ضحايا "حرب الغازات السامة" أولى بالاعتذار الفرنسي-الإسباني


بقلم: رشيد الراخا


"متى تعتذر فرنسا عن اغتيالاتها بالمغرب؟ بعد اعتذارها للجزائر عن اغتيال بومنجل وقرار ماكرون رفع السرية عن حروب شمال إفريقيا" هو عنوان مقال ليونس جنوحي، صدر في العدد 2516 بجريدة الأخبار الصفحة 14، بتاريخ 12/13/14/ مارس 2021، وما أثارني في المقال كقارئ قبل أن أكون مهتم بالشأن الأمازيغي والتاريخي، هو اقتصار طلب الاعتذار من فرنسا باعتبارها بلد استعماري دون إسبانيا، واغفال الجرائم التي تمس الإنسانية والمرتكبة في المنطقة الخليفية، وكذا تخصيص فئة الفدائيين دون التعرض للجرائم الاستعمارية الممتدة على امتداد تاريخي أكبر، يشمل التاريخ الاستعماري ككل دون انتقاء.

وأشار صاحب المقال إلى أحقية تخصيص الشهيدين الفطواكي والراشدي باعتذار فرنسي، وأمثالهم، بمعنى شهداء الحركة الفدائية. وأنا بدوري لا أقزم الدور البطولي الذي قام به الفدائيين بشكل فردي، وملاحمهم البطولية المتسمة بقدر كبير من الشجاعة، لكن الأجدر ألا نقصي الجرائم المرتكبة في حق تجمعات سكانية بأكملها، وأهمها "حرب الغازات السامة" التي كانت خلال حرب الريف الثانية 1921-1927 والتي استهدفت المدنيين بالدرجة الأولى، وأجبرت محمد بن الكريم الخطابي على الاستسلام حقنا للدماء. وأظن أن هؤلاء جديرين بهذا الاعتذار، وقضيتهم تستلزم جبر الضرر وبلوغ مستوى منح تعويضات، خاصة وأن انعكاسات حرب الغازات السامة لاتزال سارية المفعول على المجال والإنسان الريفي.

وسبق أن راسلت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بمناسبة مرور 99 سنة على معركة أنوال بتاريخ 21 يوليوز2020 ، بخصوص ملف "استعمال الغازات السامة أو الغازات المحظورة دوليا" لقصف الريف خلال الحرب الاستعمارية، ذلك بالتعاون بين القور الفرنسية والاسبانية، وكذا مطالبته بتعويض ضحايا هذه الممارسات التي تنافت والمواثيق الدولية، وفي إطار اعتراف الدول الامبريالية بالجرائم المرتكبة من قبلها تحت غطاء المشروعية الاستعمارية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.




وهو الأمر الذي تلقاه الرئيس الفرنسي باهتمام كبير، وأجاب عنه بواسطة السيد جون لوروش بتاريخ 06 أكتوبر 2020، الذي وعد بفحص الملف بدقة، ولهذا الجواب عدة قراءات أهمها الاعتراف الضمني بعدالة القضية، وقوة مصداقيتها، خاصة وأنه تم عرضه على وزارة الشؤون الحربية-مصلحة الذاكرة وقدماء المحاربين، وعلى حد تعبيره؛ "هي المؤسسة الموثوق في كفاءتها فيما يخص هذا الملف، ولن يكون هناك أي شك في مصداقيتها في التعامل مع طلبكم، والذي سيعالج وفق رعاية خاصة".

وتجدر الإشارة إلى أننا سعينا جاهدا إلى التعريف بقضية الغازات السامة وضحايا الحرب الريفية، من خلال عدة إجراءات أهمها؛ مراسلة الرئيس الفرنسي السابق فرونسوا أولاند، والملك الإسباني فيليبي السادس بهذا الخصوص، مع لمحة تاريخية عن الأحداث والحيثيات التي جرت في الميدان الحربي الريفي.

وبالعودة إلى المقال الذي يقصي فئة عريضة من المقاومين، ويكتفي بحصر لائحتهم في الفدائيين وما يعرف بـ"الوطنيين"، بتحجيم واضح للتاريخ وحصره في الفترة بين سنتي 1933-1956، يقصي مجال مهم من المملكة المغربية ويتمثل بالأساس في الريف بقسميه الشرقي والأوسط، ومنطقة سيدي إيفي، والصحراء بالجنوب المغربي، التي كانت تحت السيطرة الإسبانية، والتي تجند سكانها لمحاربة الاستعمار وفق المقاومة الفورية والمنظمة، والتي لا ينبغي اقصاؤها تاريخيا لأي غرض من الأغراض، ونحن على أبواب الذكرى المئوية لمعركة أنوال الخالدة.

وعرفانا بتضحيات المقاومة المسلحة في كل ربوع المملكة يتطلب منا أن نلح على إنصافهم تاريخيا، واحراز اعتذار علني في إطار الإنصاف والمصالحة، من أجل استشراف آفاق مستقبل مبني على الثقة المتبادلة، دون إقصاء جماعات وأفراد كتبوا تاريخ الوقوف في وجه الاستعمار والذل والهوان ورفض الخضوع بدمائهم، بمجرد توجهات أيديولوجية تبقى تافهة أمام أهمية القضية العظمى.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح