الكبير حنو يكتب... المجتمع المدني بجهة الشرق والتصدي لجائحة كورونا تعزيز التلاحم بين الشعب والعرش


الكبير حنــو

يستقبل المجتمع المدني يومه الوطني في الثالث عشر من شهر مارس لهذه السنة بطعم مر لجائحة كوفيد-19 التي لا تزال تهدد البشرية. جائحة شرسة، لا تفرق بين الجمعية والتعاونية ولا الهيئة أو الكونفدرالية... شعارها الوحيد، الفتك بالأرواح، إنهاك الأجساد، انهيار الاقتصاد وقطع العلاقات الاجتماعية.

لكن بمجرد انتشار الوباء والإعلان عن الحجر الصحي، وضعت الهيئات المدنية بجهة الشرق الاختلافات فيما بينها جانبا، وتجندت بتنسيق مع السلطات المحلية والمصالح الصحية استجابة لنداء جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله في خطاب 20 غشت 2020 " أدعو كل القوى الوطنية، للتعبئة واليقظة، والانخراط في المجهود الوطني، في مجال التوعية والتحسيس وتأطير المجتمع، للتصدي لهذا الوباء".فالمجتمع المدني بجهة الشرق يتميز بالفعالية والكفاءة والتدخل في مجالات مختلفة:ثقافية، تربوية، رياضية، سوسيو-اقتصاديةوغيرها.

تعبئة الجمعيات

في هذا الصدد، بدا لوكالة جهة الشرق حتمية تحسيس شركائهاللمساهمة في الحد من أثار الوباء وذلك باعتماد التناظر عن بعد، فقامت في إطار مقاربتها التشاركية والتشاورية مع النسيج الجمعوي الذي جعلت منه امتدادا ترابيا لها بمختلف مكونات الجهة، والذي يفوق 600 جمعية وتعاونية، بحثهم على القيام بحملات توعوية للتصدي لانتشار الفيروس والالتزام بالحجر الصحي.

ومن أجل توفير الكمامات، وفي إطار خطتها الرامية لتطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني عن طريق الانشطة المدرة للدخل، دعمت الوكالة بعض التعاونيات،لإنتاجكمامات قابلة لإعادة الاستعمال،تستوفي المعايير المعتمدة من قبل وزارة الصحةوفق شهادة مسلمة من أحد المختبرات المعتمدة وتوزيعها على الفئات الفقيرة.
مبادرات القرب

وأمام انتشار عملية التشكيك في وجود هذا الفيروس التي بدأت تتسع كل يوم، كان لزاما اللجوء إلى طرق جديدة للتواصل قادرة على استرجاع الثقة التي فُقدت نوعا ما خاصة من طرف الشباب.

وقد شكلت مدينة الناضور مهد انطلاق مبادرة مدنية مبتكرة من طرف جمعية مركز الدراسات التعاونية للتنمية المحلية "سيكوديل"، تهم إحداث لجان لليقظة المحلية مكونة من متطوعين على صعيد الحي أو الدوار، يحضون بالاحترام والوقار من طرف الجيران مما يسهل عملية التواصل والإصغاء للالتزام بالتدابير اللازمة للوقاية، والحفاظ على أنشطة الدخل بالنسبة للفئات المياومة الهشة. هؤلاءالمتطوعون يعملون تحث إشراف جمعيات محلية مشهود لها بالكفاءة والعمل الميداني طوال السنة، والتي تنسق بدورها مع الجمعية الإقليمية المشرفة على هذه المبادرة بتنسيق وتعاون مع السلطات المحلية. وبهذا يجوب المتطوعون شوارع وأزقة الأحياء والأسواق والمقاهي ومحطات النقل والحافلات والأماكن العمومية... للتحسيس باليقظة للحد من انتشار العدوى والتدابير الوقائية الموصى بها من لدن المصالح المختصة. ويتعلق الامر باستعمال الكمامة بطريقة سليمة، الغسل المستمر لليدين، التعقيم، التباعد الاجتماعي، التقليص من التنقلات...

وبعد أن داع صيت هذه المبادرة التي تحمل شعار "فيروس كورونا، ياما هو ياما حنا"، تبنتها فعاليات المجتمع المدني بأكثر من عشرين مدينة كالحسيمة، طنجة، مكناس، الجديدة، أكادير، الدريوش... وعملت على تكييفها حسب الظرفية المحلية واللهجة الاكثر تعاملا بين الساكنة.

إلا أن المجتمع المدني بإقليم جرادة،الذي انخرط بدوره في هذه المبادرةوالتي اتخذ لها شعار" حنا كاملين، نخرجو منها سالمين"، أبدع يوم الدخول المدرسي، الذي تزامن مع تسجيل رقم قياسي في صفوف المصابينتجاوز الألفين مصاب على المستوى الوطني. فمن أجل سنة دراسية آمنة،خاصة بالنسبة للذين فضلوا التعليم الحضوري، وإلى جانب المجهودات التي بدلتها أكاديمية التربية والتكوينوالأسرة التربوية والإدارية، دعا القائمون على هذه المبادرة بهلوانات "كلون" لمرافقتهم قصد ضمد الجراح التي خلفها الحجر الصحي على أطفال التعليم الأولي والابتدائي، وليشرحوا لهم بطرقهم البهلوانية الخطر المحدق الذي يتربص بهم وتدابير الوقاية الأساسية من الفيروس. وقد تجاوب الاطفال بكل عفوية مع هذه النصائح الهامة التي جذبت اهتمامهم والتي أعطت إلى حد الآن نتائج مرضية.

كما تم تشكيل لجينات للتلاميذ على صعيد كل قسم لمواكبة زملائهم في الدراسة من أجل احترام المعايير الصحية، وذلك تحت إشراف لجنة المدرسة المؤطَرة من طرف الطاقم التربوي ومن الجمعيات المحلية المعنية.وأُحدثت أيضا لجنة الجداريات للتعبير فنيا عن خطر الوباء وطرق الوقاية، ولجنة الفاسبوك لاستهداف رواد الفضاء الازرق.

وبإقليمي الناضوروالدريوش لجأت وكالة جهة الشرق إلى تكييف الاتفاقية المبرمة مع جمعية تسغناس للثقافة والتنمية من أجل مواكبة هذه الفترة العصيبة. وفي هذا الصدد نظمت الجمعية عملية "عيد مبارك" فقامت بتوزيع الملابس على نزيلات ونزلاءمؤسسات الرعاية الاجتماعية ودور المسنين ومنح كمامات لأطفال في وضعية الشارع ولأشخاص بدون مأوى.

ولم يتم التخلي أيضا عن أبناء الرُحل بإقليم فڭيڭالذين لازموا الحجر الصحي في خيامهم المتواجدة أحيانا بمناطق خارج تغطية المواصلات، لم تُمكنهم من متابعة الدروس عن بُعدأو لعدم توفرهم على لوازم معلوماتية. وفي هذا المضمار، تطوع أعضاء الجمعية الخيرية الإسلامية لتندرارة لطبع الدروس والتنقل بالنجود العليا لتسليمها لهؤلاء التلميذات والتلاميذ بخيامهم. أما ببركان، فقد عملتالسلطة الإقليمية والوكالة على تحسيس جمعيتين لاقتناء لوحات إلكترونية وهواتف ذكية لفائدة تلاميذ السنوات الإشهاديةبالعالم القروي، وتم بعد ذلك، توسيع هذه المبادرة لتشمل قرى أخرى بكافة أقاليم الجهة.

كما أن مغاربة الخارج المنحدرين من جهة الشرق وكعادتهم، لم يتخلوا عن وطنهم في هذه الفترة الاستثنائية، فبعثوا دعما ماديا لجمعيات نشيطة بأحيائهم ودواويرهم، قصد توزيع مواد غذائية على المحتاجين بتنسيق مع السلطات كما هو الشأن بالنسبة لجمعية الريف التنمويةبإقليم الدريوش.

ومن أجل الحفاظ على الإشعاع العالمي لمدينة الناضور الذي خلقه في السنوات الماضية المهرجان الدولي للسينما، قررت إدارة المهرجان وبتعاون مع الجامعة المستقلة لمكسيكو ومؤسسة الثقافات الثلاث وشركاء آخرين، تنظيم دورة استثنائية هذه السنة تحت عنوان "المغرب وأمريكا اللاتينية : السينما والذاكرة المشتركة في زمن كورونا" بحيث تم عرض الافلام بمدرجات الكلية المتعددة التخصصات بسلوان أمام عدد محدود من الطلبة والمتفرجين والنقاد في احترام تام للشروط الصحية.

التضامن والتآزر لمواجهة الجائحة

وفيما يتعلق بالجانب العائلي الذي سجل معاناة كثيرةعلى المستوى النفسي، سيما لدى الأكثر هشاشة، فإن الفترة الأولى من الحجر الصحي التي تميزت بالخوف والرعب من شبح الوباء ومن المصير المجهول، شهدت تلاحما وتآزرا بين أفراد العائلة. فعدد النساء المعنفات خلال شهر أبريل بإقليم الناظور مثلا لم يتعدىعشرون حالة. غير أنه مع تمديد الحجر الصحي طفت على السطح مشاكل عائلية عديدة،سواء مع الأبناء الذين اعتادوا من قبل قضاء أوقات طويلة خارج البيوت، أو بين الأزواج أنفسهم. فعلاوة على الاشغال المنزلية المعتادة، واجهت النساء مسؤولية جديدة كحراسة الأطفال أثناء التعلم عن بعد والمتطلبات المتعددة للأزواج وأحيانا الاهتمام أيضا بمسنين وبأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، فتضاعف عدد النساء المعنفات. ومن أجل التصدي لهذه المعضلة، تحركت الجمعيات المعنية ومراكز الاستماع والتوجيه للنساء ضحايا العنف،لمساندتهن وإجراء محاولات للصلح بين الزوجين أو توجيه المعنفات للمحاكم المختصة.

وعلى المستوى الاقتصادي، ومن أجل مساندة المقاولات الصغيرة جدا التي أصبحت مهددة بالإفلاس وتسريح العمال بسبب الوباء، وكذا المؤسسات السياحية التي عاشت أنشطتها هذا الصيف أسوأ فترة مند إحداثها، تطوع المجتمع المدني لتحسيس المواطنين من أجل تفضيل استهلاك المنتوج المحلي وتشجيع السياحة الداخلية.

إن المجهودات الجبارة التي بدلتها فعاليات المجتمع المدني إلى جانب مختلف المتدخلين خاصة المتواجدين في الصفوف الأمامية، أعطت أكلها بجهة الشرق، مما جعل بعض مناطقها قبلة للسياحة الوطنية خلال الصيف المنصرم، ويتعلق الأمر بالمحطة السياحية السعيدية وبحيرة المارشيكااللتان كانتا هذه السنة في طليعة المناطق السياحية على المستوى الوطني، بفضل توافد السياح المغاربة الذين استمتعوا بعطلتهم الصيفية بالشواطئ الشرقية في احترام تام للمعايير الصحية خلال هذه المرحلة الاستثنائية العصيبة التي تمر منها بلادنا. ففترة الوباء شكلت درسا حقيقيا لكافة المتدخلين، بحيث أصبحت ضرورة إعادة النظر في تعاملاتنا أمرا حتميا والإنسان يجب ان يكون في قلب السياسات العمومية والاهتمامات الاولية للمجتمع المدني، الذي يجب ان ينخرط أكثر في الاستثمار في الرأسمال البشري، في التربية على القيم والمواطنة، لتجاوز كل العقبات والحفاظ على صحة وحياة الآخرين، خاصة وأن بلادنا كانت من بين السباقين لحملة التلقيح،التي جعلتنا اليوم من بين الأمم العشر الأوائل على الصعيد العالمي، والتي أعطى انطلاقتها وأمر بمجانيتها جلالة الملك نصره الله.


دكتور جامعة فر انسوا رابلي بفرنسا
مدير قطب التنمية المحلية بوكالة جهة الشرق



تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح