المزيد من الأخبار






يحيى يحيى يصافح رئيس مليلية "إمبرودا" على هامش صلاة العيد بالمدينة


ناظورسيتي - متابعة

لم تكن ساحة سان لورينزو في مليلية المحتلة، يوم عيد الأضحى، مجرد فضاء للصلاة؛ بل باتت، بعد مرور ساعات قليلة على انتهاء صلاة العيد، مسرحاً لواحدة من تلك اللحظات التي تلتهمها السياسة في خضم المناسبات الدينية، حين التقى البرلماني السابق يحيى يحيى بخوان خوسي إمبرودا، رئيس المدينة التي يطالب هو نفسه باسترجاعها.

في الأجواء الاحتفالية التي تسود عادةً صلوات العيد الكبير، حيث تتداخل التهاني وتتبادل الابتسامات عبر كل الحواجز، جرى ما هو أكثر من مجرد مصافحة عابرة. فبحسب ما نقلته جريدة "Melilla Hoy"، وأكده يحيى يحيى بنفسه، هنّأه إمبرودا بعيد الأضحى، فردّ عليه المسؤول السابق بالثناء على حسن التنظيم وتدبير فضاء الصلاة، قبل أن يُحيل رئيس المدينة الفضل إلى مستشارته للثقافة فاضلة محطار، التي بادرها يحيى بتهانٍ خاصة.

لم يكن ثمة ما يثير الانتباه في ظاهر الأمر. غير أن الرجل الذي وقف في تلك الساحة يتبادل التهاني مع رئيس المدينة ليس سياسياً عادياً؛ إنه يحيى يحيى، رئيس بلدية بني انصار السابق والعضو السابق في مجلس المستشارين، الرجل الذي لم يتوقف يوماً عن المطالبة بعودة سبتة ومليلية وجزرهما إلى السيادة المغربية. وفوق ذلك كله، جاء هذا اللقاء بعد أيام قليلة فقط من إعلانه عزمه رفع عريضة إلى الملك محمد السادس يطالبه فيها بإعادة فتح معبر فرخانة، ذلك المنفذ الحدودي الذي يقضي سكان المنطقة في انتظاره ساعات تمتد أحياناً إلى ثماني ساعات للعبور في كلا الاتجاهين.

ما يزيد المشهد تعقيداً أن يحيى يحيى ليس غريباً عن مليلية. فهذا الذي يقف اليوم خارج أسوارها مطالباً بتغيير وضعها وُلد فيها وتعلّم في مدارسها، في مدرسة إسبانيا الابتدائية وثانوية ليوبولدو كيبو، قبل أن يواصل دراسته الجامعية بغرناطة. ويؤكد أن له فيها إقامة حتى اليوم، ما يجعل حضوره تلك الصلاة حضوراً متعدد المعاني في آنٍ واحد: ابن عائد يُحيي ذكرياته، ومسؤول سابق يُجدد صلاته بأهله، وصوت سياسي لا يهدأ يُذكّر الجميع بأن المسألة لم تُحسم بعد. وقد عبّر عن مشاعره بصدق لافت حين قال إن عودته إلى صلاة العيد الجماعية في مليلية بعد سنوات طويلة كانت مبهجة ومؤثرة، ثم عاد في الجملة ذاتها إلى شأن فرخانة، كما لو أن الوجدان والسياسة عنده لا يسكنان فضاءين منفصلين.

ما كان يمكن أن يمرّ مرور الكرام صار موضوع نقاش حين راحت بعض المنابر الإعلامية بمليلية تُعيد قراءة المشهد. فـ"Melilla Hoy" لم تكتفِ بتوثيق التهاني المتبادلة، بل أعادت ربطها بالسياق الأوسع: رجل يطالب بانسحاب إسبانيا يُصافح الشخص الأعلى في هرم الإدارة الإسبانية لتلك المدينة، في مناسبة دينية يحضرها الآلاف. في المقابل، آثرت منابر أخرى الصمت وتجاهل الحدث، في ما يصفه بعض المراقبين بالتحفظ المقصود تجاه ما يُحرج الحكومة المحلية. فإمبرودا، الذي اضطلع طويلاً بدور حارس البوابة في مواجهة أي مطالبات بالسيادة المغربية، وجد نفسه هذه المرة في موقف المُهنِّئ لأحد أبرز رموز تلك المطالبات.

يحيى يحيى مقتنع، على ما يُصرّح به دائماً، بأن لا وزير خارجية إسباني مهما بلغت دبلوماسيته، ولا مراسلات الجمعيات المدنية إلى ولاة الجهات، يمكنها أن تُفضي إلى حلٍّ حقيقي لملف فرخانة. الحلّ عنده رهين بإرادة واحدة: إرادة الملك محمد السادس. لذلك بعث برسالته مباشرة إلى صاحب الجلالة، مطالباً بتدخل ملكي يُعيد فتح الحدود ويُرسي نظاماً خاصاً يُتيح للمقيمين في المناطق الحدودية الدخول بالجواز المغربي دون حاجة إلى فيزا، استناداً إلى اتفاقية ثنائية ظلت سارية لعقود قبل أن تُعلَّق. وفي هذا السياق، سبق أن دعا يحيى جميع مكونات المجتمع المليلي، من مسلمين ومسيحيين ويهود وهندوس، ومختلف التوجهات الإثنية والفكرية والسياسية، إلى توحيد صفوفهم والتوقيع على هذه الرسالة بعيداً عن أي اعتبارات أيديولوجية أو دينية أو ثقافية، في خطوة يرى أنها تعكس الإرادة الجماعية لساكنة المدينة وتُجسّد مطلبها المشترك.

ما الذي جرى في الحقيقة بين إمبرودا ويحيى يحيى؟ السؤال يبقى معلقاً، ليس لأن الإجابة مستحيلة، بل لأن الطرفين لا يريدان للأمور أن تنتهي بوضوح. فيحيى يحيى يعلم أن أي إعلان عن نقاشات سياسية تحت مظلة صلاة العيد سيُفسَّر استغلالاً للدين، كما أن إمبرودا لن يقبل أن تُقرأ مصافحته على أنها اعتراف ضمني بمشروعية مطالب خصمه. ومن ثَمّ تبقى اللحظة معلقة في تلك المنطقة الرمادية: ليست حدثاً سياسياً رسمياً يمكن الاحتجاج به، وليست مشهداً اجتماعياً خالصاً يمكن إهماله.

تحمل مليلية، كما سبتة، هذا الثقل التاريخي بصمت مزمن ومدوٍّ في آنٍ واحد. يحيى يحيى، بعودته إلى مليلية وصلاته في ساحتها ومصافحته رئيسها ومطالبته بفرخانة، لا يفعل في الواقع سوى أن يُعيد طرح السؤال القديم بأسلوب مختلف: أسلوب الحضور الهادئ، والكلمة المحسوبة، والرسالة التي تُوجَّه إلى الملك ولا تُنشر في الجرائد. وربما في ذلك حكمة سياسية لا يُستهان بها: أن تجعل من مصافحة في عيد الأضحى سؤالاً لا تستطيع المدينة أن تتجاهله.

yahia-yahya-rezo-eid-al-adha-melilla-768x512

Yahya-Yahya

Yahya-yahya-Melillia-imbroda




تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح