NadorCity.Com
 


المطلوب..!


المطلوب..!

شعيب عمر

في خضم كل هذا الحراك الذي يحدث هنا وهناك، ثمة سؤال عمر لعشرات السنين ومازال حول مفهوم الإصلاح . في المغرب - الذي يعنينا من بين كل ما يحدث - عمر هذا السؤال أطول بكثير مما قد يتصور البعض. فكلمة الإصلاح ترددت على الألسن بمغرب القرن التاسع عشر حتى قبل أن تطأ أرجل أولى طلائع المحتلين منطقة وجدة. ربما اختلط الأمر على أهل الأمر في زمانهم فلم يفرقوا بين الإرادة في الإصلاح والإرادة في التحديث. ولعل أقرب الأمور لواقع الأشياء أن السلطان الحسن الأول أراد التحديث من حيث هو درء للأخطار الخارجية عبر تحديث مؤسسة العسكر وإعادة تثبيت سلطته على حواشي المغرب التي ظلت ثائرة طيلة القرن لأسباب عديدة.

هذا الإلتباس في فهم المطلوب ما زال يجد له موطئ قدم في مغرب ما بعد العشرين من فبراير. الامر يتلخص في سؤال بسيط ولكنه محوري وأساسي: ما الذي يراد لمغرب الألفية الثالثة هذا؟ وبتفصيل هذا التساؤل تتناسخ منه أسئلة أخرى: هل يراد القيام بإصلاح من داخل نفس المنظومة التي أنتجب الوضع المعاش الذي أدى لوجود هذه الحاجة الماسة لإصلاحه؟ ما حدود هذا الإصلاح؟ وهل الأمر يتعلق بإعادة صياغة الأدوار في ظل نفس المنظومة القديمة؟ و هل يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي مرتقب تتكفل به وجوه هي مسؤولة ضمنا عن الوضع الحالي؟ وفي الأخير لنطرح السؤال المزعج وباختصار، هل المغرب في حاجة لإصلاح أم لتغيير؟

الناظر لواقع مغرب ما بعد عهد الثورات يجده وهو تتجاذبه ثقافتان إن جاز التعبير: ثقافة شبابية متنامية ترى التغيير وسيلة لغاية تأسيس مغرب جديد "بصيغة أخرى". وفي هذه الصيغة تنتفي فيها مضامين العهد القديم الذي أفلس منذ زمن طويل وتأسيسا لثقافة جديدة مبنية على ركائز تشكل فيها الديمقراطية الحقيقية وسلطة الشعب وحرية الرأي والكلمة وقيم المواطنة أبرزها. حركة 20 فبراير تمثل هذا التيار الشعبي بشكل او بآخر.

الثقافة الثانية الموازية هي تقافة يمكن تلخيصها في كونها " ثقافة الفصل 19 ". هي ثقافة تقليدية رغم انها تحمل الكثير من المساحيق ولا يدافع عنها فقهاء المجلس العلمي فقط الذين استيقظوا مؤخرا لا لشيء إلا ليدمجوا بيانا ناريا ضد حركة 20 فبراير، بل إن هذه الثقافة يدافع عنها حتى الكثير من المثقفين بربطات عنق عصرية يتوزع لونها بين اليسار واليمين وحتى الإسلاميين. قد يبدو الأمر مصاغا بطريقة فيها الكثير من القفز على خصائص كل طرف من هذ الأطراف لكن الذي يجمعها انها لم تخرج بعد من رهبة الفصل رقم 19. والناظر لما قدمته الاطراف التي تمثل هذه الثقافة من مقترحات "لإصلاح" الدستور مثال حي على هذه الرهبة.

إن من اطرق أذنيه ليستمع لمطالب الشارع الذي سيح بعشرات الآلاف من المغاربة، سيخرج بخلاصة سريعة أن أس هذه المطالب مبنية على فكرة التغيير وليس القيام بإصلاحات. في الحوارات التي تجرى على الشاشات أو عبر المنتديات يتم القفز على هذا المعطي بحسن نية أو بسوء نية. حتى الكثير ممن يتحدث دفاعا عن مطالب هذا الشارع لا يعمل من الجهد ما يكفي ليتحدث عن هذا التيه حول المطلوب بالضبط، أتغيير هو أم إصلاح. المحصلة ان الكثيرين يتحدثون عن ضرورة التغيير والإصلاح دون معرفة هل الامر استجابة لمطالب أم قفز عليها.

ومن المقالات التي قرأتها مؤخرا ويمكن إدخالها في باب التفاءل الزائد عن الحد، هي مقالة حول الدور الجديد للملكية للسيد بوعشرين. الحقيقة التي قفز عليها السيد بوعشرين هي أن المخزن لم يمت مع خطاب 9 مارس ومن يعتقد ذلك فهو للاسف مخطئ ومخطئ من يفكر في تجاوز ثقافة الفصل 19 لمجرد تشكيل لجنة لتعديل الدستور. الواقع ان الوحيد الذي يستطيع ان يعلن عن وفاة المخزن - إن تفاءلنا كثيرا من السيد بوعشرين- هو المخزن نفسه! لكن للاسف فسنونو وحيد لا بصنع الربيع والملامح الأولى لهذا الإصلاح لا تشي بكثير من التفاؤل.

أولى هذه العلامات ان منطوق الأحداث يسير نحو إصلاحات دستورية دونما فسح المجال للنقاش هل المغرب بحاجة لإصلاحات دستورية فقط ام أن الحاجة ملحة لدستور جديد، لعقد اجتماعي جديد. عند مونتسيكيو للقوانين روح وإذا كان الدستور أسمى تعبير عن إرادة الأمة فليطرح السؤال إن كان هذا الدستور المراد ترقيعه هنا وهناك يمثل هذه الإرادة. صحيح أن الحجة موجودة دائما عبر القول بأن الإستفتاء هو الفيصل وهو الذي سيمثل شهادة ميلاد ثانية لهذا الدستور المرقع. لكن هذه الحجة مردودة ولن تكون كافية لاسباب أكبرها أن الإستفتاء سيكون استفتاء على الإرادة الملكية التي تقدم مشروع الدستور، واستفتاء بمثل هذه النوعية امر معروف نتائجه مسبقا. ثم هل يعرف أحد ما عن استفتاء ما أجري بالمغرب وقدمه القصر وقيل له لا؟!!!

العلامة الثانية أن القصر قرر تعيين لجنة واختار أعضاءها ممن لم يشهد لهم بموقف يتوازى مع المواقف الرسمية، وحدد هو المهام والسقف وحتى المطلوب. الشيء الوحيد الباقي كفتحة ضوء هو دعوة الملك اللجنة للجرأة. وهي دعوة فيها من المبهم أكثر بكثير مما تحمل من الوضوح.

العلامة الثالثة وقد تكون مربط الفرس وهي اللجنة المعينة نفسها. فهذه اللجنة تحيل لسابقتها في الجهوية التي عينت بنفس الطريقة والكثير من الأعضاء في لجنة الدستور هم اعضاء في لجنة الجهوية. وما دامت هذه الأخيرة قد تمخضت عن مشروع للجهوية أقل ما يقال عنه بانه تكريس لواقع صادم فسيكون من العبث تصور أن نتائج لجنة الدستور ستكون أفضل حالا. واولى بواكير هذه اللجنة بدات ملامحها في الظهور مبكرا مع السيد الطوزي الذي لم يكد يستريح على كرسي العضوية حتى خرج علي المغاربة برأي قاطع بكون هؤلاء المغاربة ليسوا من النضج بمكان لفهم واستيعاب نظام ملكية برلمانية.

خلاصة القول أن للديمقراطية "مشكلة عويصة"، فهي مثلها مثل الزوجة التي ترفض أن تتعايش مع ضرة! فإما أن تكون ديمقراطية حقيقية أو الطلاق. وفي مغرب الإستقلال تعايش المغاربة بصعوبة بالغة مع قصص كثيرة عن الدستور والإنتخابات وحكاية البرلمان والديمقراطية الحسنية وهذه الخصائص المغربية الفريدة من نوعها وكثير من الواوات.. لكن في الأول والأخير لم يروا هذه الديمقراطية بعد! وكانت اكثر من خمسين عاما من هذا الإستقلال مليئة بكثير من الدماء التي أهرقت مرة هنا ومرة هناك تحت يافطات متعددة.. والنتيجة كانت واحدة: قصص مؤلمة وغرس حقد دفين بين الدولة القائمة بأنصارها وبقية المغاربة.


بين مصطلحي الإصلاح والتغيير خيط رفيع وفي أحيان كثيرة يكون الإصلاح غير كاف لمواصلة المسيرة فيصبح التغيير ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى. إن على الديمقراطيين في المغرب ان يكونوا على دراية بان نظام المخزن لم يسلم بضرورة القطيعة مع ثقافة الماضي رغم أنه كان يملك الوقت الكافي لإحداث هذه القطيعة. والشيء الآخر المهم ان مراكز القوة التي عطلت التغيير منذ أحداث 16 ماي ما زالت موجودة. وعلى المخزن الذي لم يمت بعد أن يقول هو هذه المرة وبصريحة العبارة ماذا يريد بالضبط! فتيار التغيير الشعبي عبر عن ما يريد وبصريح العبارة: إن الشعب يريد التغيير!

Chaib.omar@gmail.com












المزيد من الأخبار

الناظور

جمعية المستقبل الجميل تستعرض أبرز انشطتها خلال السنة في لقاء تواصلي مع الساكنة

تهنئة بمناسبة إزدياد مولودة لعائلة محمادي "بوصابون" بنعلي

نادي الإبداع والثقافة التابع لثانوية الناظور الجديد ينظم امسية ثقافية

ساكنة "طوماطيش" بالناظور تطالب من مسؤولي الماء والمجالس المنتخبة انقاذها من الضرر والتهميش

سلطات الناظور توقف مهاجرين سريين من موريتانيا وسفارة بلادهم تتحقق من هوياتهم

مديرية الأرصاد الجوية تتوقع هطول تساقطات مطرية بالريف والشمال غدا السبت

أوريد: الشاعر الراحل محمود درويش اتصل بوزير الثقافة ليسأله عن الناظور فأخبره بأن المنطقة مغرب آخر