بدر أعراب يكتب.. المصور الصحفي "محمد العبوسي" واحد من "الجنود المجهولين" في الحرب على "كورونا" بالناظور


بقلم | بدر أعراب


ونحنُ نقترب من بُلوغِ مرحلة الشّروع في مباشرة عملية التلقيح ضدّ الوباء المُعدي، هذه الجائحة العالمية التي دشنت لتاريخٍ لن يُنسى قطّ من سيرة البشرية، وبدء مرحلةٍ أخرى هي على الأصّح مرحلة العودة من خطر الموت المُحدّق بعيونه صوب الجميع، إلى الحياة السّالفة التّي تلوح في الأفق مؤشرات بأخذ مجراها الطبيعي في غضون الأسابيع القادمة بعدما وجد الناس قاطبة أنفسهم على المحك، ساغ لنا الحين أن نُدلي بكلمةٍ لا بدّ منها، قبل طيّ صفحةٍ سوداء من صفحات تاريخٍ ليس بمقدور من عاش أطوار مجرياته نسيان حَدثها الجلل الذي تعثرتْ عنده البشرية جمعاء، قبل نهوضها من جديد للتشمير عن السواعد ونفض الغبار عليها استئنافاً للمسير رأسًا على طول خطّ الطريق.

ففي الوقت الذي رأينا فيه جميعا، كيف صفّق السّواد الأعظم للمُرابطين الذين اصطفوا على خطّ الصُّفوف الأماميّة من جبهة الدّفاع الأولى وجهًا لوجه أمام شبح الفيروس التّاجي الفتّاك، من ذوي البزّة البيضاء والبذلة الزرقاء من أطباء وممرضين وأمنيين وعمّال النظافة، تغافل الجميع عن الإشادة بالدور الكبير الذي لعبه جنديٌّ كان هو الآخر من الجُنود الأشاوس الخائضين للحرب الضّارية الدائرة رُحاهـا وسَط شوارع المدن الخالية على عروشها إبّان الحظر تلو الحظر، وداخل مختبرات الكشف الطبية ومصالح الحجر، وكانوا عن حقٍّ وحقيق أبطالاً أدُّوا الرسالة كما لزم وبكل أمانة، وقاموا بما يتوجب القيام به من منطلق الواجب المنوط بهم والمُلقى على كاهلهم، بكل تفانٍ وأناةٍ.

هذا الجنديّ الذّي جاز وصفه بـ"الجنديّ المجهول" في معمان حربٍ حامية الوطيس في زمن "كورونا"، هو الصحافي، وبالأخص الصحافي الفوتوغرافي الذّي يقف في العادة خلف العدسات المُسلطة لدوائر أضوائها على كلّ النّاس إلا على شخصه وباستثنائه هو؛ إذ لم يتوان محمد العبوسي كغيره من زملائه الصحافيين الفوتوغرافيين في كلّ الربوع والأقطار، عن حمل عدسته على كتفه كما لو كان عسكريًّا حقيقيا يحمل "كلاشينكوف"، في استعداد تامٍّ لخوض معركة البحث عن المعلومة المفقودة في أتون الحرب البيولوجية؛ وبينما لجأ الجميع على مداها إلى عقر المنازل للاحتماء بجدرانها من شبح الفيروس المَوَّات، كان الصِّحافيّ يواجهُ مصيرًا مفتوحاً على كل احتمالات الخطر، بما فيه احتمال خطر الهلاك وتعريض سلامته الصحية للفتك.



ليس مغالاةً في الزّعم، أنّ الصحافي الميداني، هو واحدٌ ممّن خاطر بحياته من أجل نقل "المعلومة المقدسة" التي ظلّ يُفتّشُ عنها بين رُكام وحطام مخلفات حربٍ بيولوجية قاسية رزح الجميع تحت وطأتها، كأنّه يُفتّش عـن إبرة وسط كومة قشّ، لكي يقوم تالياً بإيصالها طازجةً بين يدي المواطن، في إطار مواكبة تفاصيل آخر ما اُستجد في ساحة المعركة أوّل بأوّل، من معطيات وتفاصيل وتطورات على مستوى الوضع الوبائي الذي آبت منحنياته "التسطيح"، عندما كان الأطباء والممرضون الأمنيون أسياد الموقف ومتصدري المشهد ونجوم السوشيال ميديا.

لن ينسى صحافيو الميدان ما حيِيُوا أنّ الأقدار شاءت، أن يتواجدوا ذاتَ لحظاتٍ فارقة في عزّ الجائحة، بين فكيّْ وحشٍ كاسر متغطرس وشديد البأس يدعى "كورونا"، باطشاً وخابِطا بأذرعه الأخطبوطية خبطَ عشواء جاعلاً من تُصِبْه في عِداد الهالكين؛ دخلوا بصدورٍ عاريةٍ مفعمة بروح البسالة جحوره الموغلة في اللاّمكان، ودخلوا دهاليز أقسام الكوفيد السرّية بقلوب ترتجف وجلاً وتتضرّع إلى ربّها في النجوى والسرائر أنْ يَقي من خلالهم من تركوهم في المنازل منتظرين عودتهم من الحرب سالمين غانمين، فأنْ تقودك رجليْك بمحض إرادتك إلى مستقر ومرتع البعبع المخيف لالتقاط صورٍ له عن كثب، معناه أنّك مُغامرٌ لا تخشى العواقب والصعاب.

سنروي لاحقاً للأحفاد تفاصيل قصّة "الجندي المجهول" الذي تعرفه كلّ حرب، أما في حربنا هذه فقد عرفنا أنّه ذاك الصحافي الذي ألقى الحبل على غارِبِهِ واتجه رأسًا دونما نُكُوص إلى الخلف نحو ساحة الوغى، كعسكريّ في أتّمِ الاستعداد والجاهزية لِلكَبْسِ على زناد العدسة لإصابة رأس "الهدف" في مقتل، مهما تطلّب الأمر تعريض حياته لخطر كاسح وحاصدٍ لحصيلة ثقيلة من الأرواح، فألف رحمةٍ ونور على أرواح زملائنا الصِّحافيين ممّن أدّوا واجب الرسالة النبيلة السّامية وأبلغوا الأمانة قبل أن يرحلوا من جراء الوباء، في صمت وبلا إشادة.

ملحوظة: وأنا أكتب هذا المنشور، ظلّت صورة الفوتوغرافي الصحافي محمد العبوسي قيد الخاطر، حاضرة بقوّة في الذّهن، فلَربّما كان هذا المصوّر الرجل الذي يحمل وجه طفلٍ بشوش، المعنيّ بهذه الشذرات على غرار العديدين ممن يشتغلون في ذات مجال تخصصه، بفضل تفانيه في أداء عمله كما يجب، من منطلق الواجب الذي تمليه الرسالة السّامية، في زمن الحرب على "كورونا".


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح