المزيد من الأخبار






الفتح الرياضي الناظوري... حين يصبح التغيير مسؤولية لا خياراً


ناظورسيتي: متابعة

هناك لحظات في تاريخ الأندية العريقة لا يكون فيها التغيير مجرد مطلب، بل يتحول إلى مسؤولية أخلاقية وتاريخية. والفتح الرياضي الناظوري يقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات الفاصلة، بعد موسم انتهى بالهبوط إلى القسم الأول هواة، عقب مغادرة القسم الوطني هواة، في مشهد مؤلم لكل من آمن بهذا النادي وحلم برؤيته في المكانة التي يستحقها.

إن الهبوط الرياضي، مهما كانت مرارته، ليس نهاية المطاف. فالتاريخ الرياضي مليء بأندية كبيرة سقطت ثم عادت أقوى وأكثر تنظيماً. لكن الفرق بين السقوط الذي يصنع نهضة، والسقوط الذي يتحول إلى أزمة مزمنة، هو القدرة على قراءة الأسباب بشجاعة واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.

اليوم، لم يعد الحديث مقتصراً على نتيجة موسم واحد، بل أصبح يتعلق بتراكم مؤشرات سلبية امتدت لسنوات، انتهت بفقدان النادي لمكانته في القسم الوطني هواة. وحين تتكرر النتائج نفسها، فإن الحكمة تقتضي مراجعة طريقة التسيير قبل البحث عن مبررات جديدة.

ومن باب الإنصاف، لا يمكن إنكار أن الرئيس الحالي وأعضاء المكتب بذلوا جهوداً وتحملوا مسؤوليات في ظروف مالية وإدارية صعبة، وأن قيادة نادٍ رياضي بإمكانات محدودة ليست مهمة سهلة. وسيظل التاريخ منصفاً لكل من قدم للنادي ما استطاع تقديمه.

لكن الإنصاف نفسه يفرض الاعتراف بأن كل تجربة لها بداية ولها نهاية، وأن المسؤول الحقيقي ليس من يتمسك بالمنصب مهما كانت النتائج، بل من يعرف متى يفسح المجال لمرحلة جديدة عندما يصبح ذلك في مصلحة المؤسسة.

إن الأزمة التي يعيشها الفتح الرياضي الناظوري اليوم ليست أزمة نتائج فقط، بل هي أيضاً أزمة حكامة وتدبير. فالنادي يحتاج إلى مؤسسات قوية أكثر مما يحتاج إلى أشخاص أقوياء. يحتاج إلى إدارة جماعية، ومساطر واضحة، وتوزيع حقيقي للاختصاصات، واجتماعات منتظمة، وشفافية في اتخاذ القرار، وتخطيط مالي دقيق، ولجان متخصصة تعمل وفق اختصاصاتها، بدل أن ترتبط معظم مفاصل النادي بقرار فردي مهما كانت النوايا حسنة.

لقد أثبتت التجارب الناجحة داخل المغرب وخارجه أن الأندية التي انتقلت من منطق التسيير الفردي إلى منطق المؤسسة استطاعت أن تحقق الاستقرار الرياضي والمالي، وأن تبني مشاريع طويلة الأمد. أما الأندية التي بقيت رهينة الأشخاص، فقد ظلت تدور في الحلقة نفسها بين الأزمات والصعود والهبوط.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى التغيير ليست موقفاً ضد شخص بعينه، ولا محاولة لتصفية الحسابات، وإنما هي دعوة لإعادة بناء النادي على أسس حديثة تليق بتاريخه وجماهيره.

فالاستقالة، في بعض اللحظات، ليست هزيمة، بل قد تكون أسمى أشكال تحمل المسؤولية. وهي رسالة مفادها أن مصلحة النادي فوق كل اعتبار، وأن التداول على المسؤولية جزء من ثقافة المؤسسات الناجحة.

وفي المقابل، بدأت تتشكل داخل محيط الفتح الرياضي الناظوري إرادة جادة لدى عدد من الأطر والكفاءات والمنخرطين لإطلاق حركة تصحيحية هادئة ومسؤولة، هدفها ليس معارضة الأشخاص أو الدخول في صراعات جانبية، وإنما حمل مشعل مرحلة جديدة قوامها المأسسة، والحكامة، والتنظيم المالي والإداري، والعمل الجماعي.

هذه الحركة تؤمن بأن مستقبل النادي لا يُبنى بردود الأفعال، بل برؤية واضحة، ومشروع قابل للتنفيذ، ومؤسسات قوية تضمن الاستمرارية مهما تغيرت الوجوه والأسماء.

إن المشروع الذي يلوح في الأفق ليس مشروع موسم واحد، بل رؤية استراتيجية تمتد لعشر سنوات، تبدأ بإعادة تنظيم البيت الداخلي، وإرساء حكامة مالية حديثة، واعتماد مساطر واضحة في التدبير، وتطوير الفئات السنية، واستقطاب الرعاة، وبناء شراكات مؤسساتية، وتنويع الموارد الذاتية، وصولاً إلى هدف واضح وطموح يتمثل في إعادة الفتح الرياضي الناظوري إلى البطولة الاحترافية في أجل أقصاه عشر سنوات.

قد يرى البعض أن هذا الهدف طموح، لكنه يصبح واقعياً عندما يتحول النادي من مجرد فريق يبحث عن تغطية مصاريف الموسم إلى مؤسسة رياضية تخطط، وتستثمر، وتكوّن، وتبني مواردها الخاصة.

ولذلك، فإن المرحلة الحالية لا تحتمل المزيد من التردد أو تأجيل القرارات. فكل يوم يمر دون وضوح في الرؤية ينعكس سلباً على الإعداد للموسم المقبل، سواء على مستوى الانتدابات، أو الاستقرار الإداري، أو الترتيبات المالية، أو التحضير التقني.

ومن هذا المنطلق، فإن الظرفية تقتضي موقفاً واضحاً من المكتب المسير الحالي، وعلى رأسه السيد محمد الرمضاني. فالغموض لم يعد يخدم مصلحة النادي، وتأجيل الحسم لن يؤدي إلا إلى إضاعة وقت ثمين، في الوقت الذي شرعت فيه الأندية المنافسة في إعداد فرقها للموسم الجديد.

إن المرحلة تحتاج إلى قرار شجاع وواضح. فإذا كان المكتب الحالي يرى أنه قادر على تقديم مشروع إصلاحي جديد يعالج أسباب الإخفاق ويستجيب لتطلعات المنخرطين والجماهير، فمن حقه أن يعرض هذا المشروع بكل شفافية أمام مكونات النادي. أما إذا كان قد استنفد كل ما لديه، فإن إفساح المجال أمام كفاءات جديدة تحمل رؤية مختلفة سيكون موقفاً مسؤولاً يُحسب له قبل أن يُحسب عليه.

فالفتح الرياضي الناظوري لا يحتاج اليوم إلى تبادل الاتهامات، ولا إلى صناعة خصومات جديدة، وإنما يحتاج إلى مصالحة مع تاريخه، ومع جماهيره، ومع طموحاته. ويحتاج قبل كل شيء إلى قيادة تؤمن بأن المؤسسات تبقى، بينما الأشخاص يتغيرون.

ولعل أجمل إرث يمكن أن يتركه أي رئيس هو أن يغادر في الوقت المناسب، بعدما أدى ما استطاع، وأن يساهم في انتقال سلس ومسؤول يضمن استمرار النادي، بدل أن يرتبط مستقبله باستمرار الأشخاص.

فالفتح الرياضي الناظوري أكبر من أي رئيس، وأكبر من أي مكتب، وأكبر من أي مرحلة. واليوم، قبل فوات الأوان وقبل انطلاق البطولة الوطنية، يحتاج النادي إلى وضوح في القيادة، واستقرار في القرار، وانطلاقة جديدة تمنح الجميع الوقت الكافي لتدارك الوضع، وإعداد فريق قادر على استعادة الثقة والنتائج.

إن التاريخ لا يتذكر فقط من تولى المسؤولية، بل يتذكر أيضاً من امتلك شجاعة اتخاذ القرار الصحيح في اللحظة المناسبة. وربما تكون هذه هي اللحظة التي يكتب فيها الجميع صفحة جديدة عنوانها: الفتح الرياضي الناظوري أولاً... ودائماً.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح