لويزة بوسطاش.. فنانة ريفية أعطت الكثير وأخذت القليل


محمد بوتخريط

خوفي أن تنال في نهاية المطاف، جائزة الحرمان ، والتهميش والنسيان.

نساء ريفيات وفي مجالات متعددة، قد تتشابه محنهن وتجاربهن لكن ايضا محاولاتهن لكسر واختراق حواجز الإقصاء والتهميش... نساء أثبتن أن المرأة الريفية قادرة رغم الصعوبات والعراقيل على التحدي والتفوق والنجاح وفي كثير من الأحيان وكثير من المجالات.. منها الأدبية و الفنية.. في وقت لم يكن يُسمح للنساء حتى بالتحدث في مجالس عائلية... أو إبداء رأي ما.. وأما وإن تحدثنا عن الفنون فالامر كان من سابع المستحيلات.

رجال في جلباب امرأة

ما زلت أتذكر أولى العروض المسرحية على "خشبة" المدينة، كان دور المرأة فيها يُجسد من طرف ممثلين رجال.. كنا نراهم فوق خشبة سينما الريف أو دار الشباب بمقر الشبية والرياضة بل وحتى في بعض مقرات الأحزاب... وعبر أنشطة بعض ثانويات المدينة منها ثانوية الخطابي والكندي.

شباب، رجال في جلباب زوجة أو أُم أو أخت أو حتى حبيبة.. رجال يؤدون أدوارا نسائية.. ليس فقط لسد النقص في الجانب النسوي بل لعدم وجود هذا الجانب بالمرة، فكان ممنوعا على المرأة الظهور. فلجأ الرجال إلى أداء أدوار النساء وتقمص شخصيات النساء وارتداء ملابسهن وهو أسلوب عشناه طويلا على خشبة المسرح سببه منع المرأة من التمثيل أو حتى صعود المسرح.

وطبعا لم تكن توجد أي حساسية في تقمص مثل هذه الأدوار باعتبارها الوسيلة الوحيدة التي كانت متاحة وقتذاك، وبعد المسرح تكرر نفس الأمر مع التمثيل في السينما والتلفزيون..

فكان من بين منِ استطاع أن يغامر ويدخل الميدان، مع وجوه نسائية أخرى بصمت لاحقا على الفعل الفني في الريف… منهن من كن يشتغلن في الظل ومنهن من اشتغلن تحت الأضواء… ومنهن من نزلت عليهن ستائر النسيان، ممثلة عصامية أطلت من حي 'ثازوكاث إمحاراث' نواحي الناظور ، إسمها اليوم منقوشا في ذاكرة أهل الريف ب "يمَّا لْويزة" ، او "خاتشي الوازنة" كما يحلو للبعض الآخر من جمهورها الذي عايش مسيرتها المسرحية الاولى تسميتها. أو كما نقرأ إسمها على أفيشات وتيترات أعمالها، لويزة بوسطاش.

فنانة ريفية أضحت تعاني اليوم في صمت، ولم يكترث لها إلا القليلون. فنانة أعطت الكثير وأخذت القليل، خوفي أن تنال في نهاية المطاف، جائزة الحرمان و التهميش والتخلي و النسيان.


من هي لويزة بوسطاش؟

فنانة عصامية من الريف من مواليد حي ثازوكاث إمحاراث جماعة آيث شيشار (بني شيكر)، نواحي الناظور (1954) فلاحة أبا عن جد.. عفوية، وبسيطة جدا لكن بعيون مليئة بالتحدي والإصرار،
امرأة عصامية بَنت نفسها بنفسها، دائمة الابتسامة ولكنها في الحقيقة بئر عميق مليء بالأحزان والهموم في ظل واقع مؤلم.. حرمت من أشياء كثيرة بل ومن كل شيء يمت للسعادة بصلة.. تلاطمتها أمواج الحياة ولكنها لم تغرق فقاومت حتى وصلت بر الأمان... صمدت أمام كل العراقيل التي واجهتها في الحياة. صعدت سلم الحياة درجة درجة مع زوج تقول عنه مثاليا إلى ابعد الحدود، لم يُغلق في وجه طموحاتها لا بابا ولا ممرا... ولا حتى حُلما... كرس جهوده واهتماماته لتوفير الإمكانيات اللازمة لتأهيلها بدعمه المعنوي والعاطفي وأيضا بتشجيعه المتواصل لها لتكون امرأة قادرة على العطاء.. ارتأت أن ترتدي عدة قبعات في اليوم الواحد، فلا بدّ أن تكون أكثر من شخص كي تعيش وتربي وتعمل وتنجز أحلاما وطموحات... وهي أُخت لاثنى عشر أخا وأختا... جدة لأحفاد وأمٌّ لأبناء، والأبناء هم زينة حياة كل امرأة كما يُقال... لكن هل تزينت حياة ماما لويزة فعلا بأبنائها؟..

سؤال يدمع عينيها كلما لاح في الأفق، يوقظ لديها جراحات كثيرة تدميها.. ينزفها السؤال كلما اندملت جراحاتها قليلا، ففي كل جواب لها لا بد من طيف ابنها "مولوذ" ان يمر أمام عينيها...غاب ولم يعد، عشرون عاما... من الدمع والانتظار... ولا زالت تنتظر!!

من حي 'ثازوكاث إمحاراث' إلى معارض التشكيل

بداياتها كانت مع الرسم الذي استهلته منذ نعومة أصابعها، لوحات بسيطة بألوان متداخلة أتاحت لها فرصة البوح بكل ما يجول بخاطرها.. تعلقت بهذا الفن رغم العوائق التي صادفتها خلال مسيرتها... مواضيع متعددة ومتناقضة احيانا تناولتها في لوحاتها وأفكار صعبة التلاقي في أحيان أخرى، لكنها وجدت طريقها إلى الواقع عبر أناملها، اتخذت من الواقع تيمة للوحات خرجت من حي 'ثازوكاث إمحاراث' وعرفت طريقها لكبريات المعارض والمحافل المحلية والوطنية... بل والدولية، بل وحازت بها على جوائز كما الميدالية الفضية التي حصلت عليها بإسبانيا.

سفر في مدى القوافي

لم يكن اللوحات عالمها الوحيد الأوحد بل تألقت الفنانة لويزة بوسطاش كذلك في الشعر مثلما تألقت في الرسم، فعشقته منذ أول إبحار لها في عوالم الطبيعة الجميلة كمتأملة، حيث شدتها منذ طفولةِ أحلامها، فانطلقت بعد ذلك لتسافر في مدى القوافي، بحثا عن قصيدةٍ لم تُكتب بعد. طورت نفسها بنفسها، واستمرت رغم كل الصعوبات وكأنها كانت مؤمنة أن ما حباها بها الله من مواهب يجب أن تقدم كما هي دون إشراف من أساتذة متخصصين او معهد للفنون.. او مراكز تكوين.

لكن ظلت كلماتها حبيسة جدران بيتها المتواضع إلى أن التقت صدفة بالاستاذة (والفنانة لاحقا) فتيحة بلخير التي مهدت لها صحبة الشاعر سعيد الموساوي طريق الدخول إلى عالم الملتقيات الشعرية عبر انخراطها في جمعية إلماس الثقافية.. لتبدأ أولى مشاركاتها الشعرية في ملتقى بمدينة مليلية..

لكن تبقى حرقتها موقدة على ديوان ضاع منها، ديوان كان في طريقه للنشر.. عصارة وجدانها نثرته عصارة وجدان جامح يأبى الإحباط.. نفثها زخات أنفاس ملتهبة تعبر عن معاناتها.. وحين انتهت من اعداده ووضعت له إسما (ثيمنحنّا) أرسلته الى المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية فتاه، ولم يعد له بعد ذلك لا أثر ولا وجود!! بل وكما صرحت (في تصريحات عدة سابقة) "أضاعوه وأتلفوه"، تتحدث عنه بحرقة واحتراق، "قتلوا بداخي الرغبة في قول الشعر".. فظلت أوراقها صامتة، تراها متعطشة إلى الكلمات. وفي داخلها كم كبير من الكلام ولكنها فقدت الرغبة في الكتابة.. توقفت عن عد الأيام، ففقد الشعر لديها كل معانيه. مزقت دفاترها، هجرت قلمها والباقي من أوراقها أحرقتها... ورمت بها بعيدا..

من عالم الريشة إلى عالم الركح

بالإضافة إلى رصيدها التشكيلي ورصيدها الشعري، وبعد ان أحبت الرسم، وبعد ان عشقت الشعر وكرَّهوها فيه.. جاءها سحر من نوع آخر هو سحر التشخيص والتمثيل.. تعرفت على الفن وخشبة وأضواء المسرح، ذاقت حلاوته كما يذوق المؤمن حلاوة الإيمان، فانطلقت.. وبالفعل وصلت لكن الرحلة لم تكن سهلة أو قصيرة، فكثيرون يتوهمون أن السباحة تؤخذ من الدفاتر لكن لويزة بوسطاش أدركت أن السباحة في الماء.. فتمكنت بعصاميتها وتحديها معانقة الركح، بعد أن وضعها الأستاد فخر الدين العمراني على أول درجة لاعتلاء الخشبة.. بل إن كل الفضل في اكتشافها كممثلة يعود إليه، بعد أن "خطفها" من عالم الريشة إلى عالم الركح ليرشحها لأول مسرحية لها "أرياز ن واغ" التي جالت الوطن وأوروبا لتحط رحالها في بلجيكا وهولندا... ومدن أخرى داخل الوطن. وهي المسرحية التي فتحت لها أبواب الشهرة لتدخل بعد ذلك تجربة أخرى عبر مسرحية “ربيعة ذ بوزيان ذ رشواغذ أوليمان” من تأليف عمر بومزوغ وإخراج شعيب المسعودي، هذا الأخير الذي كان له الفضل في دخول لويزة مجال السينما وبعده التليفزيون بدعمه المعنوي وأيضا بتشجيعه لها لدخول عالم السينما. تلقت بعد ذلك دعوة من المنتج محمد بوزكو لدور في فيلم قصير "سلام ذ- ديميتان".

فانطلقت بعد ذلك في مسيرتها في التمثيل لتشق طريقها نحو النجومية بصمت وبهدوء بعيدا عن الأضواء الخادعة. وهي لا تعدو أن تخرج من قائمة بعض الفنانين الأمازيغ الذين حباهم الله بمسحة من الفرجة بطبيعة شخصيتهم، إذ استطاعت بصم اسمها في الساحة الفنية السينمائية والتلفزية من خلال مجموعة من الأعمال الدرامية التي جسدتها ونجحت إلى حد كبير في إقناع المشاهد بتطابق الشخصية الحقيقية ل: يَمَّا لويزة والأدوار التمثيلية التي تجسدها. وهذا النجاح في الإقناع والتجسيد صقلته فقط موهبتها وعصاميتها وبساطتها وحصدت معها رصيدا فنيا لا يستهان به بالنظر إلى الظروف المحيطة بها والعراقيل التي كانت تقف في طريقها كامرأة بل وكأم.. رصيدا يمكن حصره منذ بداية التسعينات بمشاركتها سنة1991 في مسرحية “أرياز ن وارغ” في دور اروازنة، التي ألفها أحمد زاهد وأخرجها فخر الدين العمراني في صيغتها الأولى، إلى حدود الآن في ما يقارب العشرات من الأعمال الفنية الإبداعية يمكن جردها في ما يعادل ست مسرحيات و مجموعة أفلام تلفزية وسينيمائية وبعض المسلسلات/السيتكومات التلفزية.

ومن مشاركاتها المسرحية نذكر ، مسرحية “أرياز ن وارغ” (رجل من ذهب) في دور اروازنة سنة1991، مسرحية “ربيعة ذبوزيان ذرشواغذ أوليمان” سنة 2001 ، مسرحية “أقلوز” 2007 ، ثم مسرحية ”ثازيري ثاميري” ومسرحية “أرماس” سنة 2010، وغيرها من المسرحيات..

وفي مجال مشاركاتها السينمائية نجد فيلم “إمزورن” سنة 2008 من إخراج جمال بلمجدوب، فيلم “ثامنت أوريري” سنة 2009، من إخراج علي الطاهري وفيلم “ميغيس” سنة 2010 من إخراج جمال بلمجدوب. إضافة إلى مشاركاتها في عدد من الأعمال التلفزية نذكر منها فيلم "السكوت القاتل" لمخرجه أكسيل فوزي وسيتكوم "ثناين ذي ثناين" (2/2) والسلسلة الرمضانية “اتار اصَّحث ذْرهنا واها” من تنفيذ شركة ثازيري للإنتاج/محمد بوزكو... وإنتاجات أخرى...

تكريم واهتمام... وخوف دفين

حظيت الفنانة لويزة بوسطاش بالعديد من التكريمات والاهتمام على جميع الصعد داخل ملتقيات ومن قبل جمعيات ومنظمات عدة نذكر منها منظمة سيكوديل بالناظور وبالعروي، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ملتقى عكاظ الشعري بتمسمان، المهرجان الوطني العاشر للمسرح الأمازيغي بأكادير، كما نالت جائزة أحسن ممثلة في مهرجان المسرح الاحترافي الأمازيغي بالدار البيضاء هذا علاوة على العديد من الشواهد التقديرية من مختلف الجمعيات بالناظور وخارجها...
هو كوكتيل متنوع في التشخيص وأغنى رصيد لممثلة أمازيغية تعيش في جو فني يعرف كل أنواع التهميش والاستنزاف، جعلها تتحدى بعصاميتها وحبها لأداء الأدوار الفنية كل فصول التكوين والتلقين الأكاديمي النظري...
هي ذي «خاتشي الوازنة» كما يحلو لجمهورها تسميتها نسبة إلى اول دور لها في تجسده في اول مسرحية لها "أرياز ن واغ".
هي ذي الفنانة العصامية، لويزة بوسطاش الفنانة الريفية التي اضحت تعاني اليوم في صمت، ولم يكترث لها إلا القليلون . فنانة أعطت الكثير وأخذت القليل، خوفي أن تنال في نهاية المطاف، جائزة التهميش و الحرمان وتنزل عليها ستائر النسيان.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح