NadorCity.Com
 






كنت سأبيض... فباضوا معي


كنت سأبيض... فباضوا معي
بقلم: محمد بوزكو

حظيت بشرف الاستدعاء من طرف وزارة الثقافة من أجل المشاركة في لقاء أدبي على هامش المهرجان الدولي لمعرض الكتاب بالدار البيضاء في نسخته 21 المنظم بين 12 و22 من شهر فبراير الحالي. موضوع اللقاء كان حول تجربة مبدعين في الكتابة السردية، وقد استدعي لنفس اللقاء كتاب مغاربة معروفين في الساحة الأدبية المغربية ويتعلق الأمر بإدريس الخوري، يوسف فاضل وحسن رياض.

منذ توصلي بالاستدعاء وأنا أحنقز وأنقز كأني بي بيضة، ليس خوفا ولا وجلا ولكن لحجم الدور الذي علي أن ألعبه اتجاه كتاب احترفوا الكتابة بلغة شابت بالكتابة حد الهرم ولغتي هرمت ولا زالت ترضع الكتابة.

ماذا علي أن أقول وماذا علي ألاّ أقول... ؟؟ هل سأحرر مداخلتي أم سأترك الأمر للارتجال واللي ليها ليها؟
قررت ألا أكتب شيئا. في حقيقة الأمر لم أجد ما أكتبه خاصة وأن جمجمتي عامرة بأشياء أخرى أكتبها.
في يوم اللقاء، وفي الصباح وأنا منزو في مقهى تذكرت بأني لست من قيمة الكتاب المدعويين، لا من حيث القيمة الفنية والأدبية بل بحجم الحضور إعلاميا ومجاليا، فهم لهم لغة ترفعهم فيما أنا علي أن أرفع لغتي. قال لي خاطري أنت لا يعرفك أحدا يا محمـد، وكتبك لم تتعد بضع المكتبات بالناظور والحسيمة وباللغة الأمازيغية التي لا يقرأها الأمازيغ أنفسهم... قلت في نفسي مؤكدا انك تطلع مع الحائط يا أبا ماسين فمن ساق لك الخبر يا عصفور عن أي جذع أنت واقف ! تنادم معي الحال وبدأت القفقفة تغزوني، واعتراني شعور بالضعف كاد ينسف ما تبقى في من عناد... أخذت جرعة من التحدي فقررت كتابة شيء ما على الأقل سيكون سندا بسيكولوجيا لي ويحفزني أثناء تناولي الكلمة. حين مسكت القلم تهاطلت الأفكار علي مدرارا وكأنه وحي يوحى. للحظة ما اعتقدت أنه فعلا وحي وأنا نبي، لكن سرعان ما فقت من دوختي حين تذكرت أن آخر النبيين هو محمـد صلوات الله عليه فلعنت الإبليس وأعذت بالله من الشيطان الرجيم .

كنت في الموعد قبل الموعد. لا أحد في القاعة... فقط محمـد برادة واقف يدردش خارجها مع بعض معارفه... الموعد حان ولا أحد في القاعة... بعد أكثر من نصف ساعة من التأخر بدأ الناس يتوافدون، وآخر من التحق كان ادريس الخوري... لا أعرف سبب تأخره ولكن حق لي أن أبدأ السؤال من هناك. لماذا تأخر؟. بدخوله دخل الجميع.

تكلم حسن فياض وتلاه يوسف فاضل الذي تكلف بقراءة مداخلة ادريس الخوري نيابة عنه بحكم ضعف بصر هذا الأخير. ثم جاء دوري... نسيت كل الكلام الذي كتبته وطلقت العنان للساني ليقول ما يشاء إيمانا مني بأني لن أكون صادقا إلا حين اجتر كلامي دون سابق تفكير. وكانت أول جملة نزلت علي هي تعبيري عن وضعي الشاذ في تلك الجلسة، فأنا الوحيد من الكتاب الأربعة الذي يكتب بلغة وعليه أن يتدخل بلغة أخرى ! جملة ما إن نطقتها حتى شعرت بنفسي وقد تحررت من جميع العقد... إذاك فتحت أمامي سوبيرمارشي وأسواق شاسعة من الأفكار، اعذروني إن استعملت هاتين الكلمتين لأننا في الناظور كما تعرفون تربينا على الأسواق والسوبيرمارشيات فتبعتني إلى الدار البيضاء. نعم، دخلت سوقا من الأفكار والكلمات واخترت منها ما اعتبرته أجمل الكلام فكان ما كان...
تحدثت عن الذي يكتب بغير لغته الأم وقلت أنه كاتب لا يقول الحقيقة، وقلت أيضا أن الأدب إحساس وشعور وبالتالي لا يمكن التعبير عن الإحساس والشعور الصادقين إلا بكلمات صادقة والكلام الصادق لا تحمله سوى لغة الأم. صحيح أن الكاتب كيفما كان يستطيع اللجوء لغويا للغة أخرى ويمتهن الكتابة بها، وصحيح أيضا أنه قد يحقق شهرة ويكتب كلاما جميلا وروايات تحقق الكثير من النجاح ولكن هل بذلك سيكون قد كتب كلاما صادقا وحقيقيا... أظن لا. انه كلام للبيع ليس الاّ. فيقيني أن الكتابة باللغة الأم هو شعور، هو تماه مع الذات، هو انصهار روحاني بين الشكل والمضمون، بين الحامل والمحمول، بين الظاهر والباطن... الكتابة باللغة الأم هو الطريق السليم نحو الحقيقة لأن المعنى موصول بدون حواجز ولا قاطرات ودون وساطات.

سخنت الطرح أكثر وقلت لهم كيف لي أن أتحدث عن تجربتي في الكتابة ولغة الكاتبة عندي مقصية. كيف لي أن أنقل إحساسي حين أكتب فيما لغة الكتابة عندي في وضعية غير صحية. وقلت أيضا أني هنا لأعبر عن هذا الوضع الشاذ الذي أجدني ولغتي فيه، فهو عندي أولى من التعبير عن تجربتي الذاتية. كيف انقز الحديث عن وضعية لغتي الأمازيغية في المدارس، في المؤسسات، في كتب المدرسة... كيف لي أن أنسى كل هذا وأتكلم عن كتاباتي... لو فعلت سأكون كاذبا على نفسي أولا وعلى الحضور ثانيا... تذكرت كثيرا معاناتي حين كنت اكتب كتبي، فقلت لهم بحرقة تجرفني أن كلامي مفصل وفق كلماتي، وأني لم أجد في غير لغتي كلمات تنقل روح كلامي... فاخترت صدق الإحسان، وأصل الشعور، وحسن الكلمات ثم كتبت بلغتي.

جاء دور يوسف فاضل وتكلم هو الآخر... تحدث عن كَاميلة الكاتب وكيف يطبخ طبخاته الأدبية وما إلى ذلك من هواجسه أثناء الكتابة.
وحين جاء موعد كلام الحاضرين، تكلم بعض حراس المعابد وقال كما يقول كثيرون الآن بأنه من أصل امازيغي وبأنه فقد تلك اللغة في خندق ما من خنادق حياته، وبما يشبه النصح عبر على أن الأمازيغية لا يقرأها الناس وبأنه كان من الأجدر ترجمة الكتب الأمازيغية للعربية حتى يفهما الجميع. تمالكت نفسي وبردت أعصابي حتى أظهر هادئا لأني واع بأنهم سيحاسبونني على ذرة نرفزة وما هم إلا ذلك ينتظرون. بهدوء قلت للمعني بالأمر أن ما تقوله عبث وأنه لو كان الأمر كما تقول لكتبت بالعربية منذ البداية وكفيت شر القتال وذكرته بأني أتقن العربية وأن الرغبة في الكتابة بالأمازيغية نابعة من قناعاتي وليس ضعفا مني. وحين رد وقال بأنه لا يقرأ الأمازيغية جاوبته في الحين بأني لا أكتب لك أنت. وتناول الكلمة بعد حين الكاتب محمـد برادة ليتكلم عن الكتابة من حيث الشكل والمضمون والعلاقة بينهما وأشياء أخرى وفي معرض حديثه قال بالعبارة "اللغة البربرية" ومرة أخرى اشتعلت النيران في صدري وهاجت الوحوش القابعة في دواخلي. وحين الرد سألت السيد برادة بكل احترام وهدوء عن السر الذي جعله يستعمل كلمة "بربر" وذكرته انه مصطلح فيه من القدح الشيء غير اليسير، باقتضاب رد وقال بكل بساطة بأنه المصطلح الذي كان يستعمل قديما ففهمت انه يريدنا أن نظل نحن البرابرة محنطين وحبيسي القدم. تدخل آخرون وفي كل مرة كان هناك همز ولمز وضيق صدر تجعلك تشعر أن النفوس معمرة وقد تنفجر في أية لحظة وهذا ما كان فعلا إذ حين تناول الكلمة إدريس الخوري وقد أخذت منه حمى اللقاء مأخذه وهو يصرح قائلا بأن الأمازيغ دائمي الشكوى وبأن النقص والعيب فيهم هم وبأنه يعرف الكثير منهم وقد سمعهم دائما وهم يلعبون دور الضحية ثم أضاف بأن لديهم المعهد الملكي وكأن لسان حاله يقول باراكا عليهوم أو !!. طلبت إذاك من المسير أن يمنح لي الكلمة حتى أقوض ما قاله الخوري لكنه رفض بدعوى أن اللقاء انتهى فيما يوسف فاضل كان قد سبق ونهض من مكانه بحركة مفاجئة وكأن اختناق ما قد أصابه وذلك حتى قبل أن يختم المسير هذا الجمع فارضا علينا الأمر الواقع فانفض اللقاء على هذا النحو.
وعلى هامش اللقاء دار حديث بيني وبين محمـد برادة عبر لي هو الآخر على ضرورة ترجمة الأعمال الأدبية الأمازيغية حتى يتسنى الاطلاع على قيمتها، موضحا أنه يخشى أن تكون تلك الأعمال محبوسة فيما هو مطلبي وهوياتي وبالتالي تفقد قيمتها الأدبية. التقطت الفكرة وعبرت له أن الخاسر الأكبر من كل هذا هم نحن الكتاب الأمازيغ لأننا نكتب ولا تقرؤون ما نكتب وبالتالي قد تكون نصوصنا الأدبية ذات قيمة كبرى لكنكم تجهلونها.

هذا مختصر اللقاء.
فانتهى اللقاء ولن تنتهي الكتابة.
عدت لحال سبيلي وسؤال واحد ظل يهرس دماغي... هل فعلا تغيرت عقلية الكتاب عندنا أم أنهم لا يزالون يأكلون الخمير هنا في المغرب فيما دماغهم تسكف الخير من المشرق؟
وأنا أطرح السؤال تذكرت كُتّابا عندنا هنا في الريف... فلعنت الشيطان وفاميليته أجمعين.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح











المزيد من الأخبار

الناظور

تلامذة ثانوية "الفيض" التأهيلية بالناظور يحتفون بالتباري المدرسي الشريف في مسابقة ثقافية

شكر على تعزية من الأستاذة نجاة الحطري

إعدادية الكندي تنظم مسابقة ثقافية لفائدة تلاميذ المستوى الثالث

إحنجان نوزغنغان يشاركون في معرض الدولي للكتاب ويناقشون الإعلام البديل ونشر ثقافة حقوق الإنسان

أحكيم.. المستشفى الحسني يعيش تراكما للمشاكل ووزارة الصحة ملزمة بتحمل مسؤوليتها

شاهدوا.. حوليش يصف المسؤولين الجهويين على قطاع الصحة بالفاسدين

رئيس جماعة سلوان يرصد 4 مليون سنتيم مساهمة لفريق نهضة شباب سلوان من ماله الخاص