بقلم: عبد الله بوصوف
إن تاريخ العلاقة بين الدولة العلوية والريف ليس مجرد تعاقب لأحداث عسكرية أو زيارات ملكية، بل هو مسار طويل من التفاعل بين الدولة والمنطقة، تتداخل فيه قضايا الشرعية السياسية، والدفاع عن وحدة البلاد، ومقاومة الاحتلال، وصولاً إلى رهانات التنمية الحديثة. فمن عهد المولى الرشيد، مروراً بالمولى إسماعيل وسيدي محمد بن عبد الله، وصولاً إلى الملكين محمد الخامس ومحمد السادس، ظل الريف حاضراً في تاريخ المغرب، باعتباره مجالاً استراتيجياً وفضاءً ساهم رجاله في محطات مهمة من بناء الدولة والدفاع عن الوطن.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة في الناظور والريف الشرقي، بحكم موقعهما على الواجهة المتوسطية وقربهما من مليلية، فضلاً عن خصوصيتهما الثقافية والجغرافية. وقد أسهم هذا الموقع في جعل المنطقة مجالاً للتواصل والتبادل، كما وضعها في قلب رهانات عسكرية وسياسية ظلت تتغير بتغير العصور. لذلك، فإن استحضار تاريخ الريف يقتضي تجاوز اختزاله في الجغرافيا الصعبة أو في لحظات التوتر، وإبراز مساهمته في التاريخ الوطني، وما يجمعه بالدولة من روابط تتجاوز حدود الأحداث المنفردة.
تبدأ إحدى المحطات البارزة مع المولى الرشيد، الذي ارتبط صعوده السياسي بالجهة الشرقية والشمالية الشرقية من المغرب، واتخذ من تازة محطة مهمة في مسار توحيد البلاد وتثبيت سلطته. فقد كانت الدولة المغربية آنذاك تواجه تعدد القوى المحلية وتنافسها، وكانت إعادة بناء سلطة مركزية موحدة تقتضي المرور عبر جهات البلاد المختلفة. وتندرج مواجهاته مع خصومه، ومنهم ابن مشعل، ضمن الأحداث التي مهدت لقيام الدولة العلوية. وتؤكد هذه المرحلة أن الريف ومحيطه لم يكونا خارج التاريخ السياسي للمغرب، بل شكّلا جزءاً من المجال الذي تبلورت فيه الدولة وتوسعت سلطتها.
ومع المولى إسماعيل، انتقلت الدولة إلى مرحلة تقوية المؤسسات وتنظيم الجيش والدفاع عن المجال الوطني. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الريف ورجاله في التاريخ العسكري المغربي، كما تبرز قلعة سلوان، التي ارتبطت بالذاكرة المحلية وبالحضور العسكري للدولة في المنطقة. وقد واجه المغرب خلال هذه المرحلة تحدي الاحتلال الأوروبي لعدد من الثغور الساحلية، فكان استرجاع المهدية سنة 1681، وطنجة سنة 1684، والعرائش سنة 1689، محطات مهمة في مسار استعادة السيطرة المغربية على السواحل. وأسهمت في هذه المواجهات قوات مغربية متعددة المكونات، من بينها رجال ارتبطوا بالمناطق الشمالية والشرقية.
أما في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، فقد ظل استرجاع الثغور المحتلة هدفاً مركزياً في السياسة المغربية. وشكل حصار مليلية خلال سنتي 1774 و1775، الذي استمر عدة أشهر، تعبيراً عن تمسك الدولة بحقها في استعادة المدينة، وعن الأهمية الاستراتيجية للريف الشرقي في الدفاع عن المجال المغربي المتوسطي. ورغم أن الحصار لم يحقق هدفه، فإنه يظل شاهداً على استمرار حضور قضية الثغور في الوعي السياسي للدولة المغربية.
وفي مطلع القرن العشرين، دخل الريف مرحلة شديدة التعقيد، تداخل فيها الصراع على الشرعية مع التنافس على النفوذ والتوسع الاستعماري. فقد اتخذ الجيلالي بوحمارة من قلعة سلوان مركزاً لنفوذه، متحدياً سلطة السلطان ومستفيداً من اضطراب الأوضاع. وفي مواجهة حركته، تبرز في الذاكرة المحلية شخصية الشريف محمد أمزيان، الذي ارتبط اسمه بمقاومة التوسع الإسباني وبالدفاع عن الأرض والشرعية المغربية. وتُروى في الذاكرة الريفية مواجهته لبوحمارة وهزيمته وطرده من قلعة سلوان، في دلالة على رفض التمرد على الشرعية السلطانية. إضافة إلى مسار مقاومة أمزيان للاستعمار، الذي برز خصوصاً بين 1909 و1912، حين قاد مقاومة مسلحة ضد التوغل الإسباني في الريف الشرقي. وهكذا تجمع الذاكرة المرتبطة به بين الدفاع عن الشرعية ومقاومة الاحتلال، وهما بعدان يعكسان تعقيدات المرحلة التاريخية.
لم يكن الريف، إذن، مجرد مسرح للصراعات، بل أنجب شخصيات جعلت الدفاع عن الأرض والكرامة جزءاً من تاريخها. وتندرج مقاومة الشريف محمد أمزيان ضمن تاريخ وطني أوسع، ساهمت فيه مناطق المغرب المختلفة، مع احتفاظ كل منطقة بخصوصيات تجربتها وأشكال مقاومتها.
ومع عودة الملك محمد الخامس من المنفى واستقلال المغرب، دخلت العلاقة بين الدولة والريف مرحلة جديدة، عنوانها استعادة السيادة الوطنية وبناء المؤسسات. وتحمل الزيارة الملكية للناظور، وما ارتبط بها في الذاكرة المحلية من عبارة «الناظور مدينة النور»، دلالة رمزية تعكس تطلع المنطقة إلى مستقبل يجعلها شريكاً في بناء المغرب المستقل. فقد أصبح التحدي لا يقتصر على تثبيت الوحدة الوطنية، بل امتد إلى توفير التعليم وفرص العمل وتحقيق التنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين.
وفي عهد الملك الحسن الثاني، استمرت مسيرة بناء الدولة ومؤسساتها في سياق وطني وإقليمي معقد. وتقتضي قراءة هذه المرحلة النظر إلى تاريخ المنطقة في تعدد أبعاده، بعيداً عن اختزاله في أحداث محددة، مع استحضار أن الوحدة الوطنية تزداد رسوخاً حين تقترن بالتنمية والإنصاف المجالي.
أما في عهد الملك محمد السادس، فقد برز توجه متزايد نحو إطلاق مشاريع استراتيجية لإعادة تموقع الناظور والريف الشرقي داخل الاقتصاد الوطني والمتوسطي. وشكلت الزيارات الملكية المتعددة للناظور خلال السنوات الأولى من العهد الجديد إشارة إلى الاهتمام بمؤهلات المنطقة، فيما جاءت مشاريع مهيكلة لتفتح آفاقاً اقتصادية وعمرانية جديدة.
ويأتي مشروع تهيئة بحيرة مارشيكا في مقدمة هذه الأوراش، لما يحمله من إمكانات في مجالات السياحة والاستثمار وحماية البيئة وتحسين جودة الحياة. كما يمثل ميناء الناظور غرب المتوسط مشروعاً استراتيجياً من شأنه تعزيز موقع المنطقة في التجارة الدولية واللوجستيك والصناعة. وقد اكتسب هذا المشروع أهمية إضافية مع ترؤس الملك محمد السادس اجتماعاً خُصص لتتبع تقدمه والذي من المنتظر ان تدخل محطته الأولى حيز الاستغلال في الأيام القليلة المقبلة، مما يؤكد مكانته ضمن الأوراش الكبرى الرامية إلى تحفيز التنمية.
إن استعراض هذه المحطات، من المولى الرشيد إلى الملك محمد السادس، يكشف عن تحولات العلاقة بين الدولة والريف: من توحيد البلاد وترسيخ الشرعية، إلى الدفاع عن الثغور ومقاومة الاحتلال، وصولاً إلى بناء اقتصاد حديث وتحقيق التنمية المستدامة. وهي علاقة لا يمكن فهمها من خلال حدث واحد أو رواية تختزل تاريخ المنطقة في جانب دون آخر.
لقد كان الريف جزءاً من تاريخ الدولة المغربية، كما كان رجاله حاضرين في الدفاع عن الأرض والشرعية. واليوم، تتيح المشاريع الاستراتيجية فرصة لتحويل هذا الرصيد التاريخي إلى قوة تنموية، شريطة أن تقترن الأوراش الكبرى بالعدالة المجالية، وبإشراك السكان في ثمارها.
وهكذا، فإن العلاقة التاريخية بين الدولة العلوية والريف ليست مجرد ذاكرة للماضي، بل مسؤولية تجاه المستقبل؛ فالوحدة الوطنية التي ترسخت عبر التاريخ تجد امتدادها الطبيعي في تنمية عادلة، تحفظ خصوصية المنطقة، وتعزز انتماءها الوطني، وتجعل من الناظور والريف الشرقي فضاءً للمبادرة والإنتاج والازدهار.
إن تاريخ العلاقة بين الدولة العلوية والريف ليس مجرد تعاقب لأحداث عسكرية أو زيارات ملكية، بل هو مسار طويل من التفاعل بين الدولة والمنطقة، تتداخل فيه قضايا الشرعية السياسية، والدفاع عن وحدة البلاد، ومقاومة الاحتلال، وصولاً إلى رهانات التنمية الحديثة. فمن عهد المولى الرشيد، مروراً بالمولى إسماعيل وسيدي محمد بن عبد الله، وصولاً إلى الملكين محمد الخامس ومحمد السادس، ظل الريف حاضراً في تاريخ المغرب، باعتباره مجالاً استراتيجياً وفضاءً ساهم رجاله في محطات مهمة من بناء الدولة والدفاع عن الوطن.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة في الناظور والريف الشرقي، بحكم موقعهما على الواجهة المتوسطية وقربهما من مليلية، فضلاً عن خصوصيتهما الثقافية والجغرافية. وقد أسهم هذا الموقع في جعل المنطقة مجالاً للتواصل والتبادل، كما وضعها في قلب رهانات عسكرية وسياسية ظلت تتغير بتغير العصور. لذلك، فإن استحضار تاريخ الريف يقتضي تجاوز اختزاله في الجغرافيا الصعبة أو في لحظات التوتر، وإبراز مساهمته في التاريخ الوطني، وما يجمعه بالدولة من روابط تتجاوز حدود الأحداث المنفردة.
تبدأ إحدى المحطات البارزة مع المولى الرشيد، الذي ارتبط صعوده السياسي بالجهة الشرقية والشمالية الشرقية من المغرب، واتخذ من تازة محطة مهمة في مسار توحيد البلاد وتثبيت سلطته. فقد كانت الدولة المغربية آنذاك تواجه تعدد القوى المحلية وتنافسها، وكانت إعادة بناء سلطة مركزية موحدة تقتضي المرور عبر جهات البلاد المختلفة. وتندرج مواجهاته مع خصومه، ومنهم ابن مشعل، ضمن الأحداث التي مهدت لقيام الدولة العلوية. وتؤكد هذه المرحلة أن الريف ومحيطه لم يكونا خارج التاريخ السياسي للمغرب، بل شكّلا جزءاً من المجال الذي تبلورت فيه الدولة وتوسعت سلطتها.
ومع المولى إسماعيل، انتقلت الدولة إلى مرحلة تقوية المؤسسات وتنظيم الجيش والدفاع عن المجال الوطني. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الريف ورجاله في التاريخ العسكري المغربي، كما تبرز قلعة سلوان، التي ارتبطت بالذاكرة المحلية وبالحضور العسكري للدولة في المنطقة. وقد واجه المغرب خلال هذه المرحلة تحدي الاحتلال الأوروبي لعدد من الثغور الساحلية، فكان استرجاع المهدية سنة 1681، وطنجة سنة 1684، والعرائش سنة 1689، محطات مهمة في مسار استعادة السيطرة المغربية على السواحل. وأسهمت في هذه المواجهات قوات مغربية متعددة المكونات، من بينها رجال ارتبطوا بالمناطق الشمالية والشرقية.
أما في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، فقد ظل استرجاع الثغور المحتلة هدفاً مركزياً في السياسة المغربية. وشكل حصار مليلية خلال سنتي 1774 و1775، الذي استمر عدة أشهر، تعبيراً عن تمسك الدولة بحقها في استعادة المدينة، وعن الأهمية الاستراتيجية للريف الشرقي في الدفاع عن المجال المغربي المتوسطي. ورغم أن الحصار لم يحقق هدفه، فإنه يظل شاهداً على استمرار حضور قضية الثغور في الوعي السياسي للدولة المغربية.
وفي مطلع القرن العشرين، دخل الريف مرحلة شديدة التعقيد، تداخل فيها الصراع على الشرعية مع التنافس على النفوذ والتوسع الاستعماري. فقد اتخذ الجيلالي بوحمارة من قلعة سلوان مركزاً لنفوذه، متحدياً سلطة السلطان ومستفيداً من اضطراب الأوضاع. وفي مواجهة حركته، تبرز في الذاكرة المحلية شخصية الشريف محمد أمزيان، الذي ارتبط اسمه بمقاومة التوسع الإسباني وبالدفاع عن الأرض والشرعية المغربية. وتُروى في الذاكرة الريفية مواجهته لبوحمارة وهزيمته وطرده من قلعة سلوان، في دلالة على رفض التمرد على الشرعية السلطانية. إضافة إلى مسار مقاومة أمزيان للاستعمار، الذي برز خصوصاً بين 1909 و1912، حين قاد مقاومة مسلحة ضد التوغل الإسباني في الريف الشرقي. وهكذا تجمع الذاكرة المرتبطة به بين الدفاع عن الشرعية ومقاومة الاحتلال، وهما بعدان يعكسان تعقيدات المرحلة التاريخية.
لم يكن الريف، إذن، مجرد مسرح للصراعات، بل أنجب شخصيات جعلت الدفاع عن الأرض والكرامة جزءاً من تاريخها. وتندرج مقاومة الشريف محمد أمزيان ضمن تاريخ وطني أوسع، ساهمت فيه مناطق المغرب المختلفة، مع احتفاظ كل منطقة بخصوصيات تجربتها وأشكال مقاومتها.
ومع عودة الملك محمد الخامس من المنفى واستقلال المغرب، دخلت العلاقة بين الدولة والريف مرحلة جديدة، عنوانها استعادة السيادة الوطنية وبناء المؤسسات. وتحمل الزيارة الملكية للناظور، وما ارتبط بها في الذاكرة المحلية من عبارة «الناظور مدينة النور»، دلالة رمزية تعكس تطلع المنطقة إلى مستقبل يجعلها شريكاً في بناء المغرب المستقل. فقد أصبح التحدي لا يقتصر على تثبيت الوحدة الوطنية، بل امتد إلى توفير التعليم وفرص العمل وتحقيق التنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين.
وفي عهد الملك الحسن الثاني، استمرت مسيرة بناء الدولة ومؤسساتها في سياق وطني وإقليمي معقد. وتقتضي قراءة هذه المرحلة النظر إلى تاريخ المنطقة في تعدد أبعاده، بعيداً عن اختزاله في أحداث محددة، مع استحضار أن الوحدة الوطنية تزداد رسوخاً حين تقترن بالتنمية والإنصاف المجالي.
أما في عهد الملك محمد السادس، فقد برز توجه متزايد نحو إطلاق مشاريع استراتيجية لإعادة تموقع الناظور والريف الشرقي داخل الاقتصاد الوطني والمتوسطي. وشكلت الزيارات الملكية المتعددة للناظور خلال السنوات الأولى من العهد الجديد إشارة إلى الاهتمام بمؤهلات المنطقة، فيما جاءت مشاريع مهيكلة لتفتح آفاقاً اقتصادية وعمرانية جديدة.
ويأتي مشروع تهيئة بحيرة مارشيكا في مقدمة هذه الأوراش، لما يحمله من إمكانات في مجالات السياحة والاستثمار وحماية البيئة وتحسين جودة الحياة. كما يمثل ميناء الناظور غرب المتوسط مشروعاً استراتيجياً من شأنه تعزيز موقع المنطقة في التجارة الدولية واللوجستيك والصناعة. وقد اكتسب هذا المشروع أهمية إضافية مع ترؤس الملك محمد السادس اجتماعاً خُصص لتتبع تقدمه والذي من المنتظر ان تدخل محطته الأولى حيز الاستغلال في الأيام القليلة المقبلة، مما يؤكد مكانته ضمن الأوراش الكبرى الرامية إلى تحفيز التنمية.
إن استعراض هذه المحطات، من المولى الرشيد إلى الملك محمد السادس، يكشف عن تحولات العلاقة بين الدولة والريف: من توحيد البلاد وترسيخ الشرعية، إلى الدفاع عن الثغور ومقاومة الاحتلال، وصولاً إلى بناء اقتصاد حديث وتحقيق التنمية المستدامة. وهي علاقة لا يمكن فهمها من خلال حدث واحد أو رواية تختزل تاريخ المنطقة في جانب دون آخر.
لقد كان الريف جزءاً من تاريخ الدولة المغربية، كما كان رجاله حاضرين في الدفاع عن الأرض والشرعية. واليوم، تتيح المشاريع الاستراتيجية فرصة لتحويل هذا الرصيد التاريخي إلى قوة تنموية، شريطة أن تقترن الأوراش الكبرى بالعدالة المجالية، وبإشراك السكان في ثمارها.
وهكذا، فإن العلاقة التاريخية بين الدولة العلوية والريف ليست مجرد ذاكرة للماضي، بل مسؤولية تجاه المستقبل؛ فالوحدة الوطنية التي ترسخت عبر التاريخ تجد امتدادها الطبيعي في تنمية عادلة، تحفظ خصوصية المنطقة، وتعزز انتماءها الوطني، وتجعل من الناظور والريف الشرقي فضاءً للمبادرة والإنتاج والازدهار.

بوصوف يكتب: الدولة العلوية والريف: من ترسيخ الشرعية إلى رهانات التنمية
