المزيد من الأخبار






محمد بوتخريط: تجريف وخنق الناظور لمصلحة من؟


ناظور سيتي

كنت اتحرك راجلا الى حيث هذه الساحة المنتصبة، المواجهة مع المحطة الطرقية بالمدينة ،المتسلقة على تقاطع شارع- الجيش الملكي- مع شارع -الحسن الثاني -..

اتذكر الساحة وانا اتأمل هذه الصورة امامي ، منظر يبعث فعلا على التامل ، قلت فى نفسى متخيلا اني اتخذت لى هناك مكانا اطل منه على المشهد كله؛ "لو كان في المدينة مسؤولون يحترمون مسؤولياتهم..لكان هذا المكان هو المحج الذي نبحث عنه اليوم بين شوارع مقفرة جردوها من كل شيء..حتى من اسمائها..بدلا من ان يتحول الى اسواق للباعة يُباع فيها الحلزون و مرابد للسيارات والحافلات والتاكسيات .

تخيلوا معي ، ولو للحظة .. مشهدًا مختلفًا ..كانت هذه الساحة ستمتد الى غاية كورنيش المدينة مفتوحة بشكل حضاري تضفي على الكورنيش كل رقي وفخامة..بل وكان بإمكانها تحويل المشهد العام لشارع الجيش الملكي إلى مكان أكثر جمالاً وجاذبية وحيوية...

في قلب ضجيج المدينة وصخبها، كان هذا المكان سيعيد لنا هدوء أرواحنا…كانت ستتراقص هنا ألوان الخريف بين الأشجار كلوحة فنية ...
كانت ستمثل هذه المساحة المفتوحة ملاذا رائعا للنزهات العائلية، ومكانا مثاليا لاصطحاب الأطفال لقضاء أوقات ممتعة. وكانت ستمثل الملتقى المثالي للأسر والأصدقاء للاستمتاع بأوقاتهم في الهواء الطلق ولما لا حضور فعاليات ترفيهية... وليس من المستغرب أن تتحول هذه الساحة الى ساحة لعروض المسرح الخارجي والحفلات الموسيقية الحية،..

لن تعثر اليوم سوى على شجيرات يتيمة تحتضنها بعض اطراف المدينة يغرسها السكان قرب منازلهم ، وعشب قليل فقد لونه ، يلفظ أنفاسه الاخيرة ..
اشجار ، رغم بساطتها، تختصر فلسفة كاملة: بأن "الاخضرار" ليست فقط فعلاً بيئياً، بل مقاومة ناعمة ضد القبح، وضد النسيان.

في زوايا المدينة التي أنهكها الاسمنت، وبين الأبنية التي ما زالت تحمل آثار صفقات السماسرة ، تنبت اليوم اشجارا صغيرة على الارصفة لا تُروى بالماء فقط، بل بالحب وبالأمل، فهي ليست مجرد اشجار يتيمة ، بل رسائل صامتة من مواطنين قرروا أن يزرعوا الحياة في وجه الغياب، وأن يعيدوا تعريف المدينة بعيداً عن الإسمنت والحديد، عبر بذور تُغرس في الأرض وتُسقى بالإرادة.

مدينة تعرت من كل شيء…ضائعة تبحث في المزابل عن نقطة اخضرار واحدة ، عن ضوء غائب ، عن شجر كان يربو على اماكن ما في المدينة ، وعلى هواء نظيف أصبح اليوم وكأنه ‘رفاهية’ .

اغتصبو المساحات الخضراء،أغرى سماسرة المدينة كل المحرومين بشقق مكيفة رخيصة ... فبصموا و دفعوا و سكنوا وأقاموا…وصمتوا…تكدّست الأجسام فوق الاجسام ، تراجعت الحدائق والاشجار.. تراجعات فاضحة و غير منصفة بالمرة..

وحين عانقت عمارات الشقق المجهزة المُقامة مكان المساحات الخضراء السحب في السماء ، تهامسنا نحن كعاتنا ونحن ممددين على كراسي مقاهي المدينة نرتشف كؤوس الشاي المنعنع ،نتنافس في التنظير والنقاشات الجوفاء واكتفينا فقط بالقول :” أه..ماذا يفعل هؤلاء..؟

بقينا لمدة نتفرج على عملية إبادة ممنهجة للإخضرار في المدينة ، واستباحة بيئتها ، وتغيير كل ملامحها ومعالمها ..ونحن بسكوتنا .. كنَّا ولا نزال “شياطين خرساء” .

ألا نخجل و يخجل من يدّعون أنّهم مسؤولون ممّا أوصلنا المدينة إليه؟





تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح