المزيد من الأخبار






لماذا خسر الناظور السياسة قبل أن يخسر التنمية؟


لماذا خسر الناظور السياسة قبل أن يخسر التنمية؟
علي كراحي

ليست أزمة الناظور اليوم مجرد تأخر في إنجاز المشاريع أو تعثر في جلب الاستثمارات أو بطء في معالجة الملفات التنموية، فهذه كلها نتائج يمكن قياسها بالأرقام، أما الأزمة الحقيقية فهي أعمق من ذلك بكثير، إنها أزمة في إنتاج النخبة السياسية، وأزمة في فهم الوظيفة التي من أجلها وُجد الحزب السياسي، لأن التنمية لا تبدأ من الإسمنت والطرقات، بل تبدأ من الإنسان الذي يمتلك الرؤية، ومن المؤسسة التي تعرف كيف تكتشف الكفاءات وتمنحها فرصة القيادة.

في الأنظمة الديمقراطية لا تُقاس قوة الأحزاب بعدد مقاعدها فقط، وإنما بقدرتها على إنتاج قيادات جديدة، وتجديد نخبها، وتحويل الشباب إلى فاعلين في القرار، لذلك كانت الأحزاب في تجارب ديمقراطية كثيرة مدارس لتكوين رجال الدولة، ومختبرات لإنتاج الأفكار، وفضاءات للنقاش الحر، قبل أن تكون مجرد آلات انتخابية تتنافس على المقاعد.

غير أن هذا التصور يصطدم في مجتمعات كثيرة، ومنها المغرب، بإرث ثقافي وتاريخي معقد، يجعل المؤسسة الحديثة تحمل في داخلها أنماطاً تقليدية في ممارسة السلطة، فتبدو الهياكل عصرية، بينما تستمر العقليات في الاشتغال بمنطق موروث، وهو ما يجعل الديمقراطية الشكلية لا تنجح دائماً في إنتاج ديمقراطية فعلية داخل التنظيمات.

في كتابه "الشيخ والمريد"، لم يكن المفكر وعالم الأنثروبولوجيا المغربي عبد الله حمودي يكتب عن الزوايا باعتبارها مؤسسات دينية فحسب، ولم يكن يقدم قراءة تاريخية لعلاقة الشيخ بأتباعه، بل كان يحاول الكشف عن نموذج ثقافي عميق ظل يؤثر في أنماط السلطة داخل المجتمع المغربي، حيث تقوم العلاقة بين القيادة والتابعين على الطاعة والولاء الشخصي أكثر مما تقوم على التعاقد والمؤسسة، وهو نموذج يتجاوز المجال الديني ليجد امتداداته داخل فضاءات اجتماعية وسياسية وإدارية مختلفة.

تكمن أهمية أطروحة حمودي في أنها لا تختزل المشكلة في الأشخاص، بل في الثقافة التي تنتجهم، إذ يرى أن السلطة في كثير من السياقات لا تُمارس باعتبارها مسؤولية جماعية، وإنما باعتبارها علاقة شخصية، يكتسب فيها القائد شرعيته من مكانته الرمزية ومن شبكة الولاءات التي تحيط به، بينما يتحول الأتباع إلى مريدين يطلب منهم الانضباط أكثر مما يطلب منهم النقاش أو النقد أو المبادرة.

وربما لهذا السبب تبدو بعض الممارسات الحزبية في المغرب، وإن كانت مؤطرة بقوانين حديثة، وكأنها تستعيد هذا النموذج بصورة جديدة، فلا يصبح الحزب فضاءً لتداول الأفكار، بقدر ما يصبح فضاءً لتكريس الزعامة، ولا يعود المناضل شريكاً في صناعة القرار، بل يتحول في بعض الحالات إلى مجرد رقم داخل معادلة انتخابية، ينتظر ما تقرره القيادة أكثر مما يشارك في صنعه.

وفي الناظور، يفرض هذا السؤال نفسه بإلحاح، ليس من باب إصدار الأحكام، ولا من باب التعميم على جميع الأحزاب أو الفاعلين، وإنما من باب محاولة فهم ظاهرة تتكرر مع كل استحقاق انتخابي، وهي شعور عدد من الشباب بأن الطريق نحو المسؤولية لا يمر دائماً عبر النضال والكفاءة، بل عبر اعتبارات أخرى لا علاقة لها بالعمل الحزبي في جوهره.

يدخل كثير من الشباب الأحزاب بحماس ورغبة في التغيير، يحضرون الاجتماعات، يشاركون في الأنشطة، يدافعون عن برامج تنظيماتهم، ويعتقدون أن الزمن كفيل بأن يمنحهم فرصة التدرج داخل المؤسسات الحزبية، غير أن سنوات من الالتزام قد تنتهي في لحظة واحدة، عندما يكتشفون أن القرار الحقيقي يُصنع في مكان آخر، وأن معايير الاختيار لا تخضع دائماً لمنطق الاستحقاق.

وتبلغ هذه المفارقة ذروتها عند اقتراب الانتخابات، ففي الوقت الذي ينتظر فيه المناضلون أن تكون التزكية تتويجاً لمسار من الالتزام والعمل، تتحول في بعض الحالات إلى لحظة تعيد رسم موازين القوى وفق اعتبارات النفوذ والقدرة المالية وشبكات العلاقات، فيجد الحزب نفسه يقدم للناخبين وجوهاً لم يعرفها مناضلوه إلا قبل أشهر، بينما يغادر أبناء الحزب الحقيقيون المشهد بصمت وإحباط.

ليس المقصود من ذلك أن المال في حد ذاته عيب، ولا أن كل رجل أعمال غير مؤهل للعمل السياسي، كما أن النفوذ الاجتماعي ليس جريمة، لكن الإشكال يبدأ عندما تصبح هذه العناصر بديلاً عن الكفاءة، وعندما تتحول التزكية من استحقاق تنظيمي إلى امتياز تمنحه موازين القوة داخل الحزب، لأن ذلك يفرغ العمل السياسي من معناه التربوي، ويبعث برسالة سلبية إلى كل شاب يؤمن بأن الاجتهاد وحده يكفي للوصول.

وهنا تعود بنا أطروحة حمودي إلى الواجهة، فالمريد لا يناقش شيخه، ولا يسأله عن معايير اختياراته، بل يكتفي بالامتثال، وإذا انتقل هذا المنطق إلى الفضاء الحزبي، فإن المؤسسة تفقد تدريجياً روحها الديمقراطية، وتتحول العلاقة بين القيادة والقاعدة إلى علاقة ولاء، لا علاقة محاسبة، وبين الطاعة والمشاركة فرق شاسع، لأن الأولى تنتج أتباعاً، بينما الثانية تصنع مواطنين.

ولعل أخطر ما في هذا النموذج أنه لا يضر الأحزاب وحدها، بل ينعكس مباشرة على جودة التمثيلية السياسية، فحين يصل إلى المؤسسات المنتخبة أشخاص لم تفرزهم المنافسة الداخلية بقدر ما أفرزتهم موازين النفوذ، يصبح من الصعب انتظار أداء سياسي قادر على حمل هموم الإقليم والدفاع عنها بقوة داخل البرلمان.

لقد تحول المقعد البرلماني، في نظر كثير من المواطنين، من تكليف دستوري يقتضي التشريع ومراقبة الحكومة والترافع عن قضايا المواطنين، إلى رمز للمكانة الاجتماعية، وإلى وسيلة لبناء النفوذ الشخصي، وهي صورة قد لا تنطبق على الجميع، لكنها أصبحت حاضرة في الوعي الجماعي بما يكفي لتطرح سؤالاً مقلقاً حول جدوى التمثيلية السياسية.

وليس من قبيل المصادفة أن يشعر جزء واسع من شباب الناظور اليوم بأن السياسة لم تعد فضاءً لتحقيق الأحلام، بل أصبحت مجالاً مغلقاً يصعب اختراقه، لأن الإحباط لا يولد فقط من الفقر أو البطالة، وإنما يولد أيضاً عندما يفقد الإنسان ثقته في عدالة الفرص، ويقتنع بأن مستقبله تحدده العلاقات أكثر مما تحدده قدراته.

إن الناظور، بما يمتلكه من موقع استراتيجي على الواجهة المتوسطية، وبما راكمه أبناؤه من خبرات داخل المغرب وخارجه، كان يمكن أن يكون أحد أهم الأقطاب الاقتصادية في شمال المملكة، غير أن الإمكانات وحدها لا تصنع التنمية، إذا لم تجد من يحولها إلى سياسات عمومية، ومن يحملها إلى المؤسسات الوطنية، ومن يدافع عنها بإصرار داخل البرلمان والحكومة.

ولا يعني ذلك تحميل المنتخبين وحدهم مسؤولية كل مظاهر التأخر، فالتنمية مسؤولية مشتركة تتداخل فيها أدوار الدولة والجماعات الترابية والإدارة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لكن التمثيلية السياسية تبقى حلقة أساسية في هذا المسار، لأنها صوت الإقليم داخل مؤسسات القرار، وكلما ضعفت هذه الحلقة، ضعفت معها قدرة المنطقة على الدفاع عن أولوياتها.

إن الأزمة، في جوهرها، ليست أزمة أشخاص يمكن استبدالهم بآخرين في كل انتخابات، وإنما أزمة ثقافة سياسية تحتاج إلى مراجعة عميقة، ثقافة تجعل الولاء يتقدم على الفكرة، والشخص يتقدم على المؤسسة، والزعيم يتقدم على التنظيم، وهي معادلة لا يمكن أن تنتج أحزاباً قوية مهما تعددت شعاراتها.

إن الحزب الذي لا يسمح لشبابه بأن يناقشوا قياداته، لن يسمح لهم غداً بقيادة المجتمع، والحزب الذي يخشى تداول المسؤولية داخله، لن يكون قادراً على الدفاع بصدق عن الديمقراطية خارج أسواره، لأن الممارسة الداخلية هي أول امتحان لصدقية الخطاب السياسي.

ولهذا، فإن تجديد الحياة الحزبية في الناظور لا يبدأ بتغيير الوجوه فقط، بل يبدأ بإعادة الاعتبار للديمقراطية الداخلية، وبجعل التزكية ثمرة لمسار نضالي واضح، وبفتح المجال أمام الكفاءات الشابة لتنافس على أساس المشروع والقدرة، لا على أساس حجم النفوذ أو القرب من مراكز القرار.

لقد علمنا عبد الله حمودي أن السلطة ليست مجرد قوانين، بل هي أيضاً ثقافة، وأن تغيير النصوص لا يكفي إذا بقيت العقليات أسيرة أنماط قديمة في ممارسة القيادة، وربما تكون هذه الفكرة هي المفتاح الحقيقي لفهم جزء من أعطاب العمل الحزبي في الناظور، حيث يبدو أن المشكلة ليست في غياب الأحزاب، بل في الحاجة إلى أحزاب تتحرر من منطق "الشيخ والمريد"، وتؤمن بأن القيادة تُكتسب بالحجة والكفاءة، لا بالولاء والامتثال.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل الغيورين على مستقبل هذا الإقليم، ليس من سيفوز في الانتخابات المقبلة، بل أي أحزاب نريد؟ هل نريد تنظيمات تكتفي بإعادة إنتاج النخب نفسها كل خمس سنوات، أم مؤسسات سياسية قادرة على اكتشاف الطاقات، وصناعة القادة، وإعادة الثقة إلى جيل كامل بدأ يبتعد عن السياسة لأنه لم يعد يرى فيها طريقاً مفتوحاً لخدمة الصالح العام؟

فالناظور لا تنقصه الكفاءات، ولا تنقصه الطاقات، ولا تنقصه الأفكار، بل تنقصه، قبل كل شيء، مؤسسات سياسية تؤمن بأن الديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع، وإنما تبدأ داخل الحزب نفسه، يوم يشعر كل شاب أن صوته مسموع، وأن اجتهاده مقدر، وأن مستقبله لا تحدده شبكة العلاقات، بل تحدده كفاءته واستحقاقه، وعندها فقط يمكن للسياسة أن تستعيد معناها، وللتنمية أن تجد من يحمل مشروعها بإخلاص ومسؤولية.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح