المزيد من الأخبار






عندما يزعجهم نقد إيديولوجية "حروب الاسترداد".. لاراثون" الإسبانية تتهم "ناظورسيتي" بأنها "لا تعزز التعايش"


عندما يزعجهم نقد إيديولوجية "حروب الاسترداد".. لاراثون" الإسبانية تتهم "ناظورسيتي" بأنها "لا تعزز التعايش"
ناظورسيتي: أيوب الصابري

تناولت صحيفة "لاراثون" الإسبانية بحنق واضح المقال الذي نشرناه سابقا عبر موقع "ناظورسيتي" تحت عنوان " الفيلق الإسباني في مليلية المحتلة.. رفع مجسم "صلب المسيح" في استعراض عسكري لفرقة تأسست خلال حرب الريف "،.. مسلطة الضوء على زاوية نظرنا التي انتقدت الاحتفالات الاستعراضية التي يقيمها "الفيلق الإسباني" (La Legión) في مدينة مليلية المحتلة. وما يثير الاستغراب حقا هو ختم الصحيفة الإسبانية لمقالها بالزعم بأن ما كتبناه "لا يهدف إلى تعزيز التعايش بين المملكتين". وهنا يبرز لزاما علينا تفنيد هذه المزاعم وتوضيح الحقائق بعيدا عن لغة البروباغندا التي يدمنها بعض الإعلام الإسباني.

الشعب المغربي وثقافة التعايش.. في مواجهة ثقافة الثكنات والاستعراض العسكري

إن الشعب المغربي، حكومة وشعبا، كان دائما وأبدا نموذجا حيا للتشبع بثقافة التعايش، الإنسانية، وحسن الجوار. في المقابل، نجد الإعلام الإسباني يغرق صباح مساء في استهلاك واستحضار مصطلحات عسكرية بائدة تنتمي لعصور الغزو، والردع، والهيمنة.


وفي المغرب، لم ننظر قط إلى إسبانيا كبلد "عدو" ولا زلنا كذلك، رغم ثقل الذاكرة التاريخية المؤلمة وما خلفه الاحتلال من مآسي متسلسلة عبر التاريخ، بدءا من الغارات الاستعمارية الأولى على المدن والشواطئ المغربية على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي بغرض احتلالها، مرورا بالثغور التاريخية كسبتة ومليلية، وما تبع ذلك من محطات دامية كحرب تطوان، وحرب مليلية، وصولا إلى احتلال الصحراء المغربية وخلق نزاع مفتوح تسبب للمغرب على مدى أزيد من خمسين سنة في استنزاف مالي واقتصادي هائل، كان هو الخلفية الحقيقية والسبب المباشر للعديد من الأزمات الاجتماعية التي ما زال المغرب يواجه مخلفاتها إلى اليوم، وقبل أن تدخل أطراف إقليمية أخرى كالجزائر والنظام الليبي السابق والمعسكر الشرقي على خط مواجهة الوحدة الترابية للمغرب إبان الحرب الباردة.

ولم تقتصر هذه الذاكرة على ذلك، بل امتدت لتشمل حروب الريف الباسلة وما واكبها من استخدام بشع لأسلحة الدمار الشامل والغازات السامة المحرمة دوليا ضد المدنيين العزل. وفي هذا السياق، ما زالت الذاكرة الجماعية تستحضر حكايات الأجداد والجدات، وتحديدا مشاهد سقوط الأبرياء في الطرقات بشكل مفاجئ بفعل تلك الغازات، وتسميم الأراضي الزراعية التي تحولت إلى هضاب جرداء لا تنبت شيئا ما خلق مجاعة وضاعف المعاناة. ورغم بشاعة هذه الجرائم التاريخية وتراكم تبعاتها لقرون، فإننا لم نترب قط على الحقد أو الكراهية ضد إسبانيا، بل اعتبرناها صفحة من الماضي المظلم و"حقبة تاريخية ولت"، مؤمنين بأن السبيل الوحيد نحو المستقبل هو بناء شراكة استراتيجية تخدم مصالح الشعبين الجارين في إطار الاحترام المتبادل.

قضايا الجغرافيا والروابط العميقة والامتداد الجيني


إن الملفات العالقة، كقضية المدينتين السليبتين سبتة ومليلية المحتلتين، ومعضلات الهجرة والحدود، لا يمكن أن تحل إلا عبر الحوار الدبلوماسي الهادئ والمسؤول بعيدا عن الاستعراضات العسكرية المستفزة.

والحقيقة الدامغة التي ترفض أقلام إسبانية استيعابها هي أنه بقدر ما توجد خلافات سياسية وتاريخية بين البلدين، فهناك ما يجمعهما من أواصر جغرافية وبشرية لا تحصى. ولو أتيح لنا فحص الشفرة الجينية (DNA) لأي مغربي ومضاهاتها بنظيرها الإسباني الإيبيري، لوجدنا تداخلات وتطابقات عرقية مذهلة تتجاوز في كثير من الأحيان النسبة المئوية المشرقية- العربية، بل إن الوجود الجيني المغربي يعتبر أيضا من بين الأكثر حضورا في شبه الجزيرة الإسبانية، وهو امتزاج وتلاقح بشري عريق يعود جذوره إلى آلاف السنين، فالتاريخ البشري بين ضفتي المتوسط عبارة عن تواصل عميق تفرضه الجغرافيا والتاريخ قبل أي شيء آخر.

تجييش الإعلام الإسباني ووظيفة "الشماعة المغربية" في الحملات الانتخابية

ولا يمكن فصل هذا الهجوم الإعلامي المتكرر عن السياق السياسي الداخلي في إسبانيا، حيث دأبت أوساط إسبانية عديدة، وخاصة تيارات اليمين واليمين المتطرف، على تجييش الإعلام ضد المغرب والمهاجرين واستغلاله بشكل ممنهج في الحملات الانتخابية والنزاعات الحزبية كشماعة لتعليق الإخفاقات الداخلية.


ولعل أبرز دليل على ذلك أنه بمجرد إبرام الاتفاقيات الاستراتيجية بين الرباط ومدريد من خلال الملك محمد السادس ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، لم يمر يوم واحد دون أن تنطلق حملات شعواء من طرف اليمين الإسباني لمهاجمة هذا الاتفاق، وتصويره تعسفا وكأنه "رضوخ وهزيمة إسبانية أمام المغرب"، مع ممارسة أشكال التحريض المستمر ضده. ورغم هذا العبث السياسي والإعلامي المستمر، ظل المغرب -إعلاما وحكومة وشعبا- يترفع عن الرد الانفعالي، متمسكا بالرزانة والتعقل الاستراتيجي.

من الذي يهدد التعايش حقا؟

من هذا المنطلق الراسخ، نتساءل بوضوح، حين تعمد مؤسسة عسكرية إسبانية إلى الاحتفال بتأسيس فرقة ارتكبت أفظع الفظائع والجرائم في حق المغاربة خلال حرب الريف، فمن هو الذي يضرب مفهوم التعايش في مقتله؟

وحين يتم إقحام الرموز والشعارات العقدية والدينية في قلب هذه الاحتفالات، كرفع تمثال "مسيح مينا" (Christ of Mena) واستحضار عقيدة "حروب الاسترداد" (La Reconquista) كأن المعركة صليبية ضد المسلمين، فهل هذا هو السلوك الذي يكرس التعايش السلمي؟!

وماذا لو قررنا نحن في المغرب أن نرد بالمثل، فنشرع في استنهاض الخطاب الديني التاريخي ومفاهيم الجهاد والمقاومة الشعبية للدفاع عن أرضنا الطاهرة وتحرير مدننا وجزرنا المحتلة؟ هل ستقبل إسبانيا وإعلامها بهذا النوع من الخطاب؟ بالتأكيد لا. بل إن الواقع يثبت عكس ذلك تماما، فالمغرب يثبت في كل مناسبة أنه حجر زاوية في الأمن الإقليمي، ومساهم أساسي وفعال في تفكيك الخلايا الإرهابية التي كانت تخطط لتنفيذ هجمات دامية داخل العمق الإسباني والأوروبي.

تضحيات المغرب الجسيمة.. أمن مشترك بلا امتنان ومناورات سياسية عقيمة

وليعلم القرار السيادي في إسبانيا، بمختلف مؤسساته الرسمية وأجهزته الأمنية والسياسية وصولا إلى الشعب الإسباني قاطبة، أننا في المغرب، ورغم اعتبارنا الراسخ لمدينتي سبتة ومليلية أراض مغربية محتلة، فإن المئات من العناصر التابعة لمختلف الأجهزة الأمنية تسهر ليل نهار على حمايتهما من تدفقات الهجرة غير النظامية، بدءا بعناصر القوات المسلحة الملكية والبحرية الملكية، مرورا بالدرك الملكي والقوات المساعدة، وصولا إلى عناصر المديرية العامة للأمن الوطني.

واستحضارا لروح المسؤولية التاريخية، فإننا كإعلاميين نترفع عن انتقاد عسكرة المنطقة وكثرة الحواجز الأمنية التي تضيق على حرياتنا اليومية في الاستمتاع بشواطئنا الخلابة، حيث لم يعد بإمكاننا التخييم فيها بحرية كما في السابق، وبمجرد حلول المساء يطلب منا الرحيل، فنحرم من قضاء الليل للاستمتاع بجمال البحر وممارسة الصيد كما اعتدنا سابقا، كل ذلك فداء لحماية الحدود ومواجهة شبكات التهريب. ناهيك عن التكلفة المادية الباهظة لتحريك هذا اللوجستيك الضخم وتعبئة الآلاف من العناصر الأمنية، والتي تكلف الخزينة المغربية وضرائب المواطنين عشرات الملايين من اليوروهات سنويا التي لا تكفي المساعدات الأوروبية الشحيحة والهزيلة لتغطيتها، فضلا عن المعاناة الإنسانية الجسيمة للعناصر المكلفة بالحراسة والمرابطة في العراء، عرضة لظروف مناخية قاسية من قيظ الشمس وحرارة الصيف إلى برد الشتاء القارس.

وعلى الأصوات المتطرفة ودوائر القرار المتحجرة في إسبانيا التخلص من الأفكار الكولونيالية البائدة، والكف عن محاولة غسيل التاريخ عبر تمجيد وحدات عسكرية دموية أو توظيف ورقة المغرب في المزايدات السياسية الانتخابية. إن التعايش الحقيقي لا يتم بناء على سياسة الاستفزاز واستحضار رموز "حروب الاسترداد"، بل بالندية، والاحترام المتبادل، والاعتراف المشترك بالكرامة التاريخية والسيادة المغربية. فالشعبان المغربي والإسباني يتقاسمان مصالح استراتيجية كبرى وأواصر اجتماعية واقتصادية وتنموية وأمنية لا غنى عنها، وهي شراكة حية ومستدامة تفرضها متطلبات العصر وتخدم التطلعات المستقبلية للجانبين في الأمن والنماء والازدهار المشترك، شريطة أن يتحرر القرار السياسي والإعلامي في الجارة الشمالية من رواسب الماضي وعقليات المواجهة العقيمة.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح