المزيد من الأخبار






قراءة في نتائج الانتخابات البرلمانية بإقليم الناظور.. ماذا لو صوتت الأغلبية؟


ناظورسيتي: علي كراجي

أفرزت الانتخابات التشريعية بإقليم الناظور خريطة انتخابية جديدة، كشفت عن تفاوت واضح في مصادر القوة الانتخابية بين المرشحين، وعن استمرار تأثير الانتماء المحلي والرصيد الشخصي للمرشح إلى جانب التنظيم الحزبي. ومن أصل 286406 ناخبين مسجلين، أدلى 69463 ناخبا بأصواتهم، بنسبة مشاركة بلغت 24.25 في المائة، فيما بلغ عدد الأصوات الملغاة 11443 صوتا، مقابل 58020 صوتا صحيحا.

وتصدر محمد المومني، عن حزب الأصالة والمعاصرة، النتائج بمجموع 13456 صوتا، أي ما يعادل 23.19 في المائة من الأصوات الصحيحة، متقدما بفارق واضح عن عبد القادر قوضاض، عن حزب الاتحاد الدستوري، الذي حصل على 7371 صوتا بنسبة 12.70 في المائة. وحل عبد الحليم فوطاط، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، ثالثا بـ7322 صوتا، بنسبة 12.62 في المائة، يليه محمد الصادقي، عن حزب العدالة والتنمية، بـ7293 صوتا، بنسبة 12.57 في المائة. وبهذه النتائج، حسم هؤلاء الأربعة المقاعد البرلمانية المخصصة للإقليم.

المومني.. تصدر انتخابي يستند إلى التنظيم والامتداد المحلي
تكشف خريطة أصوات محمد المومني أن تصدره لم يكن مرتبطا بمنطقة واحدة، بل جاء نتيجة حضور متفاوت في عدد من الجماعات، مع تسجيل أرقام مرتفعة بشكل خاص في تيزطوطين وأولاد ستوت والناظور وسلوان وأركمان.

ويبرز معطى تيزطوطين بشكل خاص، حيث حصل المومني على 2228 صوتا من أصل 2580 صوتا صحيحا، أي 86.36 في المائة. وهو رقم يعكس الوزن الكبير للعامل المحلي، بالنظر إلى ارتباط المومني بالجماعة وترؤسه لمجلسها، إلى جانب حضوره التنظيمي والسياسي بالإقليم.

كما حصل في أولاد ستوت على 1426 صوتا من أصل 2284، بنسبة تقارب 62.43 في المائة، فيما حصل في سلوان على 975 صوتا، وفي أركمان على 971 صوتا، وفي الناظور على 2800 صوت، وهي أرقام ساهمت في بناء رصيده الإجمالي.

ويضاف إلى هذه الخريطة رقم لافت في بني وكيل أولاد امحند، حيث حصل المومني على 632 صوتا من أصل 1591 صوتا صحيحا، أي ما يقارب 39.72 في المائة. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التنظيمية والسياسية التي يحظى بها حزب الأصالة والمعاصرة في المنطقة، والتي يرتبط بها أيضا حضور الأمين الإقليمي للحزب. ولا يعني ذلك أن جميع هذه الأصوات يمكن تفسيرها حصرا بالتنظيم الحزبي، لكن ارتفاع رصيد المومني في هذه الجماعة ينسجم مع فرضية وجود امتداد تنظيمي ومحلي ساهم في تحويل الحضور السياسي إلى أصوات انتخابية.

ويبرز هنا أيضا التحول الذي عرفته أولاد ستوت، وهي منطقة كان لحزب الاستقلال فيها حضور انتخابي قوي لسنوات. فقد عرف المشهد المحلي انتقال 18 مستشارا من الحزب إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وهو تحول سياسي وتنظيمي انعكس على التوازنات المحلية. ولا يعني ذلك آليا أن مجموع أصوات هؤلاء انتقل إلى المومني، لكن وجود هذا الانتقال التنظيمي يوفر أحد المعطيات التي تساعد على تفسير ارتفاع رصيد البام بالمنطقة إلى أزيد من 1400 صوت وتراجع رصيد الاستقلال إلى أقل من 200 صوت.

وفي إعزانن، التي ارتبطت لسنوات انتخابيا بمحمد أبركان، حصل المومني على 521 صوتا، مقابل 1424 صوتا لأبركان. ويشير هذا التوزيع إلى وجود تيار انتخابي استفاد منه المومني في منطقة ظل فيها أبركان يحتفظ بقاعدة محلية مهمة، دون أن يكون ذلك كافيا للحفاظ على رصيده الإجمالي السابق.

قوضاض.. عندما يتجاوز التصويت حدود الانتماء الحزبي
تقدم نتيجة عبد القادر قوضاض واحدة من أبرز الحالات التي تسمح بطرح مسألة الرصيد الشخصي للمرشح في مقابل الرصيد الحزبي. فقوضاض خاض استحقاق 2021 باسم حزب التقدم والاشتراكية، بينما خاض انتخابات 2026 باسم الاتحاد الدستوري، ومع ذلك تمكن من الحصول على 7371 صوتا، وهو رقم قريب من رصيده السابق.

ويبرز العروي بشكل واضح في هذه المعادلة، حيث حصل قوضاض على 3318 صوتا من أصل 4956 صوتا صحيحا، أي 66.94 في المائة. كما حصل على 761 صوتا في حاسي بركان، و801 في بني انصار.

هذه الأرقام تطرح قراءة مفادها أن جزءا من رصيد قوضاض يرتبط بشبكة علاقات انتخابية وشخصية ومحلية، وليس فقط بالاسم الحزبي الذي ترشح تحته. فانتقال المرشح بين حزبين في استحقاقين مختلفين مع احتفاظه برصيد انتخابي مرتفع نسبيا، وخصوصا في مناطق محددة، يمثل معطى مهما لفهم طبيعة التصويت في الإقليم.

فوطاط.. رصيد انتخابي مهم للأحرار رغم تغير المرشح
حصل عبد الحليم فوطاط، مرشح التجمع الوطني للأحرار، على 7322 صوتا، بفارق 29 صوتا فقط عن محمد الصادقي، محتلا بذلك المرتبة الثالثة.

وسجل فوطاط أعلى أرقامه في بني انصار، حيث حصل على 1715 صوتا من أصل 5564 صوتا صحيحا، أي 30.82 في المائة. كما حصل على 925 صوتا في أزغنغان، و1172 في بني شيكر، و533 في بني سيدال الجبل.

وتحتاج مقارنة رصيد الأحرار بين انتخابات 2021 و2026 إلى أخذ عامل المرشح بعين الاعتبار. ففي انتخابات 2021 كان محمادي توحتوح هو مرشح الحزب في الإقليم وحصل باسم الأحرار على 35973 صوتا، بينما خاض في 2026 الانتخابات باسم حزب الاستقلال وحصل على 5483 صوتا. لذلك لا يمكن اختزال الفارق بين الرقمين في ارتفاع أو تراجع الحزب وحده، لأن المرشح والسياق الانتخابي ونسبة المشاركة تغيرت أيضا.

أبركان.. قاعدة محلية قوية لا تكفي وحدها
أما محمد أبركان، مرشح حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد حصل على 7153 صوتا، بنسبة 12.33 في المائة من الأصوات الصحيحة، ولم يتمكن هذه المرة من الحفاظ على المقعد الذي كان قد فاز به في انتخابات 2021.

وكان أبركان قد حصل في انتخابات 2021 على 18791 صوتا، ما يجعل الفارق مع نتيجة 2026 كبيرا. ومع ذلك، فإن أرقام الجماعات تظهر استمرار وجود قاعدة انتخابية محلية له، خصوصا في إعزانن، حيث حصل على 1424 صوتا من أصل 2091 صوتا صحيحا، أي 68.10 في المائة.

وتكشف هذه النتيجة أن الاحتفاظ بقاعدة محلية قوية لا يعني بالضرورة الحفاظ على الرصيد الإقليمي نفسه، خصوصا عندما تتغير التحالفات المحلية وتظهر منافسة قوية من مرشحين آخرين داخل المناطق التي كانت تشكل تقليديا مجالا انتخابيا للمرشح.

الصادقي.. توزيع واسع للأصوات وحسم بفارق محدود
حصل محمد الصادقي، مرشح حزب العدالة والتنمية، على 7293 صوتا، ليحتل المرتبة الرابعة ويحجز المقعد الأخير المخصص للإقليم، بفارق 29 صوتا فقط عن فوطاط.

وتتميز نتيجة الصادقي بانتشار الأصوات على عدد من الجماعات، بدل الاعتماد على جماعة واحدة ذات رقم انتخابي ضخم. ففي الناظور حصل على 1947 صوتا، وفي أزغنغان 534، وفي بني انصار 591، وفي العروي 514، وفي بوعرك 662، وفي بني شيكر 362.

ويظهر هذا التوزيع أن الوصول إلى العتبة الانتخابية في إقليم متعدد المجالات المحلية يمكن أن يتحقق أيضا عبر تجميع أصوات موزعة على عدد كبير من الجماعات، وليس بالضرورة من خلال تصدر جماعة واحدة.

كما أن قراءة أرقام العدالة والتنمية في باقي الجماعات تعزز هذه الخلاصة، إذ لم يقتصر رصيد الصادقي على الناظور المدينة، وإنما امتد إلى سلوان وزايو وأركمان وأولاد ستوت وبني سيدال الجبل وحاسي بركان وغيرها من المناطق. وبذلك تبدو نتيجة الحزب في هذه الانتخابات أقرب إلى رصيد انتخابي موزع جغرافيا، تتكامل فيه أصوات عدد من الجماعات بدل الاعتماد على خزان واحد.

توحتوح وبودو.. مرشحان برصيد محلي واضح
حصل محمادي توحتوح، مرشح حزب الاستقلال، على 5483 صوتا، فيما حصل محمد بودو على 5447 صوتا.

وتكشف أرقام توحتوح عن حضور قوي في بوعرك، حيث حصل على 1524 صوتا من أصل 3593 صوتا صحيحا، أي 42.41 في المائة. أما بودو، فسجل حضورا بارزا في زايو، حيث حصل على 1586 صوتا من أصل 4484، أي 35.37 في المائة، وفي رأس الماء حصل على 1126 صوتا من أصل 1574، أي 71.54 في المائة.

وتوضح هذه النتائج مرة أخرى أهمية القواعد المحلية في بناء الرصيد الانتخابي، حيث يستطيع المرشح الحصول على أرقام مرتفعة جدا في جماعات محددة، حتى إذا لم يكن ذلك كافيا للوصول إلى المقاعد الأربعة على المستوى الإقليمي.

شملال.. حضور يساري يتغذى من التواصل المباشر والرقمي
من النتائج التي تستحق التوقف عندها أيضا نتيجة عبد الحكيم شملال، مرشح تحالف اليسار، الذي حصل على 1684 صوتا، بنسبة 2.90 في المائة من الأصوات الصحيحة.

وتأتي هذه النتيجة في سياق ظل فيه الحضور الانتخابي لليسار في الإقليم محدودا خلال الاستحقاقات السابقة، بينما اعتمد شملال خلال حملته على التواصل المباشر مع المواطنين، والزيارات الميدانية، والاستماع إلى مطالب السكان، إلى جانب الحضور الرقمي والتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد شملت تحركاته عددا من المناطق من بينها الناظور وبني انصار وأزغنغان وأركمان.

ولا يمكن قراءة رقم 1684 باعتباره مجرد نتيجة عددية منفصلة، بل باعتباره مؤشرا على قدرة خطاب انتخابي يعتمد على التواصل المباشر والحضور الميداني على بناء قاعدة تصويتية لتيار ظل حضوره محدودا بالإقليم في الاستحقاقات السابقة.

العزوزي.. رقم انتخابي يدخل حسابات المشهد المحلي
حصل عمرو العزوزي، مرشح الحركة الديمقراطية الاجتماعية، على 1365 صوتا، بنسبة 2.35 في المائة من الأصوات الصحيحة. وقد ترشح رسميا باسم الحزب خلال هذه الانتخابات، في سياق حملة اعتمدت بدورها على الحضور المحلي والتواصل مع الناخبين.

ورغم عدم وصوله إلى أحد المقاعد الأربعة، فإن الرقم الذي حصل عليه يمثل رصيدا انتخابيا واضحا داخل المشهد المحلي، ويستحق أن يؤخذ بعين الاعتبار عند تحليل توزيع الأصوات خارج الأحزاب والمرشحين الذين حسموا المقاعد.

11 ألفا و443 صوتا ملغاة.. عقاب سياسي أم أخطاء في التصويت؟
من أبرز الأرقام التي تستحق التوقف عندها أيضا عدد الأصوات الملغاة، الذي بلغ 11443 صوتا، أي نحو 16.47 في المائة من مجموع الأصوات التي أدلى بها الناخبون. وهو رقم يفوق الفارق الانتخابي بين عدد من المرشحين بشكل كبير، ويطرح سؤالا حول طبيعة هذه الأصوات.

يمكن قراءة الظاهرة من زاويتين مختلفتين. الأولى سياسية، وتفترض أن جزءا من الناخبين اختاروا المشاركة في العملية الانتخابية، لكنهم لم يجدوا أنفسهم مصطفين وراء أي من الخيارات المطروحة، فلجأوا إلى الإدلاء بأصوات ألغيت عمليا، وهو ما يمكن فهمه باعتباره شكلا من أشكال المشاركة مع عدم منح الصوت لأي مرشح.

لكن لا يمكن الجزم بأن جميع الأصوات الملغاة تعكس موقفا سياسيا مقصودا. فهناك عوامل أخرى يمكن أن تفسر جزءا منها، من بينها صعوبة التعامل مع ورقة التصويت، أو وضع العلامة في غير المكان المحدد، أو عدم احترام طريقة التصويت، وهي احتمالات قد تكون أكثر حضورا لدى بعض كبار السن أو الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في التعامل مع ورقة الاقتراع. ومن ثم، فإن رقم 11443 صوتا ملغاة يكشف وجود كتلة كبيرة من الأصوات لم تدخل في احتساب النتائج، لكنه لا يسمح وحده بتحديد الدافع وراء إلغائها من دون معطيات تفصيلية حول أسباب الإلغاء.

أربعة مرشحين يستحوذون على أكثر من 61 في المائة من الأصوات الصحيحة
تكشف الصورة الإجمالية للنتائج أن المرشحين الأربعة الفائزين حصلوا مجتمعين على 35442 صوتا من أصل 58020 صوتا صحيحا، أي 61.09 في المائة من مجموع الأصوات المحتسبة.

كما أن المرشحين السبعة الأوائل، وهم المومني وقوضاض وفوطاط والصادقي وأبركان وتوحتوح وبودو، جمعوا 42595 صوتا، أي 73.41 في المائة من مجموع الأصوات الصحيحة، بينما توزعت النسبة المتبقية على عشرة مرشحين.

وتوضح هذه الأرقام أن المنافسة الانتخابية في الإقليم تركزت بدرجة كبيرة حول عدد محدود من الأسماء، لكن مصادر أصوات هؤلاء لم تكن واحدة: فهناك من استفاد من التنظيم الحزبي، ومن اعتمد على قاعدة محلية، ومن استفاد من الرصيد الشخصي والعلاقات الانتخابية، ومن جمع أصواتا موزعة على عدد كبير من الجماعات.

المشاركة الضعيفة.. حين تصنع الأقلية النتيجة باسم الأغلبية الغائبة
لكن قراءة نتائج الناظور لا تكتمل من دون التوقف عند الرقم الأكثر دلالة في العملية الانتخابية كلها: نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 24.25 في المائة. فهذا يعني، وفق أرقام الإقليم، أن نحو ثلاثة أرباع المسجلين لم يشاركوا في التصويت. وبالتالي فإن النتائج المعلنة تعكس اختيارات الفئة التي شاركت، ولا يمكن اعتبارها بالضرورة صورة كاملة لتوجهات جميع المسجلين في اللوائح الانتخابية.

وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب والنخب السياسية في تفسير هذه الظاهرة. فالعزوف الانتخابي لا يمكن تحميل مسؤوليته للناخب وحده، خصوصا عندما يتحول إلى ظاهرة واسعة ومتكررة. ويطرح ذلك على الأحزاب سؤال قدرتها على إقناع المواطنين بجدوى المشاركة، وعلى النخب المحلية سؤال قدرتها على تجديد الخطاب السياسي، والاقتراب من انتظارات السكان، وتقديم مرشحين وبرامج قادرة على إعادة الثقة في العملية الانتخابية. وعلى المستوى الوطني أيضا، وُصفت أسباب عدم المشاركة بأنها متعددة ولا يمكن استنتاج دوافع كل ناخب من الأرقام وحدها، مع طرح عوامل مثل عدم الرضا عن الأحزاب والقلق الاقتصادي وتصورات حول فعالية السياسة الانتخابية.

كما أن المقاطعة الواسعة يمكن أن يكون لها أثر مباشر في طبيعة النتائج. فعندما تكون نسبة المشاركة محدودة، تصبح القدرة على تعبئة الخزانات الانتخابية المحلية والتنظيمية أكثر أهمية، وقد يجد المرشح الذي يتوفر على معقل انتخابي واضح نفسه في وضع أقوى نسبيا، لأن المنافسة تجري داخل كتلة ناخبة أصغر من مجموع المسجلين.

ولا يعني ذلك أن المرشح الذي يعتمد على معقله المحلي لا يمثل أصواتا حقيقية، بل إن الأصوات التي حصل عليها تظل أصواتا انتخابية فعلية ومحتسبة. لكن الفكرة الأساسية هي أن حجم هذه الأصوات يجب أن يقرأ في سياق عدد المشاركين، وليس في سياق مجموع المسجلين فقط. فالمرشح الذي يحصل على آلاف الأصوات في جماعة معينة قد يمتلك قدرة عالية على التعبئة داخلها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة نفسها على الوصول إلى جميع الناخبين في الإقليم.

ماذا لو شارك 60 أو 70 في المائة من المسجلين؟
وهنا يبرز سؤال افتراضي مهم لفهم أثر المشاركة على الخريطة الانتخابية: ماذا كان سيحدث لو شارك 60 أو 70 في المائة من المسجلين بدل 24.25 في المائة؟

لا يمكن بطبيعة الحال إعطاء نتائج بديلة دقيقة، لأن الناخبين الذين لم يشاركوا في الانتخابات لا يشكلون كتلة سياسية واحدة، ولا يمكن معرفة إلى أي مرشح أو حزب كانوا سيصوتون لو شاركوا. لكن من الناحية الانتخابية البحتة، فإن ارتفاع المشاركة إلى 60 أو 70 في المائة كان سيعني دخول كتلة ناخبة أكبر بكثير إلى المنافسة، وهو ما كان يمكن أن يوسع قاعدة التصويت ويجعل الاعتماد الحصري على المعاقل المحلية أقل حسما في تحديد النتائج.

فقد تتغير موازين القوة إذا خرجت شرائح واسعة من المسجلين الذين لم تصل إليهم الحملات أو اختاروا عدم المشاركة إلى صناديق الاقتراع. وقد تستفيد من ذلك أسماء تملك حضورا أوسع خارج معاقلها التقليدية، كما قد تتراجع نسبيا أهمية الخزان المحلي إذا أصبحت المنافسة على أصوات مئات الآلاف من الناخبين بدلا من عشرات الآلاف فقط.

غير أن هذا يبقى سيناريو افتراضيا لا يمكن تحويله إلى نتيجة انتخابية بديلة. فزيادة المشاركة لا تعني آليا ارتفاع أصوات حزب أو مرشح بعينه، ولا يمكن معرفة اتجاه الأصوات الجديدة من دون استطلاعات أو معطيات مستقلة تكشف تفضيلات الممتنعين عن التصويت. لذلك فإن ما يمكن قوله هو أن ارتفاع المشاركة كان سيغير حجم الهيئة الناخبة الفعلية، ومن ثم كان من الممكن أن يغير طبيعة المنافسة، لا أن يحدد مسبقا من كان سيستفيد منها.

وفي المحصلة، فإن انتخابات الناظور تكشف مفارقة واضحة: مرشحون استطاعوا بناء أرصدة انتخابية مهمة داخل جماعات أو شبكات محلية محددة، في الوقت الذي ظل فيه الجزء الأكبر من المسجلين خارج العملية الانتخابية. وهذا يجعل الخريطة الحالية تعكس بدرجة كبيرة قوة من شارك وقدرته على التعبئة، أكثر مما تعكس بالضرورة التوزيع الكامل للميول السياسية بين جميع المسجلين.

ومن هذه الزاوية، فإن التحدي الأكبر أمام الأحزاب والنخب لا يقتصر على الفوز بالمقاعد، وإنما يتجاوز ذلك إلى إعادة جزء كبير من المواطنين إلى دائرة المشاركة. فكلما اتسعت المشاركة، أصبحت النتائج أكثر ارتباطا بخيارات قاعدة انتخابية واسعة، وكلما انخفضت، ازدادت أهمية التنظيمات المحلية والخزانات الانتخابية والقدرة على تعبئة المؤيدين في مناطق محددة.

وفي المحصلة، لا تكشف نتائج انتخابات 2026 بالناظور فقط عن ترتيب الفائزين، بل تقدم صورة أكثر تعقيدا عن الخريطة الانتخابية بالإقليم. فالتصويت الحزبي ظل حاضرا، لكنه تداخل بشكل واضح مع العامل المحلي، والرصيد الشخصي للمرشح، والتحولات داخل الجماعات، وقدرة الحملات على التواصل المباشر مع الناخبين. كما أن ارتفاع عدد الأصوات الملغاة وضعف المشاركة يضيفان عنصرين أساسيين إلى هذه القراءة، لأنهما يبينان أن جزءا مهما من المواطنين شارك في العملية دون أن تتحول أصواتهم إلى أصوات صحيحة، بينما اختار الجزء الأكبر من المسجلين عدم المشاركة أصلا.









تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح