المزيد من الأخبار






الشرادي يكتب: المسيرة الخضراء.. 51 عاما من الوفاء والوحدة والتنمية


ناظور سيتي: محمد الشرادي

تحل يوم الجمعة 6 نونبر 2026 الذكرى الحادية والخمسون للمسيرة الخضراء المظفرة، تلك الملحمة الوطنية الخالدة التي شكلت محطة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، ومنعطفا حاسما في مسار استكمال وحدته الترابية. وهي ملحمة أبدع فكرتها وقادها بحكمة وبعد نظر جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، حين وجه نداءه إلى الشعب المغربي للمشاركة في مسيرة سلمية غير مسبوقة، جسدت عبقرية القيادة وعمق الارتباط بين العرش والشعب.

فقد استجاب أكثر من 350 ألف متطوع ومتطوعة لنداء الوطن، حاملين المصاحف الشريفة والأعلام الوطنية، في مشهد حضاري استثنائي اختار فيه المغرب لغة السلم والحكمة والإرادة الجماعية، بعيدا عن منطق المواجهة والعنف. وهكذا، تحولت المسيرة الخضراء إلى صفحة مشرقة في سجل التاريخ الإنساني، وأثبتت للعالم قدرة المغاربة على الالتفاف حول ثوابتهم الوطنية والدفاع عن وحدتهم الترابية بروح وطنية عالية.
وبعد مرور واحد وخمسين عاما على هذه الملحمة، يواصل المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مسيرة ترسيخ المكتسبات الوطنية وتعزيز التنمية الشاملة بالأقاليم الجنوبية، من خلال رؤية استراتيجية جعلت من هذه الأقاليم ورشا مفتوحا للاستثمار والتحديث والتأهيل الاقتصادي والاجتماعي.

فقد شهدت مدن العيون والداخلة والسمارة وبوجدور وغيرها تحولات نوعية على مستوى البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية والمشاريع الاقتصادية الكبرى، في إطار النموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية، الذي يهدف إلى جعل المنطقة قطبا تنمويا واعدا، وفضاء استراتيجيا للتبادل التجاري والتعاون الإفريقي والأطلسي.
وبموازاة هذه الدينامية التنموية، حققت الدبلوماسية المغربية مكاسب مهمة على مستوى قضية الصحراء المغربية، من خلال اتساع دائرة الدعم الدولي للموقف المغربي، وتجسد ذلك، على الخصوص، في افتتاح عدد من الدول قنصليات عامة بمدينتي العيون والداخلة، بما يعكس تنامي الاعتراف الدولي بأهمية الدور الذي تضطلع به الأقاليم الجنوبية للمملكة، ويعزز مكانة المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع الإقليمي المفتعل.

وقد شكل القرار الأممي الصادر سنة 2025 محطة إضافية في مسار ترسيخ هذا التوجه، من خلال التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم، بما عزز موقع المبادرة المغربية للحكم الذاتي في المسار الأممي، وكرس وجاهة المقاربة المغربية القائمة على الحوار المسؤول واحترام الشرعية الدولية وتحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين.

وفي هذا السياق، تكتسي مضامين الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، أهمية خاصة، لما حمله من رسائل سياسية واستراتيجية واضحة بشأن مستقبل قضية الصحراء المغربية. فقد جدد جلالته التأكيد على مركزية الوحدة الترابية في المشروع الوطني، وعلى أن المرحلة الراهنة تقتضي الانتقال إلى آفاق جديدة من ترسيخ المكتسبات وتعزيز التنمية والاستثمار.

كما أكد جلالته أن المسيرة الخضراء لم تعد مجرد حدث تاريخي نستحضر أمجاده، بل أصبحت مسيرة متواصلة تتجدد رهاناتها بتجدد تحديات الوطن، مسيرة قوامها التنمية الشاملة، والعدالة المجالية، وتمكين الشباب، وتشجيع المبادرات الاستثمارية، وتثمين المؤهلات الاقتصادية والبحرية والطاقية للأقاليم الجنوبية، بما يجعل منها جسرا استراتيجيا يربط المغرب بعمقه الإفريقي وامتداده الأطلسي.

إن الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء ليست مناسبة لاستحضار أمجاد الماضي فحسب، بل هي أيضا لحظة للتأمل في حجم التحولات التي عرفتها المملكة، واستحضار التضحيات التي بذلتها أجيال من المغاربة في سبيل صون الوحدة الترابية والدفاع عن المقدسات الوطنية. كما تمثل فرصة لتجديد التعبئة الوطنية وتعزيز روح المواطنة والوفاء للثوابت التي شكلت على الدوام أساس تماسك الدولة والمجتمع.
فالمسيرة الخضراء لم تتوقف بانتهاء حدثها التاريخي سنة 1975، وإنما تحولت إلى مشروع وطني متواصل، انتقل بالمغرب من معركة استكمال الوحدة الترابية إلى معركة البناء والتنمية وترسيخ المكانة الإقليمية والدولية.
إنها مسيرة وطن لا تنتهي، بدأت باسترجاع الأرض، وتواصلت ببناء الإنسان، وتمضي اليوم بثبات نحو ترسيخ السيادة وصناعة المستقبل، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح