محمد بوتخريط. هولندا
- أرشمان ، قرية لا تهد أ: كيف يعيد الهدم تشكيل صورة ارشمان؟
(على هامش ما قيل ويقال حول هدم ارشمان ).
تفتّحت أعيننا - نحن أبناء شبذان - على قرية جميلة حافلة بالذكريات، سوق و شواطئ و سهول بحُلة خضراء تسرّ الناظرين واشياء اخرى كثيرة، قرية مُشبِعةٍ لفضول البصر وشغفِه، بما يكفي لتصوُّر القرية العتيقة في كل عصورها على الصورة التي أدركناها ورأيناها..
كان ذلك منذ اعوام من الان .. والان صمت مطبق يبتلع صرخات المعاول و الجرافات.
لكن ! دعوني اولا افشي لكم سرا، لقد ترددت كثيراً قبل الكتابة، إذ ربما سيرى البعض في ما سأكتبه شيئاً مثيراً، خاصة حين أُقر اني لست ضد الهدم الذي تشهده بعض الاماكن في القرية،في وقت ينتقد الكثير هذه الخطوة ويصفونها بأنها تمثل "هدماً للتاريخ"، بل ومطالبين بإيقاف عمليات الهدم في ارشمان بصورة فورية والبحث عن حلول بديلة..
ولا أجد انا في موقفي وجعاً يفوق وجع الآخرين، فالقصة مكررة ومتشابهة مع قصص منازلنا القديمة المهدمة في شبذان ، ولو بتفاصيل وذكريات مختلفة،منازلنا القديمة التي أكلها الدهر وجارت عليها الأيام ، أشهرنا معاول الهدم في وجهها، هدمناها وأصلحناها…وكذلك حال ارشمان اليوم.. ولو بتفاصيل مختلفة..
صحيح ، شتان بين النقيضين الهدم والبناء.. لكن الأمل في مستقبل أفضل لم يترك لنا حرية الاختيار…وانا اليوم لست ضد الهدم.. كما حال الكثير من ابناء القرية ولو ان لسان الحال يقول ؛"افعلوا ما شئتم واهدموا ما شئتم، خذوا الجدران والحجر ، لكن اتركوا الارض لنا..فلن ننسلخ عن جلودنا". لكن لنكن واقعيين قليلا فلا يمكن أن نبني دون أن نهدم بعض ما يجب هدمه .. ولا يمكن أن نهدم فقط دون أن نربط مشروع هدمنا بالبناء.
واليوم يضعنا الهدم في قرية اركمان أمام السؤال القديم المتجدد، الذي يختار البعض أن "يتوهوا" أمامه مع سبق الإصرار والرغبة : هل نحن نريد قرية قوية جديدة…ونظيفة.؟ أم نحن نريد ان تبقى القرية غارقة في الفوضى والعشوائيات وغير امنة ؟؛
والهدم في قرية اركمان ليس نهاية، بل بداية جديدة… بداية مسار اكثر تعقيدا .. تُهدم القرية القديمة لإفساح المجال لبناء قرية جديدة أصلب وأجمل…وأنظف.
لكن كيف يعيد الهدم تشكيل صورة ارشمان؟
كيف ستتوسع القرية وتتجمل وتكبر اكثر..قرية لا تزال طبيعتهُا بكرا، ومساراتها السياحية غير ممهدة، ..
فالبحر لوحده لا يكفي ، الثروة السمكية في تراجع مخيف و أهلنا الكرام في البلدة، وشبابها الواعي والطموح يدركون ذلك جيدا..
السياحة ،موسمية تعتمد فقط على "الجالية" التي اعتادت أن تتوافد إلى القرية خلال أشهر الصيف، لتتحول القرية إلى مركز حيوي نابض بالحياة لكن فقط لشهر او شهرين … وبالتالي لا يمكن الحديث عن استقرار اقتصادي على طول السنة.
والفلاحة، ضعيفة جدا في ارشمان تواجه هي الاخرى ضعفاً شديداً ناتجاً عن تداخل عدة عوامل طبيعية وبشرية قاسية..نقص المياه الجوفية والسطحية، تملح الفرشات المائية، تقلبات مناخية ..عوائق تحد من الإنتاج الزراعي وتزيد من تدهور التربة في هذه المناطق القاحلة أو شبه القاحلة التي يريدون ان يجعلوا منها قسرا اراض فلاحية ..
هذا الثالوث اذن لا يكفي لسد الفراغات، لا البحر ولا السياحة ولا الفلاحة…. ولا حتى الممارسات والسياسات المتبعة …هذه السياسات الني لم تعي بعد ان النجاح في تحقيق التنمية ليس حكراً على من يملك الموارد الأوفر فحسب، بل على من يدرك مقوماتها ومن يحسن استثمارها.. والقرية لا تزال طبيعتهُا بكرا، ومساراتها السياحية غير ممهدة .!
لتبقى الأسئلة مفتوحة لا تنطفئ ، متشابهة لدى المواطن "الاركماني".. تتشابه لأن الممارسات والسياسات متطابقة، كل السياسات هي في مزيد من "الإعمار" لا التنمية، وقد لا يكون في ذلك خطأ كبير في رأي بعض "جهابذة" الاقتصاد عندنا، ولكن لا تبنى الاقتصادات القوية على العقار من مطاعم ومقاه وسياحة استجمامية حسية وسطحية جداً، وليس لها أي علاقة بالثقافة والحضارة أو الإنتاج الذي يخلق فرص عمل أكثر استدامة لشباب المنطقة..
فإن كان هدم ماضي القرية تطلب لدى المسؤولين كل هذه الجرأة، فبناء مستقبل القرية يتطلب الشجاعة والمسؤولية لجعل هذه العملية تساهم في إعادة تشكيل القرية وتوفير المساحات اللازمة لمشاريع جديدة…فإن كان الهدم ضروريًا لتفادي المخاطر المحتملة الناتجة عن المباني المتهالكة، مثل انهيارها أو تأثيرها السلبي على البيئة المحيطة. فيجب كذلك ان يفتح هذا الهدم المجال أمام تطوير مشاريع جديدة تعزز من جودة الحياة في القرية بتوفير خدمات أفضل ومستدامة، ولتقليل معدلات البطالة بين الشباب وتعزيز الاقتصاد المحلي وجذب الاستثمارات، و حماية البيئة من خلال مشاريع صديقة..
والامر يتطلب تضافر جهود الجميع لمواجهة متطلبات هذه المرحلة وما تفرضه من تحديات ،و تبني العمل الجماعي وتغليب المصلحة العامة،كلنا مسؤولون ...جميع من في القرية مسؤول عن بناءها والمحافظة عليها كلٌ في مجاله، كلّ من موقعه، بدءًا من رئيس الجماعة إلى كلّ مواطن له دور في ذلك.. و لا مفر اليوم من الصدق مع أنفسنا قبل أن نوزع المسؤوليات – رغم أحقية ذلك -…هو خيارنا الأول الذي يستحق كل الدعم، إن كنا نريد فعلا حماية ارشمان وما جاوره..
ما يجري اليوم من عملية الهدم ليس مجرد حدث عابر… بل بداية مرحلة يدرك كثيرون حقيقتها ولو متأخرين…مرحلة كانت مبرمجة منذ زمن ،سبقتها "اشارات عابرة" وهناك من ظنّ أن هذه "الاشارات" كانت مبالغة، لكن الأيام بدأت تكشف ما كان خفيا .
واليوم هناك حالة من الوعي العام أو "يقظة" تجاه ما يحدث، ولكن هذا الوعي غالباً ما يواجه بعض التحديات الحقيقية ، منها غياب استراتيجية الوصول الى المعلومة ففي كثير من الأحيان، وبسبب طبيعة الاحداث، يلتزم الكثيرون الصمت، فليس كل ما يجري "معروفاً" للعلن أو قابلاً للنشر، ثم كذلك الاشاعات و تدليس او تزييف الحقائق ،مما يخلق غفلة والتباساً رغم المعلومات "المتاحة".
إن ما يجري يأتي في سياق سياسة ممنهجة ضمن مسار تصعيدي متواصل من "المشاريع" المبرمجة التي لا نعلم متى ستبلغ ذروتها... وان تصميم التهيئ
- أرشمان ، قرية لا تهد أ: كيف يعيد الهدم تشكيل صورة ارشمان؟
(على هامش ما قيل ويقال حول هدم ارشمان ).
تفتّحت أعيننا - نحن أبناء شبذان - على قرية جميلة حافلة بالذكريات، سوق و شواطئ و سهول بحُلة خضراء تسرّ الناظرين واشياء اخرى كثيرة، قرية مُشبِعةٍ لفضول البصر وشغفِه، بما يكفي لتصوُّر القرية العتيقة في كل عصورها على الصورة التي أدركناها ورأيناها..
كان ذلك منذ اعوام من الان .. والان صمت مطبق يبتلع صرخات المعاول و الجرافات.
لكن ! دعوني اولا افشي لكم سرا، لقد ترددت كثيراً قبل الكتابة، إذ ربما سيرى البعض في ما سأكتبه شيئاً مثيراً، خاصة حين أُقر اني لست ضد الهدم الذي تشهده بعض الاماكن في القرية،في وقت ينتقد الكثير هذه الخطوة ويصفونها بأنها تمثل "هدماً للتاريخ"، بل ومطالبين بإيقاف عمليات الهدم في ارشمان بصورة فورية والبحث عن حلول بديلة..
ولا أجد انا في موقفي وجعاً يفوق وجع الآخرين، فالقصة مكررة ومتشابهة مع قصص منازلنا القديمة المهدمة في شبذان ، ولو بتفاصيل وذكريات مختلفة،منازلنا القديمة التي أكلها الدهر وجارت عليها الأيام ، أشهرنا معاول الهدم في وجهها، هدمناها وأصلحناها…وكذلك حال ارشمان اليوم.. ولو بتفاصيل مختلفة..
صحيح ، شتان بين النقيضين الهدم والبناء.. لكن الأمل في مستقبل أفضل لم يترك لنا حرية الاختيار…وانا اليوم لست ضد الهدم.. كما حال الكثير من ابناء القرية ولو ان لسان الحال يقول ؛"افعلوا ما شئتم واهدموا ما شئتم، خذوا الجدران والحجر ، لكن اتركوا الارض لنا..فلن ننسلخ عن جلودنا". لكن لنكن واقعيين قليلا فلا يمكن أن نبني دون أن نهدم بعض ما يجب هدمه .. ولا يمكن أن نهدم فقط دون أن نربط مشروع هدمنا بالبناء.
واليوم يضعنا الهدم في قرية اركمان أمام السؤال القديم المتجدد، الذي يختار البعض أن "يتوهوا" أمامه مع سبق الإصرار والرغبة : هل نحن نريد قرية قوية جديدة…ونظيفة.؟ أم نحن نريد ان تبقى القرية غارقة في الفوضى والعشوائيات وغير امنة ؟؛
والهدم في قرية اركمان ليس نهاية، بل بداية جديدة… بداية مسار اكثر تعقيدا .. تُهدم القرية القديمة لإفساح المجال لبناء قرية جديدة أصلب وأجمل…وأنظف.
لكن كيف يعيد الهدم تشكيل صورة ارشمان؟
كيف ستتوسع القرية وتتجمل وتكبر اكثر..قرية لا تزال طبيعتهُا بكرا، ومساراتها السياحية غير ممهدة، ..
فالبحر لوحده لا يكفي ، الثروة السمكية في تراجع مخيف و أهلنا الكرام في البلدة، وشبابها الواعي والطموح يدركون ذلك جيدا..
السياحة ،موسمية تعتمد فقط على "الجالية" التي اعتادت أن تتوافد إلى القرية خلال أشهر الصيف، لتتحول القرية إلى مركز حيوي نابض بالحياة لكن فقط لشهر او شهرين … وبالتالي لا يمكن الحديث عن استقرار اقتصادي على طول السنة.
والفلاحة، ضعيفة جدا في ارشمان تواجه هي الاخرى ضعفاً شديداً ناتجاً عن تداخل عدة عوامل طبيعية وبشرية قاسية..نقص المياه الجوفية والسطحية، تملح الفرشات المائية، تقلبات مناخية ..عوائق تحد من الإنتاج الزراعي وتزيد من تدهور التربة في هذه المناطق القاحلة أو شبه القاحلة التي يريدون ان يجعلوا منها قسرا اراض فلاحية ..
هذا الثالوث اذن لا يكفي لسد الفراغات، لا البحر ولا السياحة ولا الفلاحة…. ولا حتى الممارسات والسياسات المتبعة …هذه السياسات الني لم تعي بعد ان النجاح في تحقيق التنمية ليس حكراً على من يملك الموارد الأوفر فحسب، بل على من يدرك مقوماتها ومن يحسن استثمارها.. والقرية لا تزال طبيعتهُا بكرا، ومساراتها السياحية غير ممهدة .!
لتبقى الأسئلة مفتوحة لا تنطفئ ، متشابهة لدى المواطن "الاركماني".. تتشابه لأن الممارسات والسياسات متطابقة، كل السياسات هي في مزيد من "الإعمار" لا التنمية، وقد لا يكون في ذلك خطأ كبير في رأي بعض "جهابذة" الاقتصاد عندنا، ولكن لا تبنى الاقتصادات القوية على العقار من مطاعم ومقاه وسياحة استجمامية حسية وسطحية جداً، وليس لها أي علاقة بالثقافة والحضارة أو الإنتاج الذي يخلق فرص عمل أكثر استدامة لشباب المنطقة..
فإن كان هدم ماضي القرية تطلب لدى المسؤولين كل هذه الجرأة، فبناء مستقبل القرية يتطلب الشجاعة والمسؤولية لجعل هذه العملية تساهم في إعادة تشكيل القرية وتوفير المساحات اللازمة لمشاريع جديدة…فإن كان الهدم ضروريًا لتفادي المخاطر المحتملة الناتجة عن المباني المتهالكة، مثل انهيارها أو تأثيرها السلبي على البيئة المحيطة. فيجب كذلك ان يفتح هذا الهدم المجال أمام تطوير مشاريع جديدة تعزز من جودة الحياة في القرية بتوفير خدمات أفضل ومستدامة، ولتقليل معدلات البطالة بين الشباب وتعزيز الاقتصاد المحلي وجذب الاستثمارات، و حماية البيئة من خلال مشاريع صديقة..
والامر يتطلب تضافر جهود الجميع لمواجهة متطلبات هذه المرحلة وما تفرضه من تحديات ،و تبني العمل الجماعي وتغليب المصلحة العامة،كلنا مسؤولون ...جميع من في القرية مسؤول عن بناءها والمحافظة عليها كلٌ في مجاله، كلّ من موقعه، بدءًا من رئيس الجماعة إلى كلّ مواطن له دور في ذلك.. و لا مفر اليوم من الصدق مع أنفسنا قبل أن نوزع المسؤوليات – رغم أحقية ذلك -…هو خيارنا الأول الذي يستحق كل الدعم، إن كنا نريد فعلا حماية ارشمان وما جاوره..
ما يجري اليوم من عملية الهدم ليس مجرد حدث عابر… بل بداية مرحلة يدرك كثيرون حقيقتها ولو متأخرين…مرحلة كانت مبرمجة منذ زمن ،سبقتها "اشارات عابرة" وهناك من ظنّ أن هذه "الاشارات" كانت مبالغة، لكن الأيام بدأت تكشف ما كان خفيا .
واليوم هناك حالة من الوعي العام أو "يقظة" تجاه ما يحدث، ولكن هذا الوعي غالباً ما يواجه بعض التحديات الحقيقية ، منها غياب استراتيجية الوصول الى المعلومة ففي كثير من الأحيان، وبسبب طبيعة الاحداث، يلتزم الكثيرون الصمت، فليس كل ما يجري "معروفاً" للعلن أو قابلاً للنشر، ثم كذلك الاشاعات و تدليس او تزييف الحقائق ،مما يخلق غفلة والتباساً رغم المعلومات "المتاحة".
إن ما يجري يأتي في سياق سياسة ممنهجة ضمن مسار تصعيدي متواصل من "المشاريع" المبرمجة التي لا نعلم متى ستبلغ ذروتها... وان تصميم التهيئ

- أرشمان ، قرية لا تهد أ: كيف يعيد الهدم تشكيل صورة ارشمان؟ (على هامش ما قيل ويقال حول هدم ارشمان ).