المزيد من الأخبار






معدل الباكالوريا في المغرب.. مجرد مؤشر وليس حكماً نهائياً على مستقبل التلميذ


ناظورسيتي : مقال رأي

مع إعلان نتائج الباكالوريا كل سنة، تتجه الأنظار إلى المعدلات المرتفعة ونسب النجاح والميزات، وتدخل الأسر والمؤسسات التعليمية في سباق كبير لإبراز أعلى النتائج. ومع مرور الوقت، أصبح معدل الباكالوريا لدى كثيرين المعيار شبه الوحيد للحكم على مستوى التلميذ، وجودة المؤسسة، وقيمة سنوات كاملة من الدراسة.

غير أن هذا الاهتمام المفرط بالمعدل أصبح مقلقا، لأن النقطة، مهما كانت أهميتها، لا تعكس دائما المستوى الحقيقي للتلميذ، ولا حجم المجهود الذي بذله طيلة السنة. فالنتيجة قد تتأثر بالحالة النفسية والصحية، وضغط الامتحان، وطبيعة الأسئلة، ومدى التوفيق يوم الاختبار، وظروف التصحيح. وقد يكون التلميذ مجتهدا ومتمكنا من مواده، لكنه لا ينجح خلال ساعات محدودة في ترجمة مستواه الحقيقي إلى معدل مرتفع.

وفي المقابل، قد يحصل تلميذ آخر على معدل عال بفضل الحفظ المكثف والتدرب على نماذج الامتحانات، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه يمتلك فهما عميقا أو قدرة حقيقية على التحليل والاستنتاج. وهنا يظهر الفرق بين تحصيل يبني المعرفة ويرسخها، وتحصيل مؤقت غايته الأساسية الحصول على النقطة.

كما أن المقارنة بين المعدلات لا تكون منصفة إذا لم تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الشعب واختلاف درجات صعوبتها. فالحصول على معدل مستحسن في شعبة العلوم الرياضية، مثلا، قد يعكس مستوى تحصيليا عاليا بالنظر إلى ما تتطلبه هذه الشعبة من قدرات في التجريد والمنطق والتحليل وحل المسائل المعقدة. وقد يكون معدل أقل في العلوم الرياضية دالا، في بعض الحالات، على كفاءة علمية أعمق من معدل أعلى في شعبة العلوم الفيزيائية.

ولا يعني ذلك التقليل من قيمة أي شعبة أو الانتقاص من مجهودات تلاميذها، وإنما التأكيد على أن المعدل يجب أن يقرأ داخل سياقه، مع مراعاة طبيعة المسلك، وصعوبة المواد، والمهارات التي يتطلبها. فالأرقام وحدها لا تقول كل الحقيقة، والمقارنة المجردة بينها قد تظلم كثيرا من التلاميذ.

ولعل من أبرز الأدلة على محدودية الاعتماد على المعدلات أن عددا كبيرا من الكليات والمدارس والمعاهد لم يعد يكتفي بمعدل الباكالوريا للولوج، بل يفرض مباريات كتابية أو شفوية واختبارات إضافية في المعارف والكفايات والاستعداد. وهذا يعني أن هذه المؤسسات نفسها لم تعد تعتبر المعدل كافيا للحكم على مستوى المترشح أو قدرته على النجاح في مسار جامعي ومهني معين.

فلو كان معدل الباكالوريا يعكس دائما المستوى الحقيقي، لما احتاجت المعاهد إلى اختبارات أخرى. إن هذه المباريات تحمل رسالة واضحة مفادها أن النقطة مؤشر من بين مؤشرات متعددة، وليست شهادة نهائية على الذكاء أو الكفاءة أو القدرة على النجاح.

إن المشكلة لا تكمن في المعدل نفسه، فهو يظل أداة ضرورية للتقييم والترتيب، وإنما في تحويله إلى غاية نهائية، وتحميله أكثر مما يحتمل. فعندما يصبح الهدف الأساسي للتلميذ والأسرة والمؤسسة هو الحصول على رقم مرتفع، قد يتراجع الفهم لصالح الحفظ، ويصبح التعليم تدريبا آليا على اجتياز الامتحان، بدل أن يكون بناء للمعرفة والشخصية والقدرة على التفكير.

كما أن الضغط الكبير الذي تمارسه بعض الأسر قد يجعل التلميذ يربط قيمته الشخصية بنتيجته الدراسية، فيشعر بالفشل رغم حصوله على معدل جيد، فقط لأنه لم يبلغ الرقم الذي كان ينتظره المحيطون به. وقد يتحول يوم إعلان النتائج من لحظة فرح وتقدير للمجهود إلى لحظة مقارنة وإحباط وشعور بالنقص.

وتتحمل بعض مؤسسات التعليم بدورها جزءا من المسؤولية عندما تختزل نجاحها التربوي في أعلى المعدلات، وتستعمل نتائج تلميذ أو تلميذين وسيلة للدعاية والتسويق واستقطاب تسجيلات جديدة. والحال أن جودة المؤسسة لا تقاس فقط بصورة متفوق تنشرها على واجهتها، بل بقدرتها على الرفع من مستوى جميع التلاميذ، ومواكبة المتعثرين، وتنمية مهارات التفكير والاستقلالية والثقة بالنفس.

ولا يقف التنافس بين بعض المؤسسات عند حدود التباهي بالنتائج، بل يمتد أحيانا إلى استقطاب الأساتذة الأكفاء واحتكار خدماتهم، من خلال فرض جداول زمنية مرهقة أو شروط تمنعهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، من التدريس في مؤسسات أخرى. وهنا يتحول الأستاذ من صاحب رسالة تربوية إلى أداة في معركة تجارية، ويتحول التلميذ إلى وسيلة لتحسين صورة المؤسسة ورفع حصتها في السوق.

إن الباكالوريا ليست مجالا عاديا للتنافس التجاري، بل محطة حاسمة في حياة تلاميذ مدينة أو إقليم أو وطن. ومن حق كل تلميذ، مهما كانت المؤسسة التي اختارها بسبب قربها من منزله أو ملاءمة تكلفتها أو ارتياحه لبيئتها، أن يجد فيها أساتذة أكفاء وتعليما جيدا.

لا يجوز أن تتحول الكفاءات التعليمية الموجودة في مدينة ما إلى ملكية حصرية لمؤسسة معينة، أو أن يحرم منها تلاميذ المؤسسات الأخرى. فالعدالة التربوية تقتضي أن يستفيد أبناء المدينة جميعا من خبرات أساتذتها، وأن يظل التنافس قائما على جودة المشروع التربوي، وحسن التأطير، والمتابعة والابتكار، لا على الاستحواذ على المدرسين وإقصاء الآخرين.

كما أن إنهاك الأستاذ بجداول مكتظة فقط لمنعه من العمل في مؤسسة منافسة لا يضر بالمؤسسات الأخرى وحدها، بل يضر بالأستاذ نفسه وبجودة عطائه وبالتلاميذ الذين يدرسهم. فالأستاذ المرهق لا يستطيع أن يقدم أفضل ما لديه، مهما بلغت كفاءته، والتلميذ هو أول من يدفع ثمن هذه المنافسة غير المتوازنة.

وهنا يطرح سؤال أخلاقي وتربوي جوهري: إلى متى سننظر إلى تلاميذ الباكالوريا باعتبارهم أبناءنا، سواء كانوا يدرسون في مؤسستنا أو في مؤسسة أخرى؟
قد يكون التنافس بين المؤسسات مفهوما في المستويات الدراسية الأخرى، ما دام تنافسا شريفا يقوم على جودة الخدمات والبرامج والتأطير. لكن حين يصل التلميذ إلى محطة الباكالوريا، وهي محطة مصيرية في مستقبله الدراسي والمهني، يجب أن نتجرد من المصالح الشخصية ومن كل حساب تجاري أو تسويقي، وأن نضع مصلحة التلميذ فوق كل اعتبار.

في هذه المرحلة، لا ينبغي أن نقول: هذا تلميذ مؤسستنا، وذاك تلميذ مؤسسة منافسة، بل يجب أن نرى في كل واحد منهم ابنا من أبناء مدينتنا ووطننا، له الحق نفسه في الدعم والتوجيه والاستفادة من أفضل الكفاءات والفرص.
فالنجاح الحقيقي للمؤسسة لا يقاس فقط بعدد المتفوقين داخل جدرانها، وإنما يقاس أيضا بمدى مساهمتها في بناء جيل متعلم وناجح، أيا كانت المدارس التي ينتمي إليها أفراده. والمؤسسة التي تفرح لنجاح أبناء المدينة جميعا أكثر نضجا من مؤسسة لا ترى النجاح إلا إذا حمل اسمها وشعارها.

إن التعليم رسالة قبل أن يكون خدمة، والأستاذ مرب قبل أن يكون موردا بشريا، والتلميذ إنسان قبل أن يكون رقما في لائحة النتائج أو زبونا في سوق التسجيلات. وحين تضيع هذه المعاني، يتحول المعدل من وسيلة للتقييم إلى أداة للضغط والدعاية والإقصاء.

لذلك نحن في حاجة إلى الانتقال من ثقافة النقطة إلى ثقافة التعلم، ومن التباهي بالأرقام إلى الاهتمام بعمق التحصيل، ومن احتكار الكفاءات إلى تقاسم المسؤولية التربوية. فرب معدل مستحسن مبني على فهم عميق ومعرفة راسخة أفضل بكثير من معدل مرتفع قائم على حفظ مؤقت وتحصيل سطحي.

ولا يعني ذلك التقليل من قيمة التلاميذ الحاصلين على معدلات مرتفعة، أو عدم الاحتفاء بمجهوداتهم، بل يعني فقط ألا نجعل المعدل الحكم الوحيد على قدراتهم ومستقبلهم، وألا نحوله إلى وسيلة للتقليل من قيمة الآخرين.
الباكالوريا محطة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق. قد يفتح المعدل بعض الأبواب، لكنه لا يضمن النجاح في الجامعة أو الحياة المهنية، كما أن المعدل المتوسط لا يعني نهاية الطموح. فكثير من أصحاب المعدلات العادية تألقوا لاحقا بفضل المثابرة والنضج والانضباط، بينما تعثر بعض أصحاب المعدلات العالية عندما وجدوا أنفسهم أمام تحديات لا يكفي فيها الحفظ وحده.

إن التعليم الحقيقي لا يصنع تلاميذ يجيدون اجتياز الامتحانات فقط، بل يكون أشخاصا يفهمون ويفكرون ويبحثون ويبدعون. لذلك يجب أن يبقى المعدل مؤشرا من بين مؤشرات متعددة، لا حكما نهائيا على قيمة المتعلم.
وفي محطة الباكالوريا تحديدا، يجب أن تسقط حدود المؤسسات، وأن تتراجع المصالح التجارية، وألا يبقى أمامنا إلا تلميذ هو ابننا جميعا، ومستقبله مسؤوليتنا جميعا.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح