المزيد من الأخبار






محمد بوزكو يكتب.. المفهوم الجديد لرمضان... شهر الأكل والعلف والشهوات


محمد بوزكو يكتب.. المفهوم الجديد لرمضان... شهر الأكل والعلف والشهوات
بقلم: محمد بوزكو

الأمس بدأ شهر رمضان عندنا. هناك من قيل أننا أكلنا منه يوما حتى قبل أن يبدأ... حتى رمضان الذي كان علينا أن نصومه طمعنا فيه وأكلنا منه يومه الأول... وربما سنأكل حتى يومه الأخير... المهم أننا في عز الصوم لا ننسى الأكل... وفوبيا الأكل ستلازمنا من اليوم الأول طيلة الشهر الأبرك وستتغير عاداتنا بل وسنتغير نحن أيضا... ستتغير طوابعنا أو طباعنا... وسيرتفع مزاجنا نحو اللون الأحمر... وبالرغم من أن الشهر شهر الصوم فإن الرغبة في الأكل تتضاعف... ومعها تتضاعف حركات التسوق وشراء مختلف المأكولات حتى تلك التي لم نتذوقها خارج هذا الشهر... نشتري ما طاب ولذ من لحوم ودهون واسماك وخضراوات... تتعدد الأصناف والرغبة واحدة هي الصوم طيلة اليوم من أجل الأكل عند الغروب... نستقبل شهر الصوم باللهفة نحو الأكل... ونحوله من شهر للصوم لشهر للقصّ... والله وحده يعلم كم نعلف من قصّ في هذا الشهر المبارك وفي مدة زمنية قياسية... إذ بمجرد آذان المغرب ولتعجيل الفطور نتسارع لطحن أكبر عدد من المأكولات... في الشوط الأول... هذا تمر وتلك شباكية، وهذا بغرير فمسمنة وحوت فبيض وحليب وشاي فقهوة وعصير فحلويات... بين الشوطين نأخذ نفسا... نذهب بسرعة للصلاة كي نعود بسرعة ونختار المساجد السريعة في الصلاة... أو ما يسمى صلاة كوكوت مينوت... لنبدأ الشوط الثاني بتناول عشاء فاعل تارك فيه لحوم، خضراوات... بالكاد نستطيع التحرك نحو السرير لننام في انتظار ساعة الأشواط الإضافية أو ما يسمى بتأخير السحور لنلتهم ما تبقى من أصناف المأكولات... أجبان، فواكه، عواصير، وحتى ما تبقى من المأكولات السابقة... هكذا نحن، بالقدر الذي نفرح فيه من اجل هذا الشهر بالقدر نفسه نحزن من أجل الأكل... وكم هم من يتمنون لو أُلغي الصوم في شهر رمضان... ليتحول من شهر للصوم والغفران لشهر للغفران فقط... لذلك فالكثيرون ينامون معطلين كي يستغلوا آخر دقيقة في الأكل وفي الصباح يستيقظون معطلين حتى يأكلوا أكبر مدة ممكنة من النهار في النوم... مدة قد تصل أحيانا إلى صلاة المغرب قل خمسة... يتسابقون للحصول على ورقة مواعيد الصلاة فقط ليعرفوا موعد آذان المغرب... والعجب العجاب هو أن الفقر يذوب في رمضان ويصوم هو الآخر.

بعد الكلام عن شهوات البطن، لابد من الإشارة لشهوات الفرج. ولا حياء في الدين. فشهر رمضان هو في الأول والأخير شهر الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس... هكذا على الأقل ما تعلمناه في المدرسة... لكن هناك من الناس من يستغل هذا الشهر الفضيل من أجل سرقة لحظات معدودات من المتعة والتسلية اللابطنية أو اللاكرشية وخاصة خلال فترة التراويح... آخذين بمبدأ لكل تراويحه... فتتعدد اللقاءات والخرجات... وتتكاثر الأحاسيس... وتتشابك الأيادي بالأيادي... ومع كل ركعة إمام واستغفار مصل في المساجد تحلو المتعة وتنتعش الشهوات في القبب فتذوب المعاصي هناك لتتكلس وتتكدس هنا...

هذا من ناحية الإمساك عن شهوتي الكرش والفرج... أما من ناحية التعبد وأداء الصلاة... فلا عجب إن لاحظنا كما هائلا من الناس يتوجه نحو المساجد بعد سنة من تجميد أداء فريضة الصلاة... نفتح الصندوق الخشبي الذي يجثم في صدورنا ونخرج منه المفردات والكلمات التي تشكل القاموس المناسب لهذا الشهر... نغسلها، نصبنها، ننشرها ثم نحددها قبل استعمالها... فيزداد إيماننا بغتة... ويتفتق الورع والتقوى فينا على حين غرة... ويتغير قاموسنا اللغوي اليومي المعتاد... بعد أن نخفي حقيقتنا اليومية المعتادة... ولكن رغم ذلك هيهات ثم هيهات... إذ انه في كثير من الأحيان تنفلت الأمور ويتحول القاموس ذاك من ورعٍ إلى وعرٍ، ومن تقوى للقوة فيكبر ويكبر ليتحول شيئا فشيئا من السب للذم نحو اللطم والرفس مرورا بالقذف والركل والدمج... نحن هكذا، يا إما الورع الكثير أو الرفس الوفير... المهم في ورعنا وتقوانا رافسين وفي رفسنا وقوتنا ورعين...

ويوما بعد يوم تتناسل الأسئلة عن شيء اسمه العيد... متى العيد... كم بقي للعيد... كم صمنا... هل سنصوم 29 أم 30... وهلم جرا من الأسئلة التي تنطلق مباشرة من معدتنا... والحال أننا نفرح كثيرا بحلول العيد وكأننا كنا نعيش أزمة جوع ننتظر متى تمر وليس شهر صيام علينا صومه واحترام روحانياته !...

هكذا يتحول شهر رمضان عندنا من شهر للصوم والغفران والبركات لشهر للأكل والعلف والشهوات.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح