NadorCity.Com
 






قراءة في بعض الفتاوى السياسية السلفية إبان الربيع الديمقراطي


قراءة في بعض الفتاوى السياسية السلفية إبان الربيع الديمقراطي
ناظورسيتي: محمد السقالي/ أستاذ باحث

كــان التيار السلفي المعاصر – ولا يزال - يقــدم نفســه للأمة الإسلامية أنــه التيار الذي سيعود بالأمة إلى المحـــجة البيضاء كما سار عليها الســلف الصـالح بدون شوائب ولا بدع ولا ضــلالات . وشعاره المتواتر في مواجهة مخالفيه : " الحل في العودة إلى الكتــــــاب والسنة بفهم سلف الأمة ". وهو في سعيه إلى حمل الناس على اتباعه يدعي أنه الذي يمثل الفرقة النــــــاجية وسائر الفرق ضالة ، وبذلك تكون هالكة وهي في النار، استنادا إلى الحديث الذي أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : ليأتين على أمتي ما أتى على بنــي إسرائيل تفرقت على اثنتيــن وسبــعين ملة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة " قـــالوا : ما هي يا رسول الله ؟ قال : " ما عليه أنا وأصحابي " .

وهم حين يتحدثون عن مسألة التفرق في الأمة يقولون إنه محمول على أمة الإجابة وليس على أمـــة الدعـــوة. وبنـاء على ذلك يعاملون التيارات الأخرى بنوع من الاستعلاء ، ويصدرون أحكاما قاســية في حـق الأفـراد والجماعـــات المخالفين لهم ، رغم أن ذلك التأويل غير متجه عند المحقــقين . يقول الشـيخ سقاف بن علي الكاف في كتـابه " حقيقة الفرقة الناجية ص 94 : " لقد وصلت من خلال بحثي للموضوع في كتب شروح هذه الأحاديث وكتـــب الفرق وكتب من كتب في العقائد كابن تيمية وغيره إلى قنـــاعة كـاملة بأن الفرقة الـــواردة في الأحاديث واقعة في أمة الدعوة لا أمة الإجابة . وهذه الأحاديث تبين أن البشرية جمعاء أمة نبينا محمد من يوم بعـــثته إلى قيام الساعة ولا نبـــي بعده، وأن أمته تنقسم إلى قسمين : أمة دعوة وأمة إجابة. فمن لبى بكلمة التوحيد كان مــن أمة الإجابة ، ومن أعرض عنها فهو مطالب بها إلى أن يـــموت، وهو من أمة الدعوة... والتعدد واقع في ملة الكفـــر لا أمة الإجابة ". (1)

إن القراءة المتأنية في المواقف والفتاوى الصادرة عن كبار العلماء المنتسبين إلى الدعوة السلفية، لاسيما الدعوية والحركية منها، تثبت أن الشعار الذي رفعوه لإثبات صدق التمسك بالكتاب والسنة، والرجوع إليهما في كل الأمور، كثيرا ما يتم استخدامه لاستئصال المخالفين لهم مذهبيا أو سياسيا، أو لأجل خدمة أجندة سياسية داخلية أو خارجية، أو حتى لتحقيق مآرب شخصية منشؤها الخضوع للضغوط ، أو كسب ود الأنظمة الحاكمة. من القضايا التي كثر حولها النقاش الفقهي والعقدي عند التيار السلفي في العصر الحاضر : الديمقراطية وآلياتها، المشاركة في الانتخابات، تأسيس الحركات والأحزاب السياسية.

سأحاول تتبع بعض الفتاوى والمواقف السياسية السلفية التي صدرت إبان الربيع العربي وما قبله من لدن السلفيين السعوديين والمصريين والمغاربة ، وذلك لأجل إبراز التحولات التي رافقتها حسب تغير المشهد السياسي، وأن الأجدى الكف عن تلك الشعارات الكبيرة في التعامل مع المخالفين، بدعوى التميز والتفرد في الفهم والعمل .

السلفيون السعوديون:

من الآليات الديمقراطية التي تسمح الأنظمة الديمقراطية بالقيام بها المظاهرات كشكل من أشكال الاحتجاج على السلطة الحاكمة والمطالبة بالحقوق والحريات، إلا أن العلماء السلفيين في السعودية يقولون بتحريم هذا الشكل الاحتجاجي ، فقد نقل الباحث عماد الموصلي أن المتأمل في تقريرات العلماء يلحظ أن هناك اتفاقا بين جمهور علماء الدعوة السلفية الأكابر على المنع من (المظاهرات) و(الثورات)، وأن هذا الحكم لم يختص بالقول به عالم دون سواه منهم ؛ بل لا يكاد يعرف عمن يكافئهم في العلم والفضل أنه قال بخلاف قولهم . ومن هؤلاء العلماء الشيخ صالح اللحيدان- الشيخ ابن باز - الشيخ العباد- الشيخ محمد بن صالح العثيمين- والشيخ عبد العزيز آل الشيخ - الشيخ صالح الفوزان - الشيخ عبد العزيز الراجحي- الشيخ الألباني. (2)

وإبان الثورة في تونس ومصر صدرت فتاوى صريحة من معقل السلفية في العالم؛ المملكة العربية السعودية ، من كبار المفتين بتحريم التظاهر في مصر وتونس ، منها ما جاء على لسان المفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ في خطبة الجمعة في رابع فبراير 2011 حيث قال : " مخططات مثيري المظاهرات إجرامية كاذبة لا هدف لها إلا ضرب الأمـة والقضاء على دينها وقيمها وأخلاقها وتفريق كلمتها وتشتيت شملها وتقسيم بلادها والسيطرة على خيراتها" . وورد نفس الموقف عن الشيخ صالح اللحيدان بخصوص مظاهرات تونس ومصر وليبيا، جاء فيه : " إن المظاهرات من الفتن غير المحمودة شرعا ." (3)

لكن المفارقة الشديدة أن اللحيدان أيد الثورتين السورية واليمنية انسجاما مع توجهات السياسة الخارجية للنظام السعودي ! ففي تسجيل صوتي على موقع اليوتيوب في 22 أبريل 2011، دعا إلى الجهاد لإسقاط الرئيس بشار الأسد، ودعا أيضا إلى تنحّي الرئيس اليمني عبد الله صالح وتسليم سلطاته . كما دعا الشعب السوري إلى الجد والاجتهاد في مقاومة النظام السوري ، ولو تسبب ذلك في سقوط ضحايا .

وما دام أن موقف اللحيدان لم يكن منسجما مع توجهات السلفيين في اليمن فقد رد عليه الشيخ يحيى بن علي الحجوري قائلا إن تلك الفتوى من اللحيدان ليست صوابا فقهيا ؛ لأن فيها تهييجاً ومعاضَدة لأناس هو يبغضهم ويبغضهم كل سني . فأصحاب هذه الثورة هم الاشتراكيون والبعـثيون والناصريون والروافض والإخوان المسلمون ، ولأن فتواه تهيج الدماء وخصوصا فيما نقله عن مالك أنه يجوز قتل الثلث ليسعد الثلثان ، لاسيما ونحن في بلد مسلم والرئيس مسلم ويمكِّن لشعائر الإسلام كالمساجد والدعوة وغيره ، والإجماع قائم على عدم الخروج على الحاكم المسلم الفاسق .

السلفيون المصريون :

مثلما اضطربت فتاوى مشايخ السلفية السعودية ؛ كما رأينا سابقا ، فقد وقع الأمر نفسه مع السلفيين المصريين في جملة من القضايا ، منها :
* قولهم في المظاهرات وفي ثورات الربيع العربي: إذا كانت الغالبية العظمى من علماء السعودية يحرمون الخروج في المظاهرات ، فإن علماء التيار السلفي المصري ، اتفقت فتاواهم بتحريمها قبل ثورة 25 يناير ، واضطربت اضطرابا شديدا بعدها . ونذكر من أقوالهم وفتاواهم:

فتوى الشيخ مصطفى العدوي على موقع الشبكة الإسلامية: سئل: ما الحكم في المظاهرات التي تحدث في الجامعات، مع العلم أن البعض يستدل على ذلك بخروج سيدنا عمر في أول إسلامه في صف من المسلمين أمام الكفار، وأن هذه المظاهرات هي كلمة حق عند سلطان جائر؟ فكان جوابه: " الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فالظاهر لي - والله أعلم- أن المظاهرات وسيلة محدثة، ما درج عليها سلفنا الصالح - من الصحابة- في القرون المفضلة، بل حتى بعد القرون المفضلة، فلم نعهد الإمام الشافعي قام بمظاهرة ولا الإمام مالك ولا الصحابة ولا التابعين، أما القصة المشار إليها ألا وهي قصة خروج حمزة على صف وعمر على صف، فالذي يحضرني الآن أن إسنادها ضعيف، ثم هي لا تصلح أن تكون دليلاً على التظاهرات المزعومة، والله أعلم ".

وجدير بالذكر أن غيرهما من شيوخ السلفية المصرية ؛ كأبي إسحاق الحويني ومحمد حسان وحسام المصري ومحمد بن حزام وغيرهم ، قد قالوا بتحريم الخروج في المظاهرات.

أما بخصوص موقف السلفية المصرية من الثورة ، بمدارسها المختلفة ورموزها المتعددة ، فإن المركز العربي للدراسات الإنسانية أعد دراسة قيمة عن ثورة 25 يناير 2011 (4) وورد في هذه الدراسة ما يلي :

1- موقف تأييد الثورة ودعم ناشطيها : من المدارس السلفية التي أيدت الثورة منذ البداية المجموعات السلفية في القاهرة؛ إذ شارك العديد من رموزها، كالشيخ محمد عبد المقصود والشيخ نشأت أحمد والشيخ فوزي السـعيد، وشارك أتباع هذا التيار في المظاهرات والاعتصامات إلى حين تنحي مبارك يوم 11فبراير2011 . ويمكن إدخال الداعية الشهير الشيخ محمد حسان في صف الدعاة السلفيين المؤيدين للثورة، وإن كانت مواقفه قد تبلبلت في البداية عندما حاول إمساك العصا من الوسط، ولكنه عاد في النهاية فنزل إلى ميدان التحرير .

2- مواقف معارضة للثورة : ويمثلها الشيخ محمود المصري ومصطفى العدوي الذي نفا صفة الشهادة عن ضحايا الثورة ، وكذلك الشيخ محمد حسين يعقوب الذي سمى الثورات بـ"هيشات الأسواق"، واستخدم عددا من أحاديث الفتن وأسقطها على الثورة المصرية .

3- مواقف ملتبسة : وتمثلها الدعوة السلفية في الإسكندرية ، وهي أكبر تجمع سلفي بمصر ، وجاء رفضها لثورة 25 يناير عبر فتوى للدكتور ياسر برهامي جاء فيها : " انطلاقا من تمسكنا بديننا وشعورنا بالمسؤولية تجاه بلادنا ، وحرصا على مصلحتها ، وتقديما وتغليبا لأمن البلاد والعباد في هذه الفترة العصيبة، وتفويتا لمقاصد الأعداء التي تهدف إلى نشر الفتن ، نرى عدم المشاركة في تظاهرات الخامس والعشرين من يناير ". وبعد ذلك تطور الموقف ؛ فوقع أقطاب السلفية السكندرية على بيان اللجنة الشرعية الأول الذي أيد المظاهرات . وهو الأمر الذي بدا فيه التناقض واضحا مع الموقف الأول . وفي سعيه للتبرير قال : المشاركة في المظاهرات غير تأييدها.

* قولهم في الانتخابات: أما في مصر فقد تبنى مجمل التيار السلفي المصري موقفا رافضا للانتخابات قبل الثورة . وفيما يلي أقوال المنتسبين إليه:
الدعوة السلفية في الإسكندرية : يقول الشيخ محمد إسماعيل المقدم : " نرفض خوض الانتخابات والمشاركة فيها ؛ لأننا لا نستطيع أن ندفع الضريبة المقابلة لها ، وهي التنازل عن أمور من صميم منهجنا ؛ كمسألة الولاء والبراء مثلا . وحين تتوفر لنا ضمانات وتزول حتمية دفع ضريبة المشاركة فسنشارك ، وخلافنا مع المشاركين في الانتخابات خلاف ناتج عن خلاف فقهي ونظر مصلحي ." (5)

السلفية الحركية : سئل أحد شيوخ هذا التوجه السلفي قبل الثورة عن حكم الترشح لمجلس الشعب فقال : " هذا المجلس يتحاكم إلى غير شريعة الله ، ويجعل الدستور الذي وضعه حاكما على شريعة الله ، والداخل لهذا المجلس يقسم على أن يحترم الدستور . واستشهد بقوله تعالى:" أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ".سورة المائدة ، الآية 50 . وأضاف : " لو أن الناس صوتوا على تحكيم الشريعة ما كان هذا إسلاما أبدا ، ولو أن المجلس صوت على تطبيق الشريعة واستجاب لكان هذا كفرا مجردا بإجماع المسلمين." (6)

السلفيون المستقلون : وهم الشيوخ الذين شاركوا بقوة في تأسيس الإعلام السلفي في مصر ، حين سمح النظام السابق لهم بذلك بشروط معروفة ؛ حيث ظهر هؤلاء على قناة الرحمة والناس والحافظ ، وصاروا نجوما لديهم كثير من المحبين والمشاهدين والمعجبين ، ومنهم : محمد حسان ومحمد حسين يعقوب وأبو إسحاق الحويني ومصطفى العدوي وأسامة عبد العظيم . ويجمع بينهم التأثر بالمحدّث ناصر الدين الألباني وعلماء السعودية : ابن باز ومحمد العثيمين وعبد الله بن جبرين ومحمد الأمين الشنقيطي . وكان شأن هؤلاء السلفيين المستقلين عموما مقاطعة الانتخابات ، وعدم تشجيع أتباعهم ومحبيهم على الترشح أو التصويت ؛ فقد سئل محمد حسان عن انتخابات مجلس الشعب فذكر قولين لأهل العلم، ورجح عدم جواز الاشتراك في المجالس النيابية ؛ لأن الإصلاح لا يكون بالانتخابات، وإنما يكون بمنهج الأنبياء القائم على إعداد الجماعة المسلمة بالدعوة والتربية. (7)

لكن فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة في المجال السياسي ، خصوصا ما يتعلق منه بالنظر في المستجدات السياسية ، سيتغير. ففور تنحي الرئيس حسني مبارك وانتصار الثورة سارع شيوخ السلفية المستقلون محمد حسان وأبو إسحاق الحويني ومحمد يعقوب ومصطفى العدوي وأبو بكر الحنبلي ووحيد عبد السلام بالي وسعيد عبد العظيم ومعهم رئيس جمعية أنصار السنة عبد الله شاكر وجمال المراكبي إلى تأسيس مجلس شورى العلماء ؛ فأصدر البيان الأول في 10 مارس 2011 يدعو إلى الموافقة على التعديلات الدستورية ، ويرحب بالمشاركة في الانتخابات التشريعية ، مع عدم ترشح العلماء والدعاة . (8)

كما عقد السلفيون مؤتمرات حاشدة في الإسكندرية ومرسي مطروح والمنصورة لمناقشة الأوضاع بمصر بعد ثورة 25 يناير ، تحدث فيه محمد حسان عن ضرورة مراجعة الاجتهادات السلفية فيما يتعلق بالدخول إلى الحلبة السياسية والمشاركة في الانتخابات التشريعية والبرلمانية. أما الدعوة السلفية السكندرية فقد حسمت موقفها ودعت إلى تأسيس حزب النور الذي تم الترخيص له رسميا بتاريخ 8 يونيو 2011.

والملاحظ أن الدعوة السلفية بالإسكندرية كانت تبرر مقاطعتها للانتخابات بمبررات أغلبها لم يرتفع بعد عن الواقع الجديد ، منها أن المشاركة في السياسة تجعلهم يتنازلون عن أمور من صميم المنهج السلفي ، منها قبولهم لفكرة الديمقراطية وتوابعها . وهذا أمر محير؛ إذ إن هذا الموقف غير منسجم تماما مع تصوراته السابقة .علاوة على ذلك فقد تم القبول بقانون الأحزاب المخالف للشريعة الإسلامية- في نظرهم-، وتم تجويز المظاهرات وقبول النساء في الحزب وترشيحهن في مجلس الشعب ، وكانوا يعتبرون ذلك من الولايات المحرمة على المرأة ، بل إن ياسر برهامي سنة 2010 قال إن ترشيحها لا يجوز . وفي 2011 قال إن وجودها في مجلس الشعب ينصر الشريعة ، وحزب النور الذي ينتمي إليه يرشح 58 سيدة (9).

وما كشف براغماتية زعماء السلفية السكندرية، وخصوصا ممثلها حزب النور، هو تأييدهم للانقلاب العسكري على حساب الرئيس الشرعي المنتخَب، ثم تبرير جرائم النظام المصري ، بما فيها مجزرة رابعة العدوية، والمشاركة في صياغة الدستور ، وتأييد الرئيس الدموي عبد الفتاح السيسي.
ورغم أن زعماء السلفية الحركية بمصر كانوا يعتبرون الترشح لمجلس الشعب عملا جاهليا ، فإنهم أسسوا حزب الأصالة ، وشاركوا في الانتخابات ، وصرحوا بأن المظاهرات التي كانت محرمة عندهم قبل الثورة أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر ..

أما أتباع الجماعة الإسلامية فقد أسسوا حزب البناء والتنمية، وشاركوا في الانتخابات البرلمانية، وحصلوا على 13 مقعدا في البرلمان. وأنصار السنة أيضا اعتمدوا نفس النهج؛ فالفتاوى الشرعية التي حصنت خيارات ما قبل الثورة صارت هي التي تؤصل لوجود التيارالسلفي في المشهد السياسي ، وتعتبر المجالس التي كانت كفرية سابقا وسيلة للحفاظ على الشريعة .

ولم يفت السلفية الرافضة للمشاركة السياسية أن توجه سهام نقدها إلى الأحزاب السلفية ؛ فوصفها أحمد النقيب بأنها سلفية مؤسسة على أصول التقليد والعصبية الحزبية المقيتة . وأضاف أن الدحرجة بدأت بقبول قانون الأحزاب المخالف للشريعة ، وبقبول النصارى تحت قاعدة قبول الآخر، وعندما تم تجويز المظاهرات لاستعراض القوة ، ثم عندما تم الإعلان عن أن الحزب السلفي لكل المصريين ، وعندما تم قبول النساء في الحزب، وعندما خرجت النساء في المظاهرات ، وعندما ترشحت المرأة للبرلمان.

السلفيون المغاربة :

ما ينطبق على السلفيين المصريين ينطبق على السلفيين المغاربة ؛ فقد دعا رئيس دار القرآن الشيخ المغراوي إلى المشاركة في الانتخابات التشريعية ، ومساندة الحزب الذي يعتمد المرجعية الإسلامية (10) . كما أن كثيرا من منظري السلفية المغربية راجعوا أفكارهم ، وأبدوا استعدادا للانخراط في حركية التغيير باعتماد الديمقراطية كوسيلة لتحقيق المصالح المعتبرة للبلاد والعباد .

كما تحدث الشيخ الفيزازي عن رغبته في إنشاء حزب سياسي ، وتراجع عن جميع ما كتبه عن الديمقراطية بوصفها صنما ، لكن دون أن يقدم – للأسف- تأصيلا شرعيا ، بل قدم قراءة سياسية ؛ حيث يقول : فلا يجوز – والحالة هذه - الانعزال الاختياري عن حركة التغيير الجارفة المعتمدة للآلية الديموقراطية التي لا وسيلة غيرها تحقق الحد الأدنى من تحقيق الذات مع الأطراف المتعددة من الفاعلين السياسيين. ويقول أيضا : اليوم، تغير كل شيء...لم تعد هناك تلك الديموقراطية القائمة على التزوير والكذب ونتائج 99 % وشراء أسماء الفائزين قبل الشروع في الانتخابات... والإعلان عنها قبل فرز الأصوات أصلا، وإن كان الحنين إلى تلك الممارسات لا يزال يخالج المنتفعين واللوبيين...

ولعله يدرك التاريخ الفكري الذي انطلق منه حين قال : " إنني لم أنس ما قلته من قبل في آليات الديموقراطية ذاتها، لكن ماذا تريدون أن نفعل وليس أمامنا في إثبات الذات وتحقيق العدل والانعتاق من التهميش... غيرها؟".

وأحسب أن عبد الوهاب رفيقي- أبا حفص- كان أكثر جرأة حين وصف ما قام به التيار السلفي بالمغرب من مراجعات بالتطور الفكري ومراجعة النفس ودراسة الماضي لأجل تفادي عثراته ، وهو حق لكل فرد . وقد وصف بعض الباحثين في الشأن الإسلامي المراجعات التي صدرت عن هؤلاء بأنها مراهقة سياسية أو فقهية . (11)


السلفيون الصحويون ما بعد الثورة : سلمان العودة نموذجا

ما سبق عرضه من مواقف من القضايا السياسية يبين أن كثيرا من السلفيين صاروا إلى اجتهادات جديدة ، وهذا في حد ذاته أمر مهم لكونه نزع القداسة التي كان يلبسها لفتاواه ، لكن اجتهاداتهم – تلك- جاءت معيبة لكونها لم تكن مؤسسة على الأدلة التفصيلية كما هي طريقتهم دائما . ولأن خياراتهم السياسية الجديدة لم تأخذ حظا من النقاش الفقهي والسياسي، بل جاءت متسرعة لتتغيا مزاحمة الآخرين على الكراسي والمناصب . وقليلة هي الدراسات التي وقفت عند الواقع الجديد وحاولت أن تدرسه بشئ من التعمق ، ورامت التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير من الخطاب الإسلامي، في هذا السياق ألف سلمان العودة ، العالم السعودي والداعية المشهور كتابه أسئلة ما بعد الثورة (12) إنتقد كثيرا من المقولات السياسية الفقهية التي لم تعد صـالحة في زماننا هذا ومن ذلك :

- انتقاده القطاع المعترض على النهج الديمقراطي من السلفية الموالية للحكام بدون ضابط شرعي بقوله : " ثم منابر تسلط الضوء الكاشف على نصوص وإجماعات وتصرف النظر عن نصوص أخرى وإجماعات حسب اعتقادها الذي يســبق الاستدلال ".ويضـــيف أيضا : لكي نصـــل إلى رؤية ناضجة في قضايا السياسة الشـــرعية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم والثورة والديمقراطية نحتاج إلى قدر من الهدوء النفسي والفكري وقدر آخر من الحـياد والتعالي على مصالح الفرد أو العائلة أو القبيلة مع عدم الوقوع في تعميمية نمط خاص على مجتمعات متفاوتة في ثقافتها وتكوينها وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.

- انتقاده للنصوصيين الذين يقتاتون على التراث دون استحضار الواقع بقوله : نحن بحاجة إلى الفقيه الذي يتعامل مع النصوص أكثر من الواقع كحاجتنا إلى المفكر الذي يتعامل مع الواقع أكثر من النصوص.

- ذكره أن الخلافة عند السلف وإن كانت النمط الأفضل من الناحية النظرية إلا أنها قد لاتتناسب مع الأوضاع المختلفة ، وربما كان الملك أو غيره من أنظمة الحكم أنسب للناس في ظرف ما إذا توفر العدل .وهذا فيه تلميح إلى إمكانية الاعتراف بالنظام الديمقراطي إذا كان ذلك هو الأصلح حسب ظروف الزمان والمكان .

- رده على من يرفض الديمقراطية بكونها تقدس إرادة الشعوب على حساب إرادة الله بقوله:"فهناك الفلسفة المادية التي يعتبر الموقف الاسلامي في خلاف جوهري معها وهناك الممارسة السياسية والتجربة الانسانية والإجراء الاداري الذي يمكن اقتباسه وفق التفاعل الحضاري الايجابي والضروف البيئية للمجتمع، فكل تجربة سياسية كي تنجح ماديا وواقعيا لابد ان تخضع لشروط واقعها المراد تطبيقه عليها وللشروط الدينية والثقافية في كل بلد.

- إقراره ان الحكم هو نيابة عن الامة فإن لها الحق في الاختيار، ولها الحق في الاشتراط ،ولها الحق في الولاية ولها الحق في العزل .
- رده على من يقولون ان الديمقراطية اختراغ غربي بقوله : "علمنا القرآن الانتفاع بخبرة الاخرين ،وكانت فكرة الخندق وفكرة الخاتم وفكرة المنبرمما اقتبسه المسلمون من غيرهم والاعتبار كما يقول ابن قيم الجوزية بالمقاصد والمعاني في الاقوال والافعال . انها منطقة خبرة وتجربة انسانية وليست منطقة تعبد وشريعة محضة وهي منطقة حركة وليست منطقة ثبات الديمقراطية ثمرة التجربة الانسانية وهي صيغ متعددة.

- إعتباره أفضل طريقة معاصرة لتطبيق الشورى هي الديمقراطية مستشهدا بما كتبه رشيد رضا في تفسيره .
- إعتراضه على من يحرم المظاهرات كونها بدعة سياسية ويشيح بوجهه عن بدع التغلب والاغتصاب والسكوت عن الظلم والحكم الوراثي ، ثم ولاية العهد لاثنين التي ابتدعها عبد الملك بن مروان وانكرها ائمة السلف كسعيد بن المسيب وغيره . ويضيف: على أن الذي نختاره أنه ليس ثم ما يمنع من اعتماد بعض هذه الموروثات الكسروية في أنماط الحكم ولا ما يمنع من اعتماد بعض العوائد الغربية المعاصرة من وسائل الاحتجاج والتعبير إذا قبلها الناس، ولا ما يمنع من رفضها إذا رفضوها شريطة أن يكون ذلك محققا لمصلحة حقيقية ، ومتماشيا مع قيم العدل والحرية وغير مخالف لنص قطعي الثبوت والدلالة ومدرجا ضمن دستور البلد .

- انتقاده من يقصي الفاجر ويعطي الحق للبر في المشاركة بقوله: " الشكل الجديد هو دولة المواطنين كلهم بلا استثناء البر والفاجر والمومن وغير المومن مع أننا لانحكم لأحد إلا بظاهر الأمر ولم نؤمر أن ننقب قلوب الناس ولا أن نشق بطونهم كما في الحديث الصحيح."

- خلاصات واستنتاجات

- باستقراء المواقف السابقة من المظاهرات والانتخابات والترشح للمجالس النيابية وتأسيس الأحزاب يتبين أن الكيانات السلفية كانت ترفض االعمل السياسي ابتداء ، وتعتبر التحزب عصبية مذمومة إلا بضوابطها ، أما بعد الثورة فقد اسس السلفيون بمختلف أطيافهم – خصوصا في مصر- باستثناء المداخلة أحزابا سياسية .رغم أن مبررات التحريم لم تتغير بعد ، وهذا يطرح إشكالية في إصدار الفتوى ومببرراته ، هل هي علمية أم سياسية ؟

- إن التحولات السريعة التي حصلت لكثير من المواقف السياسية السلفية لا يمكن وصفها بأنها طبيعية ، لأنها وقعت في زمن قياسي ، ولم يسبقها نقاش عميق ، خصوصا ما وقع عند حزب النور السلفي المصري، ويرجح بعض الباحثين أن تكون ضغوط القوى الخارجية أو المؤسسات الأمنية الداخلية إسهام كبير في تلك التحولات .

- بواعث إصدار الفتاوى ليست دائما علمية تأصيلية بل سياسية مصلحية ، فارتباط العلماء بالسلطة ومناصرتهم لها جعلهم و لها ويعملون على استقرارها على حساب الشعوب بل على حساب الدين وقيمه ، إذ كيف نفسر تحريم بعض شيوخ السلفية للمظاهرات في مصر وتونس ومناصرتهم لها في اليمن وسوريا ؟

مراجع وإحالات:


سقاف بن علي الكاف ، حقيقة الفرقة الناجية ، بيروت ، دار القلم ، ط 1، 1992 ، ص :94-95 - (1)
- بحث بعنوان: أقوال العلماء السلفيين في نازلة الثوار المتظاهرين، مقتطفات من موقع: أنصار الهدى (2)
- من موقع الوطن أون لاين ، بتاريخ : 05-02-2011(3)
- http://www.arab-center.org/ للمركز موقع على الأنترنت بعنوان (4)
- قوله مقتبس من موقع "أنا السلفي "(5)
http://ansar-maqdes.3abber.com/- 6- قال هذا الكلام محمد عبد المقصود قبل الثورة، وهو منقول من
- كلامه موجود على اليوتيوب.(7)
- الفتوى موجودة بموقع مجلس شورى العلماء. (8)
- يوجد في موقع اليوم السايع تعليق على فتوى برهامي بعنوان: السلفيون يغيرون مواقفهم من ترشيح المرأة. (9)
- جريدة المساء المغربية، العدد 2069 بتاريخ 20-05-2013 (10)
- نفس المصدر (11)
أسئلة ما بعد الثورة كتاب قيم من إصدار مركز نماء للبحوث والدراسات، صدر سنة 2012. (12)


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح











المزيد من الأخبار

الناظور

نحن معا تنظم حملة طبية للكشف المبكر عن سرطان الثدي وعنق الرحم

جمعية أيمن للتوحد تنظم حملة لفحص الاطفال الحاملين للقوقعة السمعية

الأرصاد تتوقع نزول تساقطات رعدية بالريف اليوم الاثنين

حلاق المتشردين ينتقد دعم المسؤولين المحليين لعرض خاص بالمركب الثقافي

ماستر قانون "العقود والأعمال" بكلية الناظور يمنح أربعة طلبة دبلوم الماستر في القانون الخاص

السلطات الأمنية ببني انصار تستنفر عناصرها لإبعاد "الحراكة" من شاحنات "الرالي" العائدة إلى أوروبا

فيدرالية الكرامة لجمعية المجتمع المدني تستهدف ساكنة دواوير جماعة إيكسان في قافلة طبية متعددة التخصصات