المزيد من الأخبار






الدبلوماسية الروحية.. زيارة القائم بأعمال سفارة جنوب إفريقيا للزاوية القادرية البودشيشية بمداغ


الدبلوماسية الروحية.. زيارة القائم بأعمال سفارة جنوب إفريقيا للزاوية القادرية البودشيشية بمداغ
ناظورسيتي: متابعة

الدبلوماسية الروحية في خدمة القضايا الوطنية: زيارة القائم بأعمال سفارة جنوب إفريقيا إلى الزاوية القادرية البودشيشية بمداغ تحت إشراف شيخها الحاج معاذ القادري بودشيش

في سياق التحولات التي تعرفها الدبلوماسية المغربية، والتي أضحت تتسم بقدر كبير من المرونة والنجاعة، تندرج زيارة القائم بأعمال سفارة جمهورية جنوب إفريقيا إلى الزاوية القادرية البودشيشية بمداغ، ولقاؤه بشيخها العارف بالله سيدي الحاج معاذ القادري بودشيش، ضمن دينامية جديدة تؤسس لمرحلة عنوانها الانفتاح والحوار بدل القطيعة، والتواصل بدل الجمود. وهي دينامية تجسد التوجيهات الملكية السامية القائمة على سياسة “اليد الممدودة” تجاه الدول التي ما تزال تنازع المغرب في وحدته الترابية، في أفق بناء جسور الثقة وتجاوز إرث الخلافات.

وقد شكلت هذه الزيارة حدثًا ذا دلالات متعددة، يتجاوز بعدها البروتوكولي إلى أفق أرحب يتداخل فيه السياسي بالروحي، والتاريخي بالاستراتيجي. فالزاوية القادرية البودشيشية، بما راكمته من إشعاع روحي وفكري داخل المغرب وخارجه، أضحت فاعلًا مهما في ما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية الروحية الموازية”، حيث تسهم في مد جسور التواصل بين الشعوب، وتيسر إمكانات التقارب الثقافي والحضاري بعيدًا عن التوترات السياسية الظرفية.

ولا يبدو اختيار هذه المؤسسة الصوفية العريقة كمحطة في برنامج زيارة الوفد الجنوب إفريقي اعتباطيًا، بل يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية الرأسمال اللامادي الذي يمثله التصوف المغربي، القائم على قيم التسامح والاعتدال والانفتاح؛ وهي قيم تتقاطع مع الحاجة الإفريقية الراهنة إلى إعادة بناء العلاقات على أسس إنسانية وأخلاقية تُعلي من شأن المشترك الحضاري وتُقلص من حدة التباينات السياسية.

وتكتسي هذه الزيارة أهمية خاصة في ضوء التحول الذي تعرفه المقاربة المغربية تجاه عدد من الشركاء الدوليين، ومن ضمنهم جنوب إفريقيا، حيث لم يعد مجديًا الارتهان لمنطق المقاطعة، بقدر ما أصبح الرهان معقودًا على الحوار الهادئ والتفاعل الإيجابي، بما يتيح إعادة تشكيل المواقف وتليينها تدريجيًا.

وفي امتداد لهذه الزيارة، قام الوفد الجنوب إفريقي بجولة إلى إقليم بركان، حيث استُقبل من طرف السيد رئيس المجلس الإقليمي، في لقاء يعكس إرادة مشتركة لتعزيز العلاقات الثنائية على المستويات المحلية واللامركزية. وقد حملت هذه المحطة رمزية خاصة، من خلال استحضار مرور الزعيم الراحل نيلسون مانديلا بمدينة بركان سنة 1962، خلال إحدى مراحل نضاله ضد نظام الفصل العنصري.

وشملت الجولة زيارة معالم تاريخية بارزة بالمنطقة؛ حيث تم استحضار رمزية المكان وذاكرته المرتبطة بحركات التحرر الإفريقية، كما شكلت مناسبة لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي في مجالات متعددة، تمهيدًا لشراكات مستدامة. وفي هذا الإطار، برز توجه مشترك لتثمين هذا الرصيد التاريخي وجعله رافعة للتقارب والتنمية، عبر دعم التبادل الثقافي وتشجيع الاستثمار وتفعيل التعاون اللامركزي.

وإذا كانت الدبلوماسية الرسمية تظل الإطار المركزي لتدبير العلاقات بين الدول، فإن مثل هذه المبادرات تُبرز أهمية الأدوار الموازية التي تضطلع بها مؤسسات المجتمع، وفي مقدمتها الزوايا الصوفية، في تهيئة المناخ المناسب للحوار وبناء الثقة. وهو ما يجعل من التصوف المغربي رافدًا استراتيجيًا في خدمة القضايا الوطنية، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية، من خلال ما يتيحه من إمكانات للتأثير الناعم وإعادة تشكيل الصور الذهنية.

إن هذه الزيارة، بما تحمله من رسائل ضمنية وصريحة، تؤكد أن المغرب ماضٍ في نهجه القائم على الانفتاح والتواصل واليد الممدودة، وأنه يراهن، في الآن ذاته، على مختلف روافده الحضارية والروحية لتعزيز حضوره القاري وترسيخ موقعه كشريك موثوق وفاعل في محيطه الإفريقي.





تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح