المزيد من الأخبار






زلزال رقمي.. كيف حولت "ميتا" الهجرة إلى "غزوة" افتراضية منسقة؟


زلزال رقمي.. كيف حولت "ميتا" الهجرة إلى "غزوة" افتراضية منسقة؟
ناظورسيتي: متابعة

في الوقت الذي بدأت فيه السلطات على ضفتي معبر التراخال التقاط أنفاسها بعد واحدة من أعنف موجات الهجرة الجماعية نحو ثغر سبتة المحتل، ينكشف النقاب يوماً بعد يوم عن الدور الحاسم والخطير الذي لعبته منصات التواصل الاجتماعي، وتحديدا "فيسبوك"، في هندسة هذا "الاجتياح" البشري غير المسبوق. لم يكن ما حدث مجرد تحرك تلقائي مدفوع باليأس، بل كان "عملية كبرى" تم التخطيط لها بعناية داخل غرف افتراضية مظلمة وتحت أنظار عملاق التكنولوجيا "ميتا" الذي لزم الصمت.

هندسة الحشد.. "الحريڭ" كمنتج قابل للتسويق


الأرقام التي تم تجميعها صادمة وتكشف عن حجم التنظيم. خمس مجموعات كبرى على فيسبوك، ضمت أكثر من 230 ألف عضو، تحولت لأسابيع إلى "غرف عمليات" مفتوحة على مدار الساعة. بمعدل تدفق وصل إلى 541 منشورا يوميا، انخرط آلاف الشباب في نقاشات تقنية دقيقة. لم يعد "الحريڭ" مجرد مغامرة، بل تحول إلى نشاط لوجستي معروض للبيع والشراء: تبادل لخرائط "جوجل مابس" تحدد المسافات حول الحاجز الصخري بدقة، عروض لبيع زعانف وبدلات غوص في الدار البيضاء، ودعوات للشراء الجماعي لزوارق "الكاياك".

لقد نجحت هذه الشبكات الرقمية في خلق "فقاعة تضليل" هائلة، مستغلة تأويلا مشوها لقرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية يقيد عمليات الترحيل الفوري للمهاجرين سباحة. انتشرت الشائعة كالنار في الهشيم: "إسبانيا تفتح الحدود"، مما دفع بعشرات الآلاف من مختلف المدن المغربية (الرباط، تطوان، طنجة) إلى ركوب الحافلات والتوجه نحو "الفنيدق" في رحلة محفوفة بالمخاطر.


الفاتورة الباهظة.. دماء في البحر وسجون مشبعة

النتيجة الميدانية لهذه "التعبئة الافتراضية" كانت كارثية بكل المقاييس. وفقاً للبيانات المحدثة التي كشفت عنها السلطات الإسبانية في 2 أغسطس، ارتفع حصيلة الوفيات إلى 72 ضحية، قضوا غرقا أثناء محاولتهم الالتفاف حول الحاجز البحري. ميدانيا، عاشت سبتة حالة شلل تام؛ فقد قُدرت أعداد الذين تمكنوا من الدخول في ليلة واحدة (30-31 يوليو) ما بين 50 إلى 60 ألف شخص، ما أدى إلى تشبع كامل لمرافق الاستقبال.

مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين (CETI)، المصمم لاستيعاب 512 شخصاً، وجد نفسه يغص بأكثر من ألف نزيل، بينما اضطر مئات آخرون للنوم في العراء داخل خيام مؤقتة. الوضع كان أكثر مأساوية بالنسبة للقاصرين، حيث قفز عددهم من 180 إلى 570 في ظرف عشرة أيام، محققاً نسبة إشغال فاقت 1600% من الطاقة الاستيعابية العادية، مما أجبر السلطات على إعادة فتح مراكز مغلقة سابقا.

تسييس الأزمة.. تلاسن دبلوماسي وضغوط أوروبية

لم تتوقف ارتدادات الأزمة عند البعد الإنساني، بل اتخذت أبعادا سياسية ودبلوماسية حادة. فبينما أكدت السفيرة المغربية في مدريد، كريمة بنيعيش، أن الوضع "غير مرغوب فيه" من قبل المملكة التي تدعو لهجرة "قانونية ومنظمة وآمنة"، استغلت أطراف سياسية إسبانية الحادث لتصفية حسابات داخلية. زعيم حزب "فوكس" اليميني المتطرف، سانتياغو أباسكال، وصف ما حدث بـ "الغزو"، محملاً المسؤولية لسياسات حكومة بيدرو سانشيز.

على الصعيد الأوروبي، أثارت مشاهد التدفق ذعرا حقيقيا. هددت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، بتعليق اتفاقية "شنغن" مع إسبانيا، في موقف أيدته دول مثل فنلندا والدنمارك وجمهورية التشيك، بينما أعلنت فرنسا تعزيز الرقابة على حدودها مع إسبانيا لمنع تسرب المهاجرين نحو العمق الأوروبي. ورغم تأكيدات المفوضية الأوروبية بأن "لا أحد" من الواصلين لسبتة نجح في الوصول إلى أوروبا القارية، إلا أن رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، وصفت الصور القادمة من سبتة بأنها "غير مقبولة"، مرسلة مفوضين لتقديم الدعم لإسبانيا عبر وكالة "فرونتكس".

السؤال المعلق.. أين "ميتا" من استغلال منصاتها؟

وسط هذا الهياج الرقمي الذي انتهى بمأساة واقعية، يبرز السؤال الكبير حول مسؤولية شركة "ميتا". على الرغم من أن سياسات "فيسبوك" تحظر بوضوح المحتوى الذي يسهل أو يروج لتهريب البشر، إلا أن المنصة وقفت عاجزة - أو غير مبالية - أمام 541 منشورا تشغيليا يوميا لتنظيم "الاقتحام".

وعلى الرغم من اختفاء المجموعات الخمس الكبرى من المنصة في نهاية يوليو، بعد أن قضى 72 شخصا وتشبعت المدينة بالكامل، إلا أنه لم يصدر أي تأكيد رسمي من "ميتا" حول قيامها بحذف هذه المجموعات proactively. غياب البيانات الواضحة في تقارير إنفاذ المعايير الخاصة بالشركة حول "الاستغلال البشري" يثير تساؤلات جدية حول جديتها في محاربة هذه الجرائم الرقمية، خاصة وأن الأنشطة لم تتوقف، بل انتقلت ببساطة إلى منصات أخرى مثل "واتساب" و"تليجرام".

تظل أزمة سبتة الأخيرة، بكل مآسيها الإنسانية وتعقيداتها السياسية، شاهدا حيا على القوة التدميرية لسوء استخدام المنصات الرقمية، ودليلا قاطعا على أن "تأمين الحدود" في العصر الحديث يبدأ من تأمين "الفضاء الافتراضي" أولا.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح