاة والعزوف عن الانتخابات التشريعية لا تقدم، بمفردها، تفسيرا كاملا لأسباب تراجع المشاركة السياسية، لكنها تعيد إلى الواجهة سؤالا ملحا: كيف يمكن استعادة ثقة المواطن المغربي في الأحزاب السياسية؟

الجواب لا يكمن في تكثيف الخطابات الداعية إلى التصويت، ولا في تبادل الاتهامات بشأن مسؤولية العزوف، بل في إصلاح الممارسة الحزبية من الداخل، ووضع حد لمنطق المصالح والمساومة في منح التزكيات، وإعادة الاعتبار للكفاءة والبرامج والنزاهة، حتى تستعيد الأحزاب دورها الطبيعي باعتبارها فضاءات للتأطير والتنافس الديمقراطي وخدمة الصالح العام.

فالأحزاب التي تفقد ثقة المواطنين لا تخسر أصواتا انتخابية فحسب، بل تفقد أيضا قدرتها على الإقناع والتأطير والتعبئة، وتضعف صلتها بالمجتمع الذي يفترض أن تمثله. وإذا كان المواطن مطالبا بتحمل مسؤوليته في المشاركة السياسية، فإن الأحزاب مطالبة، قبل ذلك، بإثبات أنها جديرة بثقته، وقادرة على تحويل الوعود إلى إنجازات والمواقع الانتخابية إلى مسؤولية حقيقية.

فالانتخابات لا تستمد قوتها من تنظيمها وحده، بل من اقتناع المواطن بأن صوته له قيمة، وأن اختياره قادر على إحداث تغيير حقيقي. ومن ثم، فإن الطريق إلى رفع المشاركة لا يبدأ من صناديق الاقتراع، بل من استعادة الثقة التي تسبق الوصول إليها.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح