NadorCity.Com
 


الإبْداع في المَغرب لا يَشتري خُبزاً


الإبْداع في المَغرب لا يَشتري خُبزاً
بقلم: بدر أعراب

الإبْداع شَكلٌ تعبيريّْ وحضَاري راق يقاسُ به مسْتوى تطوّر الأمم ونَبضها... أيْ نعَم لا جدال، ولكن أن تضّحي بحَياتك كلهَا في سَبيله ببلادنا هوَ الحُمقُ بعينه.. لذلك يتقطعُ لي "القلب" بشريَان الحيَاة فيه من الجُذور كلمَا جمعتني الصّدفة ذات كل موعد ثقافي أو لقاء بأحد من المُبدعين المغاربة. وحين أقول المبدعون المغاربة طبعا لا أقصدهم برمتهم. بل القليلون جدا، أولئك الذين ما زالوا يؤمنون فعلاً أن المُبدع "كنز لا يفنى" وأنه بمثابة البطل المأساوي المجند والمستعد تماما على الدوام لإشهار سيفه كلما تهدد "مجتمعه" خطر محدق، وأن انجاته دُررُ ولآلئ ذات قيمة، ووقود من النوع المُمتاز تحلق به البلاد نحو الآفاق! وأن وأن.... مجانين، أو قل عنهم مساكين، فهم لا يدرون أن البلاد سائرة بهم و بلا بهم! هذه الطينة من مبدعينا الدراويش لم يتّكشف لهم بعد أن الإبداع في المغرب لا يمكنه شراء رغيف خبز ساخن! وأن "كتاباتهم" يقول واقع رفوف المكتبات لا تساوي حتى ثمن الحبر الذي كتبت منه! وأن كتبهم تلتفح تحت ألسنة الشمس الملتهبة في الأكشاك. وللأسف لا يُدركون جيّدا هذه الحقيقة الا بعد فوات الأوان، وقد كان الله في عون بعض كتابنا البوهيميين ممّن وجدوا أنفسهم في خريف العمر يتسّولون ثمن وصفة دواء.

وفعلاً، فالابداع في المغرب هو من المغامرة أكثر منه بشيء أخر، والحال أن كم من مبدع اضطرته حرفة الكتابة في أخر أيامه إلى احتراف "التسوّل" بغية تسديد ديون دور النشر المتولية مهمّة طبع أعماله، والتي تراكمت على ذمته مذ سنين طوال ظل خلالها الكاتب يمّني النفس ذات كل طبعة جديدة بتحقيق "نجاح" يدّر عليه بما يكفي لتسديد النفقات المنوطة بعنقه، هذا طبعا إذا سدّ مقدما رمقه ورمق عياله. ونادرا ما يحدث أن يحقق "إصدار" طفرة مالية نوعا ما، لكن دون جدوى منها إذا ما قورنت بحجم الديون.

وكم من مبدعين آخرين لم يجدوا حتى ثمن وصفة دواء لأمراضهم المزمنة التي ساهمت فيها بقسط وافر بلا شك قلة ذات اليد. ولعّل أغلبنا على الأرجح حضر أمسية أدبية أو اثنتان في كذا مرة، أقيمت على شرف كتاب مغاربة مرموقين كان الجميع يتصّور أنهم نوعيين وإمعة حتى في خلقتهم وفي هندامهم فضلا عمّا تجود به قرائحهم النيّرة، فإذا بالواحد منّا يجد نفسه أمام سحنة شاحبة ومتعبة لجسد ذابل ومترهل يتوسط كرسيا فاخرا عادة ما يكون أكبر بكثير من حجم كتابنا ذائعين الصيت والمغمورين منهم على حدّ سواء. وعوض أن تصبح الأماسي والتظاهرات الأدبية عندنا بالمغرب مُحفزة للناشئة الأدبية ومشاريع المبدعين الواعدين كي تنمو معهم أحلامهم الصغيرة التي يرعونها كقطيع من الأغنام في ضيعات مخيلاتهم، فهي تعمل على إطفاء "شعلة" الموهبة وتشعل في المقابل حسرة مستديمة في الأنفس تلازم أصحابها إلى أن تجهز على "حلمهم" في أن يصبحوا كتابا.

وطبعا، زمننا الرديء هذا غير الزمن الذي قرأنا عنه في كتب التاريخ، فتبّا لهذه الأزمنة المغربية الصعبة التي تحوّل فيها المبدع إلى قطعة خردة بلا قيمة تذكر أو كعاهرة رخيصة وسفيهة لا أحد من المارة يلتفت إليها، هي التي تظل واقفة ليل نهار فوق رصيف بارد من أرصفة الوطن المهترئة، في انتظار صيد ولو بخيس، يعيد لها الإحساس بجدوى بقائها قيد الحياة رغم أنها لا حياة. لقد مرت العصور والأزمنة الغبراء التي كانت توضع فيها للمبدع نصبا تذكاريا تخليدا له عبر كل الأجيال، حتى ما وصل جيلنا راح يتبول عليها بلا وخز في الضمير وصنع بشعره المدهون فوق رأسه تماثيل شمعية لا تضاهى، تناطح تمثال الحرية العالمي وبرج إيفل الشاهق في علّوهما، أما الحدائق العمومية التي نُصبت وسطها "التحّف" والنصّب النحتية الصمّاء للعظماء من الأدباء، هذا ان وجدت طبعا، فقد صارت مراتع خصبة لتجمعات السكارى الذين يغدقون المكان بولا وأقيئة كلما امتلأت مثانتهم وبطونهم بما هرقوه من عرق الرّوُج والما حيا ذات الماركة المحلية، رغم ما يحويه المكان من رمزية فنية تاريخية ضاربة في عمق التاريخ.

لم أجد خاتمة معبّرة أنسب لإنهاء مقالي، أفضل من سطر شعري يحفظه الصغير عن ظهر قلب مثلما الكبير، لم يراوح ذهني متى ما حاولت صادقا الاشتغال على التفكير بصمت في مسألة ما إذا كان "المبدع المغربي يعيش زمن احتضاره، إذ يقول فيه الشاعر الذي لا يحضرني الآن اسمه:

"لو أنّ شعري شعير لأكلته الحمير.. وبما أن شعري شعور فما للحمير شعور"




1.أرسلت من قبل Es S Doudou في 24/06/2012 21:40
bravo akhi badr je te souhaite le bonheur

2.أرسلت من قبل Blondo في 25/06/2012 00:10
votre article est très intéressant cher ami. Il aurait êté plus touchant si vous ne l'aviez pas avili avec certaines comparaisons"..." où vous avez tenté de porter atteinte à la dignité de l'écrivain.

3.أرسلت من قبل fleura في 29/06/2012 17:59
صدقت اخي.فهذا هو واقع بلادنا المزورون و المخربون يعيشون حياة البذخ و الطرف.في حين المبدعون والفنا نين يعيشون حياة لا يحسدون عليها اذ لا يسطيعوا تأمين حتى حق دوائهم او علاجهم..اهنئك اخي العزيز على هذا الاختيار...والى الامام

4.أرسلت من قبل zouhir في 04/08/2012 18:33
salam 3layka akhi badr youcharifoni an ta9ra2a ta3li9i wa an tafhamaho jayidan ama ba3d . anta tanawalta mawdo3a al2ibda3 fi lmaghrib wa anta ta9ol anaho la yachtari lkhobz wa ana motafi9 3la koli ma 9oltah lakin kol ma yastafidoho almobdi3 howa rahat albal wa hodi2h wa ta3bir 3la kol ma yaraho fi hayatih alyawmiya wa a9olo lak ma9alok jamil wa aktar min jamil ..............

5.أرسلت من قبل salma في 08/09/2012 18:21
salùù cv












المزيد من الأخبار

الناظور

جديد المنشد الريفي أحمد أبو طالب.. توب أوما

أستاذة بـ "ثانوية الناظور الجديدة" تتعرض لاعتداء مستنكر على يد تلامذتها بعد رشقها بكمية من البيض

الناظورية "وفاء ميراس" تشارك في مسلسل تاريخي ضخم إلى جانب نجوم الدراما العربية

توزيع توليفات أمنية وتثبيت نقاطها بأرجاء وسط الناظور استتبابا للأمن بالمدينة

شاهدوا حلقة جديدة من برنامج نور القلوب مع الدكتور الريفي عبد الوهاب بنعلي.. الحقوق والواجبات

شاهدوا الحلقة 5 من السلسلة الكوميدية الريفية "شعيب ذ رمضان" من بطولة بنحدو وبوزيان

شاهدوا الحلقة الخامسة من السلسلة الهزلية "المشاكيل" لكوميديين من الناظور