ناظور سيتي: رمسيس بولعيون
كل المؤشرات تؤكد أن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية قرر، بمناسبة مرور ربع قرن على خطاب أجدير التاريخي، الانتقال إلى العمل السري.
والقرار، إن صح، يستحق الإشادة من زاوية واحدة على الأقل: إنه أول قرار يُنفَّذ بإتقان تام. فقد مرت الذكرى الفضية دون أن يعلم بها أحد، باستثناء من يعملون في المؤسسة، ومن دُعوا للحديث فيها، ومن جاؤوا للاستماع إلى من دُعوا للحديث فيها، وهم في الغالب الأشخاص أنفسهم.
في 17 أكتوبر 2001، وقف ملك البلاد في أجدير ليعلن أن الأمازيغية ملك لكل المغاربة. وفي 17 أكتوبر 2026، يبدو أن المعهد الذي وُلد من ذلك الخطاب قرر أن يحتفظ بالذكرى لنفسه، كما يحتفظ المرء بصورة عائلية قديمة في درج لا يفتحه إلا وحده.
خلية في شارع علال الفاسي
جرت الأنشطة كلها داخل البناية الغارقة في شارع علال الفاسي، وهي بناية جميلة، لكنها تملك موهبة نادرة في ابتلاع كل ما يدخلها من أصوات. حتى السهرة الفنية، التي كانت في سنوات سابقة تُقام على خشبة مسرح محمد الخامس أمام جمهور حقيقي يصفق ويخرج إلى الشارع مدندناً، عادت هذه السنة إلى البيت، كأنها تخشى البرد.
أما الجمهور، فقد كان نموذجاً في الانضباط التنظيمي الذي تعرفه الخلايا السرية،المنظمون هم الحاضرون، والمحاضرون هم المعقبون، والمستقبِلون هم المستقبَلون. يدخل الواحد منهم القاعة فيصافح زميله الذي صافحه صباحاً في المكتب، ثم يجلس ليستمع إلى مداخلة كان قد قرأ مسودتها قبل أسبوع.
إنه احتفال دائري بالمعنى الهندسي الدقيق، يبدأ من النقطة نفسها وينتهي إليها، دون أن يمر بأي مكان آخر.
الغائبون الكبار
من شروط العمل السري الناجح ألا تحضر الصحافة، وقد احتُرم هذا الشرط بصرامة. فلا كاميرات، ولا ميكروفونات، ولا روبورتاجات في النشرات المسائية. ولعل وسائل الإعلام، التي اعتادت في سنوات مضت أن تتسابق إلى تغطية الذكرى، فهمت الإشارة وانسحبت بلباقة.
وما وصل إلى الصحافة لم يكن تغطية بقدر ما كان أثراً باهتاً لها: قصاصة واحدة، تتنقل من موقع إلى آخر بالكلمات نفسها، كأنها نعي رسمي يُنشر لأن العرف يقتضي نشره. لا روبورتاج يحمل صوت من حضر، ولا حوار يسائل ربع قرن، ولا صورة تبقى في الذاكرة. بل إن جريدة إلكترونية أرادت أن تفتح الملف بجدية، فطرقت أبواب رئاسة الحكومة والناطق الرسمي باسمها، ثم أبواب المعهد نفسه، عميداً وأميناً عاماً، فلم يُفتح لها باب. وحين يصمت صاحب الذكرى عن ذكراه، فبأي حق نلوم الإعلام على نسيانها؟ أذكر أن حفل الجائزة كان، قبل سنوات قليلة فقط، يجمع الوزراء وأهل الإعلام، وكان مسؤولو المؤسسات يتشرفون بتسليم جوائز الصحافيين بأيديهم. أما اليوم، فقد صدئت الفضة قبل أن تُصقل، ومرت الذكرى الخامسة والعشرون كما تمر الأيام العادية، بلا عنوان في الصفحة الأولى، وبلا دقيقة في نشرة المساء، وبلا أثر في ذاكرة جيل لم يسمع يوماً باسم أجدير.
وغاب كذلك الوزراء والمسؤولون الحكوميون والشخصيات الوازنة، وهم الذين كانوا في البدايات يتزاحمون في الصفوف الأولى، ويحرصون على أن تلتقط لهم الصور قرب المتوجون. ربما لم يُدعَوا، وربما دُعوا ولم يأتوا، وربما جاؤوا متنكرين احتراماً لقواعد السرية. لا أحد يعرف، وهذا بالضبط ما يريده التنظيم السري.
المزاح ينتهي هنا. فحضور هؤلاء في الماضي لم يكن ترفاً بروتوكولياً، بل كان علامة على أن الدولة تعتبر الأمازيغية ورشاً وطنياً يستحق أن يُرى. وغيابهم اليوم علامة أيضاً، ولا يملك أحد ترف عدم قراءتها.
الحصيلة: وثيقة مصنفة سري للغاية
في الأعراف المؤسساتية، تكون الذكرى الخامسة والعشرون لحظة جرد. تقف المؤسسة أمام الرأي العام وتقول: هذا ما أنجزناه، وهذا ما تعثر، وهذا ما نحتاجه للمرحلة القادمة. غير أن الحصيلة، فيما يبدو، صُنفت هي الأخرى ضمن الوثائق السرية التي لا يُطلع عليها إلا ذوو الصفة.
والأسئلة التي كان ينبغي أن تُطرح علناً كثيرة:
* أين وصل تعميم تدريس الأمازيغية بعد ربع قرن من إدراجها في المدرسة؟
* ما مصير المعاجم والكتب المدرسية والمعيرة التي أنتجها المعهد، ومن يستعملها فعلاً؟
* هل المنتوج الفكري والادبي يتلقى رضا من الجامعيين والمتخصصين؟
* هل يعقل ان يتحكم في مؤسسة ملكية عميد وامين عام دون مجلس إداري؟
* الى متى يستمر هذا التحكم وقد تجاوز كل الحدود؟
* ماهي اليد الخفية التي تحمي هذين الشخصين ؟
* ما موقع المعهد اليوم بعد الدسترة والقانون التنظيمي، وما علاقته بالمؤسسات الجديدة التي يُفترض أن تحمل الملف؟
* وماذا يعرف شاب في العشرين من عمره، وُلد بعد خطاب أجدير، عن هذا الخطاب أصلاً؟
قد تكون الأجوبة مشرفة في بعضها ومحرجة في بعضها الآخر. لكن المؤسسة التي تخفي حصيلتها لا تحمي نفسها من النقد، بل تحرم نفسها من الدفاع عما أنجزته فعلاً، وهو ليس قليلاً.
نداء إلى الخروج من السرية
لم تكن الأمازيغية يوماً في حاجة إلى السرية. لقد عاشت فيها قروناً، في البيوت والأسواق والجبال، حين لم يكن أحد يعترف بها. وجاء خطاب أجدير ليخرجها إلى الضوء، ثم جاء دستور 2011 ليمنحها مكانها الرسمي إلى جانب العربية. فمن المفارقة أن تعود ذكرى ذلك الخروج إلى الظل، وعلى يد المؤسسة التي أُنشئت لتكون منارته.
المطلوب ليس احتفالاً صاخباً ولا مهرجاناً للصور، بل أبسط من ذلك وأصعب: أن يفتح المعهد أبوابه، وأن يخرج بأنشطته إلى المدن والجامعات والمدارس، وأن يخاطب الإعلام والشباب بلغتهم وعلى منصاتهم، وأن يقدم حصيلته كاملة، بما لها وما عليها.
فالذكرى التي لا يحضرها إلا أصحابها ليست ذكرى، بل اجتماع داخلي. والأمازيغية، كما قيل في أجدير، ملك لجميع المغاربة. وحان الوقت لكي يُعاد إليهم ما هو ملكهم، ولو في يوم الذكرى.
كل المؤشرات تؤكد أن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية قرر، بمناسبة مرور ربع قرن على خطاب أجدير التاريخي، الانتقال إلى العمل السري.
والقرار، إن صح، يستحق الإشادة من زاوية واحدة على الأقل: إنه أول قرار يُنفَّذ بإتقان تام. فقد مرت الذكرى الفضية دون أن يعلم بها أحد، باستثناء من يعملون في المؤسسة، ومن دُعوا للحديث فيها، ومن جاؤوا للاستماع إلى من دُعوا للحديث فيها، وهم في الغالب الأشخاص أنفسهم.
في 17 أكتوبر 2001، وقف ملك البلاد في أجدير ليعلن أن الأمازيغية ملك لكل المغاربة. وفي 17 أكتوبر 2026، يبدو أن المعهد الذي وُلد من ذلك الخطاب قرر أن يحتفظ بالذكرى لنفسه، كما يحتفظ المرء بصورة عائلية قديمة في درج لا يفتحه إلا وحده.
خلية في شارع علال الفاسي
جرت الأنشطة كلها داخل البناية الغارقة في شارع علال الفاسي، وهي بناية جميلة، لكنها تملك موهبة نادرة في ابتلاع كل ما يدخلها من أصوات. حتى السهرة الفنية، التي كانت في سنوات سابقة تُقام على خشبة مسرح محمد الخامس أمام جمهور حقيقي يصفق ويخرج إلى الشارع مدندناً، عادت هذه السنة إلى البيت، كأنها تخشى البرد.
أما الجمهور، فقد كان نموذجاً في الانضباط التنظيمي الذي تعرفه الخلايا السرية،المنظمون هم الحاضرون، والمحاضرون هم المعقبون، والمستقبِلون هم المستقبَلون. يدخل الواحد منهم القاعة فيصافح زميله الذي صافحه صباحاً في المكتب، ثم يجلس ليستمع إلى مداخلة كان قد قرأ مسودتها قبل أسبوع.
إنه احتفال دائري بالمعنى الهندسي الدقيق، يبدأ من النقطة نفسها وينتهي إليها، دون أن يمر بأي مكان آخر.
الغائبون الكبار
من شروط العمل السري الناجح ألا تحضر الصحافة، وقد احتُرم هذا الشرط بصرامة. فلا كاميرات، ولا ميكروفونات، ولا روبورتاجات في النشرات المسائية. ولعل وسائل الإعلام، التي اعتادت في سنوات مضت أن تتسابق إلى تغطية الذكرى، فهمت الإشارة وانسحبت بلباقة.
وما وصل إلى الصحافة لم يكن تغطية بقدر ما كان أثراً باهتاً لها: قصاصة واحدة، تتنقل من موقع إلى آخر بالكلمات نفسها، كأنها نعي رسمي يُنشر لأن العرف يقتضي نشره. لا روبورتاج يحمل صوت من حضر، ولا حوار يسائل ربع قرن، ولا صورة تبقى في الذاكرة. بل إن جريدة إلكترونية أرادت أن تفتح الملف بجدية، فطرقت أبواب رئاسة الحكومة والناطق الرسمي باسمها، ثم أبواب المعهد نفسه، عميداً وأميناً عاماً، فلم يُفتح لها باب. وحين يصمت صاحب الذكرى عن ذكراه، فبأي حق نلوم الإعلام على نسيانها؟ أذكر أن حفل الجائزة كان، قبل سنوات قليلة فقط، يجمع الوزراء وأهل الإعلام، وكان مسؤولو المؤسسات يتشرفون بتسليم جوائز الصحافيين بأيديهم. أما اليوم، فقد صدئت الفضة قبل أن تُصقل، ومرت الذكرى الخامسة والعشرون كما تمر الأيام العادية، بلا عنوان في الصفحة الأولى، وبلا دقيقة في نشرة المساء، وبلا أثر في ذاكرة جيل لم يسمع يوماً باسم أجدير.
وغاب كذلك الوزراء والمسؤولون الحكوميون والشخصيات الوازنة، وهم الذين كانوا في البدايات يتزاحمون في الصفوف الأولى، ويحرصون على أن تلتقط لهم الصور قرب المتوجون. ربما لم يُدعَوا، وربما دُعوا ولم يأتوا، وربما جاؤوا متنكرين احتراماً لقواعد السرية. لا أحد يعرف، وهذا بالضبط ما يريده التنظيم السري.
المزاح ينتهي هنا. فحضور هؤلاء في الماضي لم يكن ترفاً بروتوكولياً، بل كان علامة على أن الدولة تعتبر الأمازيغية ورشاً وطنياً يستحق أن يُرى. وغيابهم اليوم علامة أيضاً، ولا يملك أحد ترف عدم قراءتها.
الحصيلة: وثيقة مصنفة سري للغاية
في الأعراف المؤسساتية، تكون الذكرى الخامسة والعشرون لحظة جرد. تقف المؤسسة أمام الرأي العام وتقول: هذا ما أنجزناه، وهذا ما تعثر، وهذا ما نحتاجه للمرحلة القادمة. غير أن الحصيلة، فيما يبدو، صُنفت هي الأخرى ضمن الوثائق السرية التي لا يُطلع عليها إلا ذوو الصفة.
والأسئلة التي كان ينبغي أن تُطرح علناً كثيرة:
* أين وصل تعميم تدريس الأمازيغية بعد ربع قرن من إدراجها في المدرسة؟
* ما مصير المعاجم والكتب المدرسية والمعيرة التي أنتجها المعهد، ومن يستعملها فعلاً؟
* هل المنتوج الفكري والادبي يتلقى رضا من الجامعيين والمتخصصين؟
* هل يعقل ان يتحكم في مؤسسة ملكية عميد وامين عام دون مجلس إداري؟
* الى متى يستمر هذا التحكم وقد تجاوز كل الحدود؟
* ماهي اليد الخفية التي تحمي هذين الشخصين ؟
* ما موقع المعهد اليوم بعد الدسترة والقانون التنظيمي، وما علاقته بالمؤسسات الجديدة التي يُفترض أن تحمل الملف؟
* وماذا يعرف شاب في العشرين من عمره، وُلد بعد خطاب أجدير، عن هذا الخطاب أصلاً؟
قد تكون الأجوبة مشرفة في بعضها ومحرجة في بعضها الآخر. لكن المؤسسة التي تخفي حصيلتها لا تحمي نفسها من النقد، بل تحرم نفسها من الدفاع عما أنجزته فعلاً، وهو ليس قليلاً.
نداء إلى الخروج من السرية
لم تكن الأمازيغية يوماً في حاجة إلى السرية. لقد عاشت فيها قروناً، في البيوت والأسواق والجبال، حين لم يكن أحد يعترف بها. وجاء خطاب أجدير ليخرجها إلى الضوء، ثم جاء دستور 2011 ليمنحها مكانها الرسمي إلى جانب العربية. فمن المفارقة أن تعود ذكرى ذلك الخروج إلى الظل، وعلى يد المؤسسة التي أُنشئت لتكون منارته.
المطلوب ليس احتفالاً صاخباً ولا مهرجاناً للصور، بل أبسط من ذلك وأصعب: أن يفتح المعهد أبوابه، وأن يخرج بأنشطته إلى المدن والجامعات والمدارس، وأن يخاطب الإعلام والشباب بلغتهم وعلى منصاتهم، وأن يقدم حصيلته كاملة، بما لها وما عليها.
فالذكرى التي لا يحضرها إلا أصحابها ليست ذكرى، بل اجتماع داخلي. والأمازيغية، كما قيل في أجدير، ملك لجميع المغاربة. وحان الوقت لكي يُعاد إليهم ما هو ملكهم، ولو في يوم الذكرى.

دخول المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في العمل السري
