الشّجرة الهُلاميّة "رحلة إلى باريس في زمن كورونا" لعبد السلام بوطيب أو "دُولُورِيسْ إيبارّوري غوميس زمن الكورونا


الشّجرة الهُلاميّة "رحلة إلى باريس في زمن كورونا" لعبد السلام بوطيب أو "دُولُورِيسْ إيبارّوري غوميس زمن الكورونا
عبد الحسين شعبان/ مفكرو أديب وحقوقي عراقي


رواية الشّجرة الهُلاميّة "رحلة إلى باريس في زمن كورونا" للسياسي-الحقوقي المغربي قد تشكل ثورة في عالم الرواية السياسية، و قد ذكرتني الرواية بقصيدة للشاعر الإنجليزي الكبير تشارلز ماكاي ، التي يعجب للكاتب دوما التصرف فيها بهذه الطريقة :
ليس لديك أعداء، تقول؟
للأسف يا صديقي،
التفاخر ضعيف،
من اختلط في معركة الواجب التي يتحملها الشجعان، لا بد أنه خلق أعداء،
إذا لم يكن لديك أي عدو، فما أضعف العمل الذي قمت به،
لم تضرب أي خائن في وركه.
لم تحطم كوبًا في الشفاه المجروحة.
أنت لم تكتب أفكارك،
ولم تحملها في قلبك،
أنت لم تحول الخطأ إلى الصواب أبدًا.
لقد كنت جبانًا في القتال و القول و الكتابة.
في حجره الباريسي الإجباري تزاحمت على كاتب الرواية ، الفاعل الحقوقي و الساسي عبد السلام بوطيب، الأيام والليالي، بل والسويعات، فلجأ إلى القص عبر حوار مع شجرته الأثيرة التي كانت منتصبة مقابل شباك شقته التي اكتراها، وأمام غرفة الاستقبال بالذات، فبعد بضعة أيام ثقيلة أصبح صوته واهناً وعيناه حزينتين وحركته صعبة ، لكنه لم ييأس أو يستسلم وهو المرفوق بالأمل، فاستفز ذاكرته بالحوار، حتى كشف عن بعض مكنوناتها، وبالطبع حاضرها، وهي مستودعٌ للكثير من الحكايات والأسرار والمعلومات، وحاول أن يقدمها بحبكة درامية لتجارب مريرة في غالبيتها، تعكس ثقافته الصافية والأنيقة.
الذاكرة تمطر وحشة وغموضاً وعطراً:
لم يدع عبد السلام بو طيب لحظة تهرب من بين أصابعه أو اعتبار ما حصل امراً محبطاً ومؤثراً على معنوياته بحيث يعطل طاقته الإيجابية التي يُعرف بها، فاستدرج نفسه، مثلما استدرجته الذاكرة إلى التدوين والكتابة لرؤية تمطر وحشة وغموضاً وعطراً، رواية تشبه أعماق النفس البشرية، وأستطيع أن أقول تشبه عبد السلام بو طيّب كما عرفته.
لم يخفي منولوجه الداخلي حزنه المعتّق على الرغم من ابتسامته التي لا تفارق محيّاه، لكن هذا الحزن صار مضاعفاً خلال فترة حصاره الباريسي، بسبب اجتياح العالم "فايروس كورونا" كوفيد 19 ، وبدلاً من الإحتفال مع ابنته الكبرى يسرا لتخرّجها من إحدى مدارس الهندسة، تمّ حجره ، وخصوصاً حين تم تعطيل الطيران إلى بلده وبقية أقطار العالم.
أمازيغية واعتزاز:
لا يتردد الراوي في التعبير عن أمازيغيته بكل اعتزاز، ورغم انه لا يريد تقليب المواجع كما يقول، إلاّ أن ألمها يطفح حين يستعرض التاريخ أو يدع الشجرة تستعرضه بدلاً عنه في لعبة ذكية بتبادل المواقع، لكن التاريخ لا يمكن استعادته ولا بدّ للإستفادة من دروسه وعبره للحاضر والمستقبل.
الهوية وتداعياتها:
لكن عبد السلام الذي يبدي حساسية عالية إزاء الغزوات التي تعرضت لها المنطقة، سرعان ما ينتبه وكأنه في غفلة عن المتاجرين بالهوية، فيقول: إن مأساة اللغة الأمازيغية يا صديقتي دولوريس تكمن في أنها ذهبت ضحية بعض المدافعين عنها، وهو يقصد المتطرفين فيها ضد الآخر، سواء كانوا بحسن نيّة أو بغيرها مثلما ذهبت ضحية بعض المتعصبين للغة العربية من القوميين (بمعنى التسيّد)
عالم مليئ بالأسرار:
عالم عبد السلام بو طيب لا ينفتح بسهولة على الرغم من بساطته، ولكنه يبقى غامضاً ومبهماً وهو بحاجة إلى جهود استثنائية وإلى محفزّات، فأقفاله مصنوعة بدقة لأن خزانته تحتوي على أسرار وخفايا وخبايا ومشاريع وتكوينات بصرية وسمعية وطموحات سياسية ومساومات وتحالفات مختلفة، وقد تبدو متناقضة، فهذا هو عبد السلام وعلينا أن نأخذه كما هو بتناقضاته وتضاداته واجتهاداته.
وكما يقول الجواهري شاعر العرب الأكبر:
ولم أر في الضدائد من نقيضٍ
إلى ضدٍ نقيضٍ من ضريبِ
المنولوج الداخلي:
في اليوم التاسع والثلاثين تبدأ لواعجه تتداعى فتسأله الشجرة لماذا أنت حزين؟ وكان جوابه طريفاً ومعبراً في آن: أنا مشتاق لوسادتي ، وهنا تذكرت سعدي يوسف حين يعبر عن غربته بقوله في ديوانه الأخضر بن يوسف ومشاغله:
يبلل ماؤه طعم الوسادة في ليالي النوء والحسرة
ويأتي مثل رائحة الطحالب أخضر الخطوات يمسح كفّي اليمنى
بغصن الرازقي أفق
أنا النهر
ألست تحبني
أولمْ ترد أن تبلغ البصرة
بأجنحة الوسادة؟
أيها النهر
أفقت...أفقت
فوق وسادتي قطرة
لها طعم الطحالب إنها البصرة

غادر السجن ولم يغادره السجن:
يقر الكاتب لشجرته ، أنه ما يزال يحس أنه مسجونا ، و لم يغادر سجنه، في السجن الذي يسكنه، كل شيء يتغيّر بما فيه النظرة إلى الزمن والعادات والأشياء، وهذا ما عاناه حتى حين صار طليقاً أيام الحجر المفروض التي استمرت 100 يوماً، بالرغم من تألفه مع وضعه الجديد بالاعتماد على تجارب بشرية، فقد كان نيلسون مانديلا طيلة أيام سجنه التي استمرت 27 عاماً يزرع أشجاراً في قنينات الزيت الفارغة من سعة 5 ليترات، ويعتبرها هي الوحيدة الحرّة في ذلك السجن، أي من صديقاته وأصدقائه الأحرار.
ولقد ظل الكاتب مهجوساً بسجنه وهو هاجس له بُعد حقوقي وإنساني، ليس كضحية فحسب، بل قد يكون تجاوز ذلك، محاولاً توظيف ثوريته القديمة باتجاه آخر، أو ربما أكثر دقّة تحويل مجراها، إلى اتجاه آخر على الرغم من التجربة الماضية المريرة، فالنظرة العقلانية للتطور تجعله يقف متسائلاً وحائراً أمام " الربيع العربي" مشدّدا على أهمية التعليم والتربية، فالمدرسة والمناهج التربوية مع الإصلاحات الإجتماعية يمكن أن تنجز التغيير المنشود بعيدا عن تجار الظلام، وربّما في العقل الباطن يستعيد ما قاله لينين للشبيبة بُعيد الثورة : تعلّموا... تعلّموا ... تعلّموا وتلك وصية عامة لكل شعب يريد أن يتقدم ولكل مجموعة سياسية تريد أن ترتقي سدة الحكم. الا أن شجرته كانت هناك ك"ضمير" له حين تسأله عن التعليم الضروري و المناهج التي تلزمنا بها الجائحة عندما تمر .
هدم السجن: ماذا يعني؟
لا تبتعد عنه الذاكرة جدا حين أريد هدم السجن الذي قضى سنوات من زهرة شبابه فيه، فتبدأ الذاكرة المعترضة؛ لا يحق لهم هدمه لأنه جزء من ذاكرتنا .. لا يحق لهم وحدهم هدمه، لأن الغرض هو طمس الجرائم ومحو الآثار. كان ينبغي تعليق لوحة بأسماء الضحايا يكتبون عليها هؤلاء إختلسنا منهم شبابهم ومرّغنا كراماتهم بالتراب ومع ذلك غفروا لنا كما يقول باستحقاق وجدارة.
والجملة الأخيرة على لباقتها فإنها تعني الكثير لأنها تندرج في صلب برنامج العدالة الانتقالية، الذي شهده المغرب في نهاية التسعينات من القرن الماضي، ذلك كي لا يبقىٰ هذا النفق الطويل و المظلم الذي يخترقه- كما شكى لشجرته- مستمراً، ليس بالنسيان بالطبع، فالزمن مهما طال لا يمكن معالجة الجراح التي يتركها في النفوس، ولا بد من الإعتراف بما حصل ولماذا حصل وكيف حصل؟ وبالمساءلة وجبر الضرر وتعويض الضحايا أو أسرهم وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية واللوائح السجنية وصولاً إلىٰ المصالحة الوطنية وتحقيق التحول الديموقراطي ولمنع تكرار ما حدث.
النقد المزدوج وعقدة الهويّة:
وبشأن لوم بعض الأمازيغيين بميلهم إلى إسرائيل، الذي تردّد في بعض الأوساط، فإن الحديث استبق نقداً للفلسطينيين بأن يكونوا عقلاء وهو ما كان ينبغي توجيهه للإسرائليين المتنكرين لقرارات المجتمع الدولي والأمم المتحدة وعدم استجابتهم للمطالب العادلة والمشروعة للشعب العربي الفلسطيني، ولا سيّما حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
وقد ظلت الهويّة هاجساً يطل برأسه باستمرار في زوايا الرواية ومتنها، وإذا ما تضخّمت عقدة الهويّة كما يقول وهو على حق تتحوّل إلى خطر انعزالي(ضيق أفق) مثلها مثل الذاكرة حين لا يتم تدبيرها بطريقة صحيحة فإنها تتحول إلى نوع من الصراع والإحتدام المستمر مع الذات والآخر، ويرى أن شعوب جنوب المتوسط وشرقه تضم العرب والأمازيغ والأتراك والكرد والفرس، وهو يدعو لحوار النخب الثقافية والفكرية، وقد سبق أن انطلقت مثل هذه الدعوة من تونس وكانت مبادرة لكاتب السطور وأعقبها لقاء في بيروت، وكان اللقاء المهم والأوسع، برعاية سمو الأمير الحسن بن طلال بعنوان حوار "أعمدة الأمة الأربعة" وقد شارك فيه سي عبد السلام بحيوية وجديّة، وإذا كانت الدعوة سيتم توسيعها لتضم الأمازيغيين، وهو سؤال كنت قد وجهته: هل الأمازيغية "قومية" وهل يشكل الأمازيغيون "أمة" وأين حدود سقف مطالبها وكيف السبيل لتحقيق ذلك؟ وهو سؤال أطرحه مجدداً في هذه الفرصة، وكنت قد حظيت بإيجابات متباينة ويهمني أن ينفتح النقاش حول هذه المسألة التي اتخذت بُعداً ثقافياً وحقوقياً في المغرب والجزائر، فأنا شخصياً مناصر لأية حقوق عادلة ومشروعة بأفقها الإنساني.
روح مؤمنة:
إنه حوار الروح الذي أظهر فيه عبد السلام بو طيب شفافية عالية وحساسية إنسانية دفّاقة ولغة سليمة وأسلوب قص مشفوع بحبكة درامية مثيرة، فضلاً عن بوح أكثر انكشافاً ورؤية استشرافية إنسانية، حتى وإن كان ثمة هنّات أو اختلافات في التوجه والمنطلقات والتفاصيل، لكن الرواية "الشجرة الهلامية" تبقى عملاً مميزاً وفيه حرفيه عالية وخيال خصب ورؤية جمعت القلب والعقل في هارموني متسق حتى وإن تباعدا أحياناً، لكن موسيقى الكتابة والصور السينمائية والبصرية التي احتواها جعلت منه عملاً مثيراً وإيحائياً وجديراً بالقراءة.
وأختم مع سعدي يوسف
إتئدْ
وإهدأ الآن
وإنظر إلى عطر الياسمينة أبيضَ
قبل فوات الأوان

وأهتف من قلبي دولوريس هل تقبلين صديقاً لك أيضاً بتزكية من عبد السلام بو طيب ؟


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح