NadorCity.Com
 


اشكالية التنمية في ظل تفشي ظاهرة الامية


اشكالية التنمية في ظل تفشي ظاهرة الامية
محمد ازعوم

يعتبر مفهوم التنمية من المفاهيم المستعصية على الفهم و الاستيعاب، و بالتالي العمل به، إذ له من المعاني ما يملئ كتب الشراح و الأدباء و الشعراء و الفلاسفة و علماء الاقتصاد و الاجتماع و السياسة. و يعد لغزا حقيقيا ﺃرق العديد من المهتمين في الميدان. لذلك اختار كل واحد منهم حسب فهمه و تخصصه أن يعمل على فك رموزه، حتى ينكشف منه ما يتلاءم و حاجيات المجتمع. و المجتمع أحوج ما يكون إلى التنمية في كل ميدان، إذ بها يحيى و يستمر في الوجود، و يتطور حتى يبلغ أقصى ما يطمح إليه من التقدم و الازدهار. فالتنمية هي الأساس لكل تقدم وازدهار. و لا شيء غيرها يمكن أن يحل محلها في إطار السعي إلى العمل على هدم رواسب التخلف الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي و الثقافي و الفكري، من ﺃجل بناء صرح مجتمعي جديد، قائم أساسه على المعرفة العلمية، و الرؤية الواضحة المنبثقة عن التخطيط العلمي التجريبي، الذي لا يقبل بالتفسيرات الخرافية الوهمية، و لا بالتفسيرات الاعتباطية الفوضوية
و العشوائية الدوغمائية، بل كل ما يسير في طريق الوعي الحسي بالمسؤولية المجتمعية، و ما تستلزمه من واجبات، يعتبر دعما للتخطيط العلمي السليم المفعم بالايجابية و التحدي.

التنمية بمفهومها الواسع تستهدف الإنسان بالدرجة الأولى، باعتباره سيد الكون و خليفة الله في الأرض. فتنمية هذا الإنسان من ﺃجل تأهيله إلى دوره الحقيقي في الحياة، أصبح ضرورة لا محيد عنها. إذ هو الحلقة المهمة في سلسلة النظام الكوني، فإذا تأهل صار الكون في الاتجاه الصحيح، أما إذا كان العكس فالأمر لا ينفك على أن ينذر بالكارثة.

انه من المؤسف أن نصطدم بالحقائق التي تكشف بان هذا الإنسان، في العالم الثالث المتخلف، غير مؤهل لترجمة مفهوم التنمية على ﺃرض الواقع. و هذا يعود إلى عدة أسباب، و أهمها معاناته المزمنة من مرض الأمية الذي أنهك قواه العقلية و الجسدية، و جعلها عالة على العالم المتقدم.

فما هي علاقة التنمية إذا بالأمية؟ هل يمكن للأولى أن تتحقق في ظل طغيان الثانية؟ أم أن الأمر يتطلب القضاء على هذه الأخيرة حتى نتمكن من الحفاظ على استمرارية الأولى؟ إذا كان الأمر كذلك فماهي الخطوات التي يمكن إتباعها في مجال محاربة الأمية؟ و ماهي الشروط التي تسمح حينئذ بزرع ثقافة التنمية؟ و ما هي السبل الكفيلة للحفاظ على هذه الثقافة و جعلها تنتشر بين الأوساط الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية و الفكرية؟؟

التنمية و الأمية قطبان متنافران. حيثما تجد الأمية تغيب التنمية الحقيقية. و حيثما تجد التنمية تختفي الأمية. فالتنمية هي كشجرة طيبة أصلها في المعرفة و فرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين. أما الأمية فهي كشجرة خبيثة اجتثت فوق الأرض و ما لها من قرار. و تحقيق مستويات متقدمة من التنمية في العالم النامي في ظل وجود نسب عالية من الأمية قد يبقى و لفترة طويلة ليس سوى مجرد حلم يصعب تحويله إلى واقع ملموس. و القضاء على الأمية التي تقف حاجزا أمام التنمية بات ضرورة لابد منها. فهي ضرورة اجتماعية أكثر منها اقتصادية و سياسية و ثقافية. لأنها مسالة إصلاح مجتمع كامل. و عملية الإصلاح هاته تبدأ بإصلاح الفرد من خلال تعليمه و تربيته على السلوك الايجابي الذي يتوافق و الميثاق الاجتماعي، و بالتالي إرشاده إلى ما يتوجب عليه القيام به من ﺃجل نفسه و عائلته و محيطه و مجتمعه،
و بالتالي عالمه الذي هو جزء منه. و للقضاء على الأمية التي تعتبر عائقا حقيقيا أمام التنمية لابد من البحث عن منبعه الحقيقي الذي ﺃفرزه إلى الواقع، و دراسته دراسة علمية حتى يتم تقديم وصفة علاجية فعالة.

المنبع الأساسي و المهم الذي أصبح يصدر الأمية إلى مجتمعات العالم الثالث، و خاصة المجتمعات الإسلامية، و الأخص منها المغرب، هو تدهور المنظومة التعليمية، و فشلها الذريع في سد ثغراتها المتواصلة الاتساع. حيث ظلت، و لعقود طويلة، غير قادرة على ضمان حق التعليم لكل فرد من أفراد المجتمع. و بالتالي سمحت بشكل مباشر أو غير مباشر بميلاد أول فوج أمي يسجل على قائمة الحياة على الهامش.

إذا لقد تمكنا إلى حد الآن، من معرفة من المسؤول عن جريمة صناعة الأمية، لذلك لابد من اتخاذ إجراءات تكتيكية تعمد إلى محاكمته، من ﺃجل إعادة المنظومة إلى سكتها كي يستفيد من خدمتها الكل
و دون تمييز.

أولى الإجراءات هي إعادة هيكلة المنظومة التعليمية وفق ﺃحدث ما تعرفه الساحة التربوية و العلمية من مستجدات في ميدان التقدم العلمي والتكنولوجي... يستجيب ذلك و ثقافة مجتمعنا العريق المنبثقة من هويتنا الامازيغية العريقة، و ديننا الإسلامي الحنيف. و الهيكلة هاته لا يجب أن تقتصر فقط على الشكل الداخلي للمنظومة التعليمية؛ أي إحداث تغييرات في المادة التعليمية، مثل استبدال مادة بمادة أخرى أو إدخال بعض التغييرات عليها. بل يجب التركيز ﺃيضا على، و هذا هو المهم، كيفية تمكين كل الشرائح المجتمعية من الاستفادة من هذه المواد بشكل مجاني. و في هذه النقطة بالذات يكمن الخلل، إذ أن معظم الدول المتخلفة لا تعير ﺃدني ﺇهتمام لهذا الجانب. بل كل الجهود التي تقوم بها، ولو كان بعضها يسير في اتجاه لاباس به، تصب في اتجاه واحد، الذي هو تغيير شكل المادة التعليمية المدرسة، ودون المس بمضمونها المتخلف، الذي أكل عليه الدهر و شرب. و في هذه الحالة تضيع كل الجهود و تذهب أدراج الرياح. و بهذا تنخفض نسبة الإقبال على المدرسة، و ترتفع نسبة انتعاش الأمية، و تزيد نسبة الجهل
و التخلف، و بالتالي تغيب فرص التنمية الحقيقية.

إن هيكلة قطاع التعليم وفق ما يتضمنه الواقع الاجتماعي من حاجيات ماسة، و جعله منفتحا على المحيط الخارجي، تعمد ﺇلى اجتثاث مرض الأمية، و ما يمكن أن تخلفه من تبعات اجتماعية، من ﺃعمق جذورها،
و العمل على وضع أول لبنة لتشييد صرح التنمية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية
و الفكرية، لأنه يعتبر بمثابة العمود الفقري، و القلب النابض الذي يبث الحياة في المجتمع، كيفما كان نوعه و حجمه و عرقه... فالتعليم هو الحل الأمثل لتجفيف الأمية من مستنقعات العالم الإسلامي المتخلف. و عليه يراهن الجميع من ﺃجل تكوين نخب ﺇجتماعية مختلفة الأعمار، من ﺃجل القضاء على المعتقدات الفاسدة، و تقويم السلوكات المنحرفة، و بالتالي زرع روح التنمية الايجابية و البناءة.


السبب الثاني و المهم، الذي زاد من استفحال ظاهرة الأمية، و زاد من حدتها في الأوساط الاجتماعية،
و بالتالي تقويض جهود التنمية فيها، هو تماطل الدولة و تغاضيها عن إعداد مخططات إستراتيجية استعجاليه واضحة المعالم، تعمد إلى جعل من قضية الأمية قضية اجتماعية وطنية بالدرجة الأولى.
و يكمن هذا التماطل في عدم تمكنها من تجفيفها و آثارها السلبية من المجتمع، و قطع جميع السبل التي من شانها أن تسمح لأي كان أن يعود إلى عتبتها و عتمتها.

و يظهر هذا جليا، أولا في تدهور قطاع التعليم، الذي ﺃشرنا إليه سابقا، حيث يعرف تراجعا ملحوظا حتى وصل به التصنيف إلى أدنى مستويات له في تاريخ التربية. و بهذا أصبحت المدرسة المغربية مصنعا لتكرير قمامات المعرفة المتجاوزة، التي التقطها مسؤوليها من مزابل الغرب، من ﺃجل إنتاج أفواجا من المحبطين و اليائسين، الذين أصبحوا كلا على مجتمعاتهم، بسبب عدم تمكنهم من الاندماج داخل هذه المجتمعات، نظرا للإقصاء المجحف، الذي طالهم و مؤهلاتهم العلمية من العالم المهني أو ما يسمى بسوق الشغل. و هذا الواقع المر المرير، يوجه رسالة خطيرة إلى الجيل الصاعد مفادها ﺃنه لا جدوى من التعليم إذا كان عاجزا عن توفير لقمة عيش متواضعة.

إذ في ظل كون التعليم عند الغرب، هو فن و هواية اللعب في التجارب و التحليق في فضاء الاكتشافات و الاختراعات التي أذهلت العالم... فالتعليم عندنا هو التحقيق في اغتيال ولي عهد النمسا، و سبب سقوط الطائرة، و درس الحقيقة عند منتسكيو، و جون بول سارتر و آخرون. تعليمنا يحاول إخماد فتيل الحرب العالمية الأولى و الثانية، بينما هو يعيش على حافة هاوية الحرب العالمية الثالثة التي يكاد يشعلها الفقر
و البؤس و الحرمان...

ثانيا، يظهر تماطل الدولة في عدم استصدار قرار سياسي يمنع كل من توفرت فيه شروط الأمية الحرفية و المعرفية من الترشح لتمثيلية الشعب داخل المجالس الجماعية، و الإقليمية، و الجهوية المنتخبة، و داخل قبة البرلمان. إذ يعتبر تمكين هؤلاء من الوصول إلى هذه المراكز، التي تحدد مصير المجتمع بكامله، خرقا واضحا لبنود التنمية، و طعنا لها من الخلف، و بالتالي إقبارا لها في الصمت و الظلام، و دون السماح لها بلفظ آخر وصية، لعلها أن تشفع لجيل صاعد. و في ظل هذا الصمت الرهيب، و الظلام الدامس، أصيح الشأن العام ملعبا لكل من يريد أن يسابق الزمن إلى الوراء، كي يفوز بما تخلفه حماقاته العمياسية (العمياء سياسية) ، و يسجل في النهاية ضمن قائمة نزلاء مزبلة التاريخ.

على أية حال، فالوضع لا يحتاج إلى من يذكر به، و لو كانت الذكرى تنفع المومنين، بل الوضع يحتاج إلى من يبادر، و يتحزم، و يعمل. و العمل هنا لا يتحقق إلا في ظل وجود رغبة كبيرة، و نية حسنة عند الجميع من ﺃجل العمل سويا على هدم رواسب الماضي المتخلف، و الشروع في بناء مجتمع حداثي، قائم أساسه على العلم والمعرفة، وذلك من خلال استغلال مواردنا البشرية اللامعة التي وضعت في طي النسيان، و التي تستنزف طاقاتها في الخارج بلا أدنى ثمن

azaoum1@yahoo.fr



1.أرسلت من قبل سعيد التمساني في 02/10/2010 22:26
تحية إلى الأستاذ محمد أزعوم
و شكرا على هذا المقال الرائع، تحليل جيد و في الصميم.
أرجو التركيز على المعطيات الواقعية، خاصة في الريف.

2.أرسلت من قبل mostafa في 03/10/2010 00:41
Boujour ;merci Mohamed Azoum.Je suis d'accord avec vous et ça je le dis toujours moi aussi .Cependant ,je constate que vous devez commencer votre article par une definition sur le développement.Bon courage et bonne continuation.

3.أرسلت من قبل mohemmed krona في 03/10/2010 21:13
tank youuuuuuuu viva rif

4.أرسلت من قبل Ali Azhom في 04/10/2010 10:53
Salaam oe 'alaikoum,

Dank voor het goede artikel. Een hele goede analyse van de feiten in een goed beargumenteerde stuk.
Deze manier van denken heeft Marokko nodig om veranderingen te laten plaatsvinden.

Ga zo door!

5.أرسلت من قبل mohammed dahmani في 05/10/2010 12:56
hi ever body first i want to say thanks for mohamed azaoum for this thank you very much

6.أرسلت من قبل hakim jaadan في 06/10/2010 09:40
chokran li akh alostad azaoum 3ala hadihi atawdihat wanatamana minka minka lmazid mina almawadi3 alati tahom arif khasatan wa atamana laka atawfi9

7.أرسلت من قبل hakim jaadan في 06/10/2010 11:48
chokran li akh alostad azaoum 3ala hadihi atawdihat wanatamana minka
lmazid mina almawadi3 alati tahom arif khasatan wa atamana laka atawfi9

8.أرسلت من قبل anouar zaouami temssaman dawar la3ri في 08/10/2010 12:34
hola un salodu todos lo rifiños y moxicemas garacias me primo mohamed azoum me alegtia deverte tu imajen y me gosta mas adilante tu y majen ....... ok atamanak takon bikhir akhoya mohamed otahiyati li ikhwana rifyinnnn ok adiosssssssssssssssssssss

9.أرسلت من قبل ازعوم علي في 10/10/2010 09:21
شكرا للمادة جيدة. تحليلا جيدا جدا للوقائع ، في القول قطعة أيضا. هذه الطريقة في التفكير ، والمغرب في حاجة إلى إحداث تغيير يحدث. يبقيه!

10.أرسلت من قبل مريم في 12/05/2011 20:46
لقد بعد هدل تطور السريع عرفت البلدان المتقدمة تطورات كثيرة مثل اختراع الحلسوب ولقد بعد هدا البحث للامية وانتشارها فة المجتمعات المتخلفة لازم علىكل فرد من الدراسة وتطوير البحث العلمي و تشجيع البحث العلمي بصفة خاصة و تعليم كل عائلة اوليلئها

11.أرسلت من قبل مريم في 12/05/2011 20:50
انا كمواطنة انصح كل العلم لكي يدرس و يشجع العلم بصفة خاصة والامية خطر على المجتمعو في البلدان المتخلفة هي التى لا تعرف الكتابة ولا القراءة

12.أرسلت من قبل حسن بركاني في 25/06/2012 23:16
التنمية الحقيقية في مجال الإبداع و التفكير السليم و التحليل المنطقي تنزل من أناملك الدهبية في هدا المقال المميز أخي محمد












المزيد من الأخبار

الناظور

منتخبون بالناظور يسارعون الزمن لإنهاء ملفات التعمير قبل تدخل وزارة لفتيت

مهاجرة تناشد الأميرة للا مريم التحقيق في مصير مأذونية بالناظور

بالصور.. الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تكشف الوضع المزري للمهاجرين وطالبي اللجوء بمليلية

مديرية التعليم بالناظور تحتفي بالتلاميذ المتفوقين وتستعرض حصيلة الموسم الدراسي

الناظور.. انطلاق فعاليات المهرجان الثالث للمبدعين الشباب بحفل تكريم وعرفان وجوه بارزة في الحقل الثقافي

الفنان التشكيلي عبد الرحمن الصقلي يعرض لوحاته الفنية في معرض فردي بمدينة الناظور

في حوار شيق.. مدير المدرسة الفرنسية بالناظور يكشف عن الخطوط العريضة للمشروع وأهم مميزاته