المزيد من الأخبار





محمد بوزكو يكتب.. هدموا قاعات السينما... لنصنع سينما القاعات الافتراضية


بقلم: محمد بوزكو

كتبت ذات يوم على أن الجامعة بصفتها فضاء للعلم والفكر لا يجب أن تضل منغلقة ومتقوقعة حول نفسها وحول الطلب الذين يدرسون فيها، بل يجب أن تفتح أبوابها للمجتمع المدني وتعقد جسرا من التواصل مع مختلف الفعاليات المنتجة للمادة التي تشتغل عليها هي نفسها بالبحث العلمي والدراسات المعمقة.

وكذلك كان... إذا خلال يومي 26 و 27 ماي الجاري، نظمت شعبة الدراسات الأمازيغية بتنسيق مع مختبر المجتمع والخطاب وتكامل المعارف ندوة علمية حول: "الأمثال والحكايات الأمازيغية: ثراء لتكنولوجيا الصورة السينمائية” وذلك في رحاب كلية سلوان متعددة التخصصات.

على مدى يومين تعاقب الأساتذة على تقديم مداخلات متنوعة تقارب الموضوع من زوايا مختلفة تفاعل معها الحاضرون بالنقاش الجدي... كنا نحن القادمون من المجتمع المدني والمشتغلون في مجال السينما نتابع أشغال الندوة بكل اهتمام... لا أخفي أني في كثير من الأحيان سرقتني الغفوة غير بعيد عن الموضوع وقريب من السينما... نحو البدايات... يوم خطونا الخطوة الأولى على درب الصورة... نحو تحقيق الحلم... حلم صناعة الأفلام... كان الحلم كبيرا... وكانت الامكانيات بسيطة... منذ سنة 2008 الى الآن والحلم يكبر فينا... ينمو... يشتد... أحجار تأتيك من هنا وأخرى من هناك... كلام فوق... وكلام تحت... كبوات ونهوض... عواصف وشمس الربيع... والحلم يأبى الهوان... بل وازداد ينعانا...



تعود بي الغفوة للندوة... لأتابع الأستاذ اليمني قيسوح كيف يدقق في الأمثال الواردة في مسلسل مغريضو... يقف عند كل واحد منها بالدقيقة والمشهد والحلقة... وبالتفسير... عمل مضن... لكنه عمل أستاذ مثابر ومنهجي... ليأخذنا بعد ذلك الأستاذ عبد الكريم خباش لأسطورة "ثاسريث ن وزرو" متحدثا عنها باسهاب مقدما لنا مادة تغوي الإشتغال عليها سينمائيا... وفي سبيل نفس الموضوع لكن من منضور آخر، طرح الأستاذ جواد الزوبع إشكالية العلاقة بين الكتاب الأمازيغي المكتوب والصورة محاولا أن يقف لدى تلك العلاقة التي يجب أن تكون بين الكتاب باعتباره حاملا لصور وقصص يمكن أن تكون مادة للاشتغال السينمائي... وهذا الموضوع تناوله أيضا الأستاذ محمد اليوسفي وهو يتحدث عن دلالات وجماليات الأدب الأمازيغي... وبين دفتي تدخله يرسل بشائر مستقبل جامعي يسير نحو إرساء وحدات دراسية متخصصة في مختلف جوانب الصناعة السينمائية... توالت تدخلات الأساتذة مفككة مختلف مفاصل هذه الندوة... كالتعبير الجسدي في الحكايات الشعبية للأستاذ مهدي قدوري...والسينما الأمازيغية من التعبير الشفوي الى السرد أو التعبير السينمائي حسب مداخلة الأساتذة نجاة زروقي... ثم مداخلة سميرة الرايس حول الانتقال من الشفوي نحو الصورة وما له من تأثير ايجابي على الأدبي الشفوي... مرورا على الأستاذ مون شيكر الذي توقف لدى الحكايات والأمصال الشعبية مع تبيان قيمتها وجوهرها الايجابيين... الى جانب المداخلات التي لم يتسنى لي متابعتها... كمداخلة الأستاذين... عبد الله أزواج والحسين فرحاض...

الندوة لم تكن، بالنسبة لي، فرصة للتكريم فقط... ولا كانت نسمة هواء قد تنعش الجهاز التنفسي للإبداع السينمائي من أجل أن يستمر في لعب دوره المجتمعي... ولكن رأيت فيها أيضا مدخلا نحو منعطف آخر قد يعطي لهذا المجال نفسا قويا من خلال حقنه بجرعات البحث العلمي والفكري والقراءات الأكاديمية... إنها بداية طريق آخر... طريق العلم والتكوين الذي قد توفره الجامعة باعتبارها موفقا عموميا يمكن ان يلعب دورا مهما في المسايرة... والمصاحبة... والتكوين... لكل المتدخلين في صناعة الصورة والعاملين في الحرف السينمائية...

ولعل هذا من شأنه أن يهذب تلك الصورة البشعة والسوداء التي وقف عندها بكل أسف وأسى الأستاذ جواد الرضواني وهو يقدم لنا نبذة تاريخية عن دور السينما بالريف... دور تبخرت... ودور تحولت لأطلال بشعة تنبعث منها روائحا نتنة بدل أن تكون منبعا يتفتق منه الإبداع والفن ليصنعا الجمال ويهذبا النفوس ويطردا القبح... في أفق صناعة إنسان حداثي متشبع بالقيم الإنسانية... ومتشبث بقيمة هويته وثقافته... فالسينما ليست شيئا آخر غير تلك المرآة التي تعكس الانسان في جزئياته وعمومياته على حد سواء... فتخزنها للاجيال القادمة كوثيقة تاريخية مهمة...

لذلك مهما دمروا قاعات السينما وحطموا الأحلام... لابد من صنع سينما القاعات الافتراضية... ليستمر الحلم... فالحياة بلا أحلام حياة باطلة...


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح