جائحة كورونا:بين الاختيار الديمقراطي وأزمة التدبير الحكومي بالمغرب، محاولة للفهم.


جائحة كورونا:بين الاختيار الديمقراطي وأزمة التدبير الحكومي بالمغرب، محاولة للفهم.
المحمدي محمد*

تعد الأزمات من بين الأحداث التي تختبر مدى التزام المؤسسات الدستورية والسلطة السياسية بالمغرب بالاختيار الديمقراطي الذي أصبح ثابتا من ثوابت الأمة المغربية مع دستور المملكة المغربية لسنة 2011.

وهذا الالتزام بالاختيار الديمقراطي يتعلق أساسا؛ بتقيد المؤسسات الدستورية والسلطة السياسية بالنص الدستوري كفلسفة تعاقدية بينها والمجتمع، وكذا بالتأويل الديمقراطي للنص الدستوري في حالة الغموض من داخل الوثيقة الدستورية وليس من خارجها.

وقد عرف المغرب في عهد الدستور الحالي عدد من الأزمات الاجتماعية (حراكي الريف وجرادة)، والسياسية (أزمة تشكيل الحكومة بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2016) وأخرى صحية مرتبطة بالنظام العام (الأزمة الحالية المرتبطة بجائحة كورونا كوفيد 19)، وهي أزمات سال فيها العديد من مداد الأكاديميين والباحثين فحصا وتمحيصا لمدى التزام السلطة السياسية بالاختيار الديمقراطي كمبدإ دستوري.

فمع حراك الريف، تم اختبار مبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولحرية الاحتجاج والتعبير، ولتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة. ومع أزمة تشكيل الحكومة، تم اختبار مدى القطع مع مفاهيم مثل روح الدستور في مقابل تجذير التعامل مع النص الدستوري من منظور وظيفي تكاملي وفق التأويل الديموقراطي لهذه النصوص. كما أن الأزمة الحالية، التي نعيشها في زمن الجائحة، شكلت اختبارا للمؤسسات الدستورية والسلطة السياسية من حيث التزامها بالاختيار الديمقراطي، وهي الأزمة التي سنقوم برصد أحداثها ونحاول تحديد مدى التزام تفاعلات المؤسسات الدستورية والسلطات العمومية في زمن الجائحة بالاختيار الديمقراطي كمبدإ دستوري.

أولا - القراءات الدستورية والسياسية للإجراءات المتخذة لتدبير جائحة كورونا.
ينص الفصل 92 من دستور المملكة أن من بين الموضوعات التي يتداول في شأنها المجلس الحكومي تلك القضايا الراهنة المرتبطة بحقوق الإنسان وبالنظام العام، ولتحقيق نوع من التواصل المؤسساتي في ظل سلطة تنفيذية برأسين، نصت الفقرة الأخيرة من نفس الفصل على أن رئيس الحكومة يطلع الملك على خلاصات مداولات مجلس الحكومة، وهي الخلاصات التي من الممكن أن تكون ضمن اهتمامات المجلس الوزاري الذي ينعقد برئاسة الملك بمبادرة منه أو بطلب من رئيس الحكومة.

التنصيص الدستوري على أن من بين المواضيع التي يتداول في شأنها المجلس الحكومي تلك المتعلقة بالقضايا المرتبطة بحقوق الإنسان وبالنظام العام، يجعل من المجلس الحكومي الجهة المختصة دستوريا باتخاذ الإجراءات المناسبة لتدبير الجائحة، لكون الأخيرة تهدد النظام العام كمفهوم مطاط وإطار يحتوي الصحة العامة والسكينة العامة، كما أنها تهدد عددا من الحقوق والحريات التي أصبحت استثناء في التمتع بها مؤقتا من قبل المغاربة حرصا على حقوق ذات الأولوية أو أساسية مرتبطة بالحياة والسلامة الصحية في إطار نوع من التضامن والوعي المجتمعيين.

غير أنه، وبعد الاطلاع على جميع جداول أعمال المجالس الحكومية المنعقدة في الفترة الممتدة من دجنبر 2019 إلى حدود 16 مارس من سنة 2020، لم تتضمن جداول أعمال المجالس الحكومية أي نقطة تتعلق بالتداول في الإجراءات التدبيرية للجائحة، وعليه لم تكن هناك أي خلاصات تتعلق بالجائحة يمكن رفعها للملك، وهو ما يبين بوضوح أن جائحة كورونا كوفيد 19 لم تحظ بالاهتمام الحكومي الرسمي المعبر عنه بجداول أعمال المجالس الحكومية المنعقدة في الفترة الزمنية المحددة أعلاه.

عدم الاهتمام هذا من قبل الحكومة بالجائحة التي تهدد النظام العام وحقوق وسلامة المواطنين المغاربة الصحية، ولّد فراغا تدبيريا أدى إلى ترحيل آليات اتخاذ هذه الإجراءات من النص الدستوري (المجلس الحكومي) إلى العرف الدستوري.

ثانيا - كيفية ترحيل هذه الإجراءات من النص الدستوري إلى العرف الدستوري.
يقصد بهذا الترحيل، نقل آليات اتخاذ الإجراءات المتعلقة بمواجهة الجائحة من المؤسسات التي ينص عليها الدستور، وبالخصوص المجلس الحكومي، لكونه يختص بالتداول في القضايا الراهنة المتعلقة بحقوق الإنسان وبالنظام العام، وهي القضايا التي تندرج في إطارها هذه الجائحة كما حددنا سابقا. فهذا النقل إذن تم من النص الدستوري، أي من مؤسسة الحكومة، إلى العرف الدستوري. ويقصد في هذا المقام بالعرف الدستوري كل من؛ التوجيهات الملكية المتعلقة بتدبير الجائحة، وجلسة العمل الملكية المنعقدة بتاريخ 17 مارس 2020، وهما يشكلان العرف الدستوري الذي حل محل النص الدستوري في ممارسة الاختصاصات التي يتداول في شأنها المجلس الحكومي.

وعليه نقول بأن الإجراءات المتخذة لتدبير جائحة كورونا كوفيد19 لم ترتبط بالمبادرة الحكومية، وإنما تحققت بناء على التوجيهات الملكية أولا، وبناء على جلسة العمل الملكية ثانيا.
يستدل على حقيقة هذه التدابير، المتخذة بناء على التوجيهات الملكية، بالبلاغ الصادر عن الديوان الملكي في شأن جلسة العمل الملكية المنعقدة بتاريخ 17 مارس 2020، الذي أورد أن من نقاط جدول أعمال الجلسة "استعراض مدى تنفيذ الإجراءات التي تم اتخاذها بتوجيهات سامية من جلالة الملك والتي تهم:

- إغلاق المجال الجوي والبحري؛
- إلغاء التجمعات والتظاهرات؛
- إحداث صندوق خاص بتدبير جائحة فيروس كورونا كوفيد 19؛
- توقيف الدراسة؛
- الإغلاق المؤقت للمساجد؛
- تعليق الجلسات بمختلف محاكم المملكة".
فوفق بلاغ الديوان الملكي، نكون أمام حقيقة مفادها أن كل الإجراءات قد اتخذت من طرف رئيس الدولة باستثماره للعرف الدستوري المتمثل في التوجيهات الملكية، وحتى المجلس الحكومي المنعقد يوم 16 مارس 2020 (يوم واحد قبل انعقاد جلسة العمل الملكية)كان بهدف تنفيذ توجيه من التوجيهات الملكية، كنقطة وحيدة مدرجة في جدول أعمال المجلس الحكومي، وهي التداول والمصادقة على مرسوم رقم 2.2.269 بإحداث حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل اسم الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا كوفيد 19، دون أن تكلف الحكومة نفسها عناء إدراج أي نقطة أخرى في موضوع الجائحة للتداول والمصادقة.

الآلية الثانية التي استثمرها الملك خارج النص الدستوري، أي ضمن العرف الدستوري، تتمثل في جلسة العمل الملكية المنعقدة بتاريخ 17 مارس 2020 بجدول أعمال يتضمن خمس نقاط تتمثل، وفق بلاغ الديوان الملكي حول الجلسة، في الآتي:

1- إغناء المقاربة الاستشرافية لجلالة الملك؛
2 - استعراض أعضاء الحكومة مدى تنفيذ الإجراءات التي تم اتخاذها بناء على التوجيهات الملكية؛
3 تحديد حاجيات وزارة الصحة من المخصصات المالية لتوفير المستلزمات الطبية استعدادا لمواجهة الجائحة؛
4 - تحديد الإجراءات الإضافية المطلوبة لمواجهة الجائحة، وإصدار التوجيهات في شأنها لكل من المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، قصد وضع المراكز الطبية المجهزة، التي سبق للملك أن أمر بإحداثها لهذا الغرض بمختلف جهات المملكة، رهن إشارة المنظومة الصحية بكل مكوناتها إن اقتضى الحال وعند الحاجة؛
5 - إصدار التوجيهات لرئيس الحكومة ولجميع القطاعات المعنية باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة، والإعداد لمرحلة جديدة، إن اقتضى الحال ذلك.
إذن، وبناء على بلاغ الديوان الملكي حول جلسة العمل الملكية المنعقدة يوم 17 مارس 2020، يتضح أن كل الإجراءات المتخذة لتدبير جائحة كورونا، لم تكن من جانب الحكومة خصوصا وأن الموضوع يدخل ضمن اختصاصاتها كما أسبق ذكره، وإنما اكتفت فقط بدور المنفذ للتوجيهات الملكية وللقرارات المتخذة في جلسة العمل الملكية المنعقدة بتاريخ 17مارس 2020.

ربما لم يكن لجوء الملك إلى العرف الدستوري قصد الاستشراف والتخطيط لتدبير الجائحةإلا لمبررات موضوعية أنتجها الغياب الفظيع وغير المبرر للحكومة في ممارسة اختصاصاتها لتدبير الجائحة التي أصبحت تهدد الحقوق والحريات وكذا النظام العام، لكونها تندرج ضمن الموضوعات التي يتداول في شأنها المجلس الحكومي وفق الفصل 92 من دستور المملكة.

ثالثا - مبررات ترحيل إجراءات مواجهة جائحة كورونا من النص الدستوري إلى العرف الدستوري
يمكن إبراز ثلاثة مبررات لهذا الترحيل:

المبرر الأول: دستوري
يتمثل هذا المبرر في عدم تحمل الحكومة لمسؤولياتها اتجاه المغاربة وتهميش نفسها أمام الجائحة نظرا لعدم ممارسة اختصاصاتها الدستورية لتقديم الحلول والإجراءات المناسبة لتدبير الأزمة، لكونها لم تدرج أي نقطة في جداول أعمال مجالسها الحكومية للتباحث في الإجراءات والقرارات المناسبة لتدبير الأزمة من حيث الوقاية والمواجهة.
وهو ما معناه أن الحكومة لم تتحمل مسؤولياتها اتجاه المغاربة الذين مكنوها من المشروعية السياسية لممارسة السلطة السياسية، ولم تستغل رصيدها السياسي بتوظيفه في ممارسة اختصاصاتها الدستورية.
وهذا الاستهتار الدستوري خلق فراغا تدبيريا كان من الممكن أن يؤدي إلى توسيع الأزمة لتتحول إلى وضع أكثر تعقيدا مما هي عليه، لتتسبب في نتائج كارثية بأرواح المواطنين المغاربة وفي عدد الإصابات، وإلى تفاقم الأوضاع وتوسعها، ولكنا في نفس الأوضاع التي تعيشها البلدان الموبوءة مثل إسبانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية.
هذا الاستهتار بالنص الدستوري تداركه رئيس الدولة باستثمار للعرف الدستوري المتمثل في التوجيهات الملكية وجلسة العمل الملكية، كلجوء احتياطي ناتج عن عدم التزام الحكومة باختصاصها الدستوري.

المبرر الثاني: سياسي
يتعلق بعدم الاهتمام الحكومي باستشعار الخطر الذي سيتعرض له النظام العام وحقوق الإنسان نتيجة الأزمة. وأصبحت الحكومة تسوق الوهم للمغاربة من خلال تصريحات تطبعها السخرية والغرور وليس العقلانية ونسبية التقدير باستثمار المعطيات القادمة من الدول الموبوءة.
وفي هذا الإطار يمكن الرجوع إلى تصريحات رئيس الحكومة الصحفية الذي قال فيها عن الفيروس بأنه مجرد زكام يمضي. وكذلك تصريحات وزير الصحة ليوم 2 مارس 2020 الذي أفاد بأن المغرب يتوفر على ما يكفي من اللوازم لمواجهة الفيروس، لكن في جلسة العمل الملكية حدد بالتشخيص الواقعي حاجيات القطاع الصحي التي قدرت ماليا في ملياري درهم.
كما أن تصريحات "محمد اليوبي" مدير مديرية الأوبئة لم تخرج عن هذا الإطار من السخرية والغرور، إذ كذلك فعل في لقائه الصحفي مع "رضوان الرمضاني" حين صرح، وبطريقة بهلوانية ولغة اليقين، بأن المغرب لن يصل لتلك الحالة التي ستكون فيها شوارع المملكة فارغة والمدارس مغلقة، وأنه يتحمل المسؤولية في هذا القول، لكن أياما قليلة كانت كافية للرد على السيد مدير مديرية الأوبئة.
غير أن كيفية التعاطي مع الوضع من طرف الحكومة وأعضائها ستنقلب رأسا على عقب، لتطبعها الجدية والرصانة والحيوية بعد التوجيهات الملكية وجلسة العمل الملكية، كما أن الأزمة أصبحت تدبر بحزم واهتمام كبيرين، وأصبحوا يستشعرون مسؤوليتهم السياسيةأمام الملك بعد أن أهملوا هذه المسؤولية أما المواطنين.
لكن هذا الاستهتار من طرف الحكومة لا زال مستمرا فيما يتعلق بتدبير قطاع الخارجية لملف المغاربة العالقين في الخارج وفي مدينتي سبة ومليلية. وهذا الملف لا زال عالقا دون حلول تدبيرية لوضع حد لمعاناة حوالي 27 ألف مواطن مغربي وما يقارب 5 آلاف منهم في وضعية هشة ومهينة للأسف، خصوصا بعد مرور شهرين عن قرار غلق الحدود، وهو الملف الذي يشكل وصمة من وصمات العار في تاريخ هذه الحكومة.

المبرر الثالث: مؤسساتي
يتمثل هذا المبرر في الغياب المؤسساتي المتمثل في عدم إحداث المجلس الأعلى للأمن المنصوص عليه في الفصل 54 من دستور المملكة، الذي يتولى بالإضافة إلى اختصاصاته الاستشارية المتعلقة بالتشاور في شأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وكذا السهر على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة، فإن المجلس يتولى تدبير الأزمات وفق الفقرة الأولى للفصل 54 من دستور المملكة.
غياب هذه المؤسسة، التي تختص بتدبير الأزمات وفق النص الدستوري،عن الجسم المؤسساتي الدستوري، وهو الغيابالذي اجتمع مع سوء اهتمام الحكومة بالجائحة بعدم التداول بشأنها في المجلس الحكومي المختص دستوريا بالتداول في القضايا الراهنة المتعلقة بحقوق الإنسان وبالنظام العام، جعل مسألة إدارة الأزمة المترتبة عن الجائحة تعرف فراغا تدبيريا خطيرا.

فهذا الفراغ المؤسساتي، الذي ينضاف لغياب الاهتمام الحكومي، ملأه العرف الدستوري المتمثل في التوجيهات الملكية وجلسة العمل الملكية، خصوصا الآلية الأخيرة التي يمكن القول بأنها عوضت المجلس الأعلى للأمن كعرف ينتمي لعهد دستور 2011. كما أن جلسة العمل الملكية، من حيث الأعضاء المشاركين فيها، تقترب جزئيا من الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس الأعلى للأمن.

فوفق الفقرة الثالثة للفصل 54 من دستور المملكة المغربية، نجد أن المجلس الأعلى للأمن الذي يرأسه الملك، يضم في تركيبته كل من: رئيس الحكومة، رئيس مجلس النواب، رئيس مجلس المستشارين، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الوزراء المكلفين بالداخلية والخارجية والعدل وإدارة الدفاع الوطني، المسؤولين عن الإدارات الأمنية، الضباط السامين بالقوات المسلحة الملكية، وكل شخصية أخرى يعتبر حضورها مفيدا لأشغال المجلس.

أما جلسات العمل الملكية، فهي تنعقد تحت رئاسة الملك باعتباره رئيس الدولة، وذات طبيعة مفتوحة من حيث الحضور، بحيث قد تضم وزيرا واحدا أو عددا محدودا من الوزراء، كما تعرف حضور شخصيات من خارج الجهاز الحكومي كمستشاري الملك والموظفين السامين وشخصيات عسكرية.

وبقراءة بلاغ الديوان الملكي لجلسة العمل الملكية المنعقدة في 17 مارس 2020 برئاسة الملك، نجد أن الأخيرة حضر فيها كل من: رئيس الحكومة، وزير الصحة، وزير الداخلية، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، قائد الدرك الملكي، المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني.

فمن خلال مقارنة جهات حضور جلسة العمل الملكية بتركيبة المجلس الأعلى للأمن، نقول بأن جلسة العمل الملكية قريبة نسبيا من المجلس الأعلى للأمن، وهو ما يجعلنا نقول بأن جلسات العمل الملكية تشكل عرفا دستوريا عوضت المجلس الأعلى للأمن كمؤسسة تنتمي للنص الدستوري بسبب عدم إحداثها، وهذا التعويض قائم في ظل دستور 2011 دون العهد السابق له.

بناء على ما نوقش لحد الآن في هذا المقام، يتضح أن هذه الجائحة التي يعيشها المغرب، قد عمقت من أزمة الاختيار الديمقراطي بالمغرب، ومسؤولية هذه الأزمة تتحملها مؤسسة الحكومة التي تخلت عن اختصاصاتها الدستورية بشكل جسيم في ظل غياب المجلس الأعلى للأمن الذي لم يُحدث بعد مرور ما يقارب عقد من الزمن على دخول دستور 2011 حيز النفاذ، وهذا الاستهتار لم يكن من بد للحد من مساوئه دون اللجوء إلى العرف الدستوري من طرف الملك. كما ان هذا الوضع المتسم بأزمة الاختيار الديمقراطينتيجة عقم التدبير الحكومي للجائحة تتحمله الأحزاب السياسية التي لم تنبه الحكومة في الوقت المناسب لتدارك هذا المنحى غير الملتزم بالاختيار الديمقراطي الذي يقتضي التقيد بالنص الدستوري في ممارسة الاختصاصات وليس الامتناع عن ممارستها أو التنازل عنها. وهذا الاستهتار يجعل من المشروعية السياسية للحكومة في أزمة ويعرض رصيدها السياسي للموت.

رابعا - مبدأ دولة القانون والشفافية يسائل السلطات العمومية في تدبير الجائحة.
أنتجت التدابير الوقائية التي اتخذها مجلسي البرلمان انتهاكا صارخا للدستور، فعوض أن يكون لمؤسسة البرلمان دورا كبيرا في دمقرطة النظام السياسي والحرص على تنفيذ الدستور والقانون ببذل المجهود المطلوب لتحقيق تلك الغاية، نجده بتدابيره الوقائية ذهب عكس التيار وعقلن أعماله أكثر مما هي عليها، وذلكحين اكتفى في حضور البرلمانيين، للجلسات العامة المرتبطة بالتصويت، على رؤساء الفرق أو المجموعات النيابية أو من ينوب عنهم وبعضوين عن كل فريق أو مجموعة نيابية في مقابل التحجير على ياقي الأعضاء، إذ يشكل هذا الإجراء خرقا سافرا للدستور ولا يمكن تبريره بأي ظرف أو عذر كيفما كان الوضع، لكون منع عضو برلماني عن ممارسة حقه الدستوري المتمثل في التصويت على القوانين يشكل تجميدا للفصل 60 من الدستور الذي جعل من حق التصويت حق شخصي لأعضاء البرلمان ولا يمكن التصرف فيه من قبلهم بالتفويض، غير أن رؤساءالفرق البرلمانية والمجموعات النيابية، في فترة الجائحة هذه، تصرفت عكس النص الدستوري للفصل 60 من الدستور في التصويت على مشاريع القوانين المعروضة على اللجان الدائمة في مجلسي البرلمان وفي جلساتهما العامة، بحيث تصرفت بالتفويض في حق البرلمانيين المتمثل في التصويت كحق لا يقبل التفويض، ونحن ننتظر من أحزاب المعارضة ممارسة اختصاص إحالة هذه القوانين على المحكمة الدستورية لتبت في مدى دستوريتها وتحصين العمل التشريعي من هذا التجاوز الدستوري السافر.
كما تجدر الإشارة أن المغرب تراجع بثلاث نقاط في مؤشر سيادة القانون، واحتل المرتبة 79 من أصل 128 دولة شملها التصنيف.

ففي ما يتعلق بالمؤشرات الثمانية لتقييم سيادة القانون، نجد أن المغرب احتل المركز:
- 74 في المؤشر الفرعي المرتبط بالقيود المفروضة على السلطات الحكومية؛
- 86 في مؤشر الحكومة المفتوحة؛
- 103 في مؤشر الحقوق الأساسية؛
- 73 في النظام والأمن؛
- 46 في إنفاذ اللوائح التنظيمية؛
- 60 في العدالة المدنية؛
- 83 في العدالة الجنائية.
وفي ظل هذه الجائحة، نجد أن هناك عددا من الحالات التي لم يحترم فيها القانون وشكلت مسا صارخا بحقوق الإنسان، ومن قبل ذلك صفع رجال السلطة والأمن والقوات المساعدة للمواطنين، وهي سلوكيات شكلت إخلالا بمدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم 34/169 المؤرخ في 17 دجنبر 1979.

فالمادة الثانية من هذه المدونة تنص على أنه "يحترم الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين، أثناء قيامهم بواجباتهم، الكرامة الإنسانية ويحمونها، ويحافظون على حقوق الإنسان لكل الأشخاص ويوطدونها".

والمادة الثالثة منها تنص على أنه "لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم".
كما أن هذه السلوكيات لم تحترم النص الدستوري المتجسد في الفصل 22 من دستور المملكة الذي ينص على أنه "لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة، كانت خاصة أو عامة"، ويضيف في الفقرة الثانية منه بأنه "لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية، أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية"، ليؤكد في الفقرة الثالثة منه بأن "ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون".

وهذا بالإضافة لحالات أخرى تجسد للعودة السلطوية للدولة كما رصد ذلك الخبير في حقوق الإنسان "عزيز أيدامين"؛ كالقاصر الذي توفي أثناء الحراسة النظرية بالجديدة، ووفاة امرأة على إثر دفعها من قبل ممثلة للسلطة (قائدة) حسب شهادة ابنها وشهود عيان بمدينة تاونات. بالإضافة إلى استعمال آلية القمع بالحيلة عبر لَيِّ أعناق النصوص القانونية لتتناسب مع غاية اعتقال عدد من المدونين بعد أن عبروا عن رأيهم؛ كعمر الناجي بالناظور، وأمين الحسناوي بالراشدية، والشاب حميد النعيمي الذي اشتكى من العطش والفقر فحكم عليه ابتدائيا بثلاثة أشهر سجنا.

كما أن تدبير الأزمة شهدت ممارسات يطبعها عدم الشفافية والمسؤولية أمام المواطنين المغاربة وأعضاء البرلمان، وتتمثل بعض هذه الممارسات في تصريحات المسؤولين الحكوميين حول الجائحة وخطورتها والاستعدادات المحققة لمواجهتها، فهي تصريحات كما سُلف الذكر طبعها نوع من السخرية والبهلوانية والغرور. نضيف إليها ما طرحه إجراء الاقتراض من نقاش بين النائب البرلماني "عمر بلافريج" ووزير المالية في لجنة المالية بمجلس النواب، وما صاحب هذا النقاش من مزايدات فوضوية من قبل رئيس اللجنة المذكورة في التصريحات الإعلامية؛ "فبشعبون"، وزير المالية، رفض تقديم معلومات "لبلافريج" حول المبلغ المالي الذي تحتاجه الحكومة من العملة الصعبة لكي يتمكن المغرب من اقتناء القمح والمحروقات والمواد البترولية، وهذا الرفض من قبل وزير المالية كان موقفا مخالفا لمبدإ الشفافية ليشكل أساسا مُقْنِعا و واقعيا رفض على أساسه"بلافريج" التصويت لصالح مرسوم قانون الذي يجعل من قيمة الاقتراض الخارجي غير محددة بعدما كانت محدد في 31 مليار درهم بموجب قانون المالية.

ولم يقف الموضوع عند هذا الحد، بل أخذ مسارا فوضويا حين وظف "عبد الله بوانو" رئيس لجنة المالية بمجلس النواب حملة إعلامية طبعها التشويه والمزايدة على نائب برلماني مارس حقه الدستوري باستقلالية وحرية تامة، بل تجاوزت هذه الحملة الإعلامية إلى حد تزوير الحقائق حين صرح "بوانو" بأن "بلافريج" الذي نصب نفسه مدافعا على قطاع الصحة رفض التصويت لصالح المرسوم الذي سيمكن قطاع الصحة من شراء المستلزمات الطبية الضرورية لمواجهة الجائحة، وهذا مكمن المغالطات والتزوير، لأن مرسوم قانون تجاوز سقف الاقتراض كان لغاية اقتناء القمح والمحروقات والمواد البترولية دون تحديد القيمة المالية لهذه الحاجيات، وليس لاقتناء المستلزمات الطبية التي رصد لها مبلغ ملياري درهم من الصندوق المحدث لتدبير الجائحة.

وفي المقابل كانت هناك مجموعة من الإجراءات التي تقيدت بمبدإ الشفافية مثل تقنين أسعار الكمامات والمطهرات الكحولية، وكذا العمليات المرتبطة بتدبير صندوق كورونا كوفيد 19، بالإضافة لمعالجة السلطات العمومية لعدد من التجاوزات المرتكبة من طرف ممثليها.

خامسا - كورونا والأفق المستقبلي.
يقول المفكر الفرنسي "جاك أطالي" أن الكثير من الأوبئة الخطيرة التي لحقت بالإنسانية كانت وراء العديد من التحولات السياسية والثورات التي غيرت التاريخ، ويعطي المثال بوباء الطاعون في القرن 14 الميلادي الذي ساهم بشكل كبير في التخلص من هيمنة الكنيسة، ومهد لظهور الدولة الحديثة.

كما أن الأزمة المالية لسنة 2008 جاءت على الأخضر واليابس مما تبقى من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية بسبب الخيارات النيوليبرالية التي أفشلت دولة الرعاية الاجتماعية.
فوباء كورونا كوفيد 19 يضعنا أمام سيناريوهين:

السيناريو الأسوأ: وهو أن يحل محل الجائحة طاعون النيوليبرالية بشكل أكثر وحشية من أجل تعويض الخسارة التي تكبدتها الأسواق المالية والبورصات والشركات العملاقة نتيجة لهذه الجائحة، التي سينتج عنها مزيدا من الرقابة والتقييد للحقوق والحريات، واستهداف ما تبقى من المكتسبات الاجتماعية الهشة، وعلى الصعيد المحلي يمكن الإشارة إلى مشروع قانون 22.20 الذي يعتبر جزءا من هذا السيناريو الأسوأ لتوافقات"الأوليغارشية" الاقتصادية مع السلطة السياسية بالمغرب.

السيناريو الأفضل: أكدت الأزمة من جديد على هشاشة المقومات الاجتماعية والاقتصادية للديمقراطية بالمغرب، وهي الهشاشة التي تنضاف لجوانب المحدودية التدبيرية المرتبطة بالجانب الدستوري والسياسي، ما يجعل مبدأ الاختيار الديمقراطي بالمغرب في أزمة.

ودروس أزمة كورونا تفرض على الدولة أن تتدخل لتوجيه السياسات العمومية وفق ما يخدم المقومات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ثم القانونية في أفق التأسيس لدولة الرعاية الاجتماعية باعتماد خيارات متكاملة وفق الآتي:
- عودة الدولة الاجتماعية والمستثمرة في القطاعات الاجتماعية وأن تتحمل مسؤولياتها اتجاه المواطنين وفق ما يحقق تنمية مستدامة؛
- تجاوز أزمة المشروعية السياسية عبر برنامج تعاقدي بين المواطنين والسلطة السياسية قائم على مبدإ المسؤولية والمحاسبة؛
- تحديد نموذج بديل للتنمية يحل محل النظام السياسي والاقتصادي السائد؛
- استئصال مفاهيم مثل اقتصاد السوق ورهن الحقوق والحريات بالمضاربة والبورصة والتوازنات الماكرو اقتصادية، وتجذير مفاهيم بديلة تركز على توزيع الثروة بما يضمن القضاء على الفقر والهشاشة وتحقيق الرفاه الاجتماعي؛
- خلق تعليم متطور يرتكز على الابتكار والإبداع وليس الاستنساخ والاستهلاك؛
- تأهيل التعليم للمساهمة في منظومة التنمية العصرية المستدامة من خلال نقل اهتماماته بمحاربة الأمية الأبجدية ورهنه بالمصنع إلى محاربة الأمية المعرفية والقيمية والأخلاقية والتقنية المبرزة للشخصية المغربية الحقيقية؛
- الرفع من المخصصات المالية للبحث العلمي حتى يكون المرجع في بلورة السياسة العامة والسياسات العمومية وفق حاجيات المغاربة وتوجهاتهم؛
- إقرار الضريبة على الثروة وقانون الإثراء غير المشروع؛
- الاهتمام بخلق الصناعات المحلية عبر الاستثمار في الموارد البشرية؛
- مواكبة التطورات المجتمعية بخلق الحداثة السياسية ودينامية التحديث السياسي.

*طالب باحث في سلك الدكتوراه


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح