NadorCity.Com
 






الأدبُ بينَ النُّخبةِ والشَباب


الأدبُ بينَ النُّخبةِ والشَباب
رامية نجيمة

لكثرة ما تُطلَق كلمة مُبدع على مَن يُمارِس فعل الكتابة، أصبحَ البعضُ يعتقد أنَّ كلمة "مبدع" هي مرادف لكلمة "أديب"، وربما يتريّث البعضُ قبل أن يُطلق صفة"المبدع" على الرسام أو الموسيقار أو النحات.. ظنا منه أنّ الإبداع يقتصِر على الأدبِ دون غيره. مع أنَّ كلمة مبدع في الأصل هي اسم فاعِل لفعل "أبدع"، و"أبدع" تعني جاء بجديد، أو خلق شيئا من عدم (1) فإذن هذه الكلمة (مُبدع) يُفترض أن تُطلَق على كلِّ مَن أتى بشيء مختلف وغير معتاد سواء تعلّق ذلك بالأدب أو الموسيقى أو التمثيل أو الطبخ.. المُبدع هو المجدّد في التفكير بشكل عام.

الإبداع إذن ليس مرادفاً لغويا للأدب ولكنه عُنصر هامٌ في الصناعة الأدبية شأنه شأنَ الثقافة وسعة الاطلاع والتمرّس والذكاء والتمكّن من اللغة.. وإذا كانت المعرفة والتمكن والخبرة تكبر وتترسخ أكثر مع التقدم في العمر، فإن التجديد والابتكار غالبا ما ينبعث مع جيل الشباب.. وحين يكون هَمُّ الشبابِ والنخبةِ على السواء مُتمثِّلا في السُموّ بالحَراك الثقافيّ فإنَّ التعاونَ بينهما يُصبح مِن الأولويات.

لكن ما نلحظه _للأسف_ هو أنّ النخبة الأدبية أو الرواد يشتكون من استسهال أغلب الشباب للكتابة الأدبية، رغمَ عدَم إلمامهم التام بقواعدها، ثم تسرّعهم في النشر، مما يؤدي إلى ظهور مكثف لأعمال أدبية دونَ المستوى المطلوب، وهذا التسرع والاستعجال، يطبع الأدب المغربي بسيماء النزق والطيش عوض الجديّة والرصانة.. يحضرني هنا قول الأديب المصري الساخر أنيس منصور: "الشباب بتكوينهم النفسي متطرفون ، وعندما يتطرفون فإنهم يرون أن غيرهم على خطأ وهم على صواب وعيب هذه النظرة الشابة أنها لا ترى كلّ الالوان في اللوحة ، ولا تدرك كل الفوارق في الألوان" (2)

ومن جهة أخرى يعيب الشباب على بعض الرواد تعجرُفَهم، وتصَدُّرهم المَحافِل الأدبية، والصفحات الثقافية في الجرائد والمجلات والوطنية، وشُحّهم في تقديم النصح والتوجيه، وتقصيرهم مع جيل الشباب طالما يقاطعون أنشطتهم ويستهترون بمواعيدهم. ومثل هذه الشكاوى لا توجه إلى النخبة مِن قِبَل الأدباء الشباب وحسب، ولكن أيضا مِن بعض أولئك الذين أفنوا زهرة العمر في خدمة الأدب والثقافة دون أن تكلّل تضحياتهم بأيّ تقدير، ودون أن ينالوا أي تكريم، رغم أن العديد من المهرجانات الوطنية وحتى الجهوية أو المحلية تفضّل تكريم شخصيات أجنبية، على أن تنفض الغبار عن بعض الأسماء المغربية الشامخة، وتخرجها مِن طيّ النسيان.

في الناظور، نظَّمت جمعيةٌ فتيّة (رابطة الكتاب الشباب بالريف) مِهرجانا متميّزا فريداً مِن نوعه، (المهرجان الأول للمبدعين الشباب) باعتبارِه مهرجانا لا يُعنى بصنف معيّن في الأدب كالقصة مثلاً أو الشعر.. ولكن مِهرجانا شبابيا خالصاً سهِر على تَنظيمه والتنظير لَه مَجموعةٌ مِن الشباب الطَموح، الذين أصرّوا على خلق تظاهرة ثقافية أبطالُها شباب قرروا أن يستفردوا بالميكروفون خلال يومين كاملين، حتى يتسنى لهم مُخاطبة النخبة الأدبية في المدينة، ولَفت انتباهِها إلى أنَّ دعم الشباب والتواصل معَهُم هو واجبٌ أخلاقيّ بالدرجة الأولى (3)

لقد جاءت فكرة المهرجان الشبابيّ كنوعٍ مِن التعويض عَن ذلك الشعور بالإقصاء الذي تعانيه هذه الفئة _التي يُفترض أنّها تُشكِّل دعامةَ المُجتمع باعتبارها الفئةَ العمرية الأكثرَ نشاطا_ وليسَ الغرضُ منه، مُقاطَعة النخبة الأدبية أو توجيه اللوم لها، أو إثبات النديّة لها.. بل خلق المُراد منه خلقُ نوعٍ من التواصل، بين الشباب والنخبة مِن جهة، وإحياء الأمل في نفس كلِّ مَن يأمُل أن تصل كلماته التي غيَّبتها أنانية البعض. إنّه مهرجان للتواصل الثقافيّ وكفى.

الإبداع والتميّز في الأدبِ ليس حكراً على أحدٍ دونَ غيرِه أو فِئة عُمرية دون سواها، إنّه كذلك ليسَ رهيناً بالمُستوى التعليمي، ولا بالشواهد الدراسية المُحصَّل عليها.. وإن كنا نتفّقُ على وجوب وضع ضوابط أساسية لكلِّ جنسٍ أدبيّ بالقدر الذي يَحفظُ قيمته، ويَجعلُ تمييزه ممكنا عن باقي الأشكال الأدبية الأخرى، إلا أنّنا ضدّ وضع قوالب جاهزة للقصة أو الشعر أو الرواية أو الشذرة.. قوالب يتمّ تصميمُها وِفق ما يقتضيه هوى النخبة ومَن يُسايرها داخِل الوطن وخارجَه، لأنَّ مثل هذا الفِعل لا يقتُل الإبداع الذي هو مُرادف للخلقِ والتجديد.. بل يجتثُّه من جذوره، وإذا استمر الأمر على هذه الحال، واستمرّ بعض الرواد في سعيهم لمحاربة التميّز؛ فإنَّ الأدب المغربي سينتهي جثة بلا روح بعد أن يُقرأ على روحه السلام.

الكتابة الشبابية (المرتبطة بهذه الفترة العمرية) هي بالتأكيد ليست كتابة خاليةً مِن العيوب، وفي رأينا المتواضع لا توجد كتاباتٌ بلا عيوب، حتى عند الرواد المتمرسين في فن الكتابة الأدبية، ذلك أن الأدب فنّ، والفنون لا تخضعُ للقوانين والضوابِط بقدر ما يحكُمها التذوّق الجماليّ والرُّؤية الفنية التي تختلف حسب الأشخاص والأزمنة؛ ومؤلفات بعض الأسماء الأدبية العملاقة التي صدرت في زمن غير زماننا، كثيرا ما تبدو لنا غير مترابطة الأفكار وخالية من الحس الجمالي إذا ما تأملناها بعيون القرن الواحد والعشرين، وحلّلناها بعقلِ حقبةِ ما بعد الإنسانية وتقنية النانو.

أن يُقوّم النُخبة أخطاء الشباب، فإنّ هذا أمرٌ محمود ومطلوب، أما أن يحاربوا فيهم روح التجديد بحجة أنّ هذا الجنس الأدبي أو ذاك لا يُكتب إلا وفق هذه الطريقة أو ذلك المنهاج.. فهذا هو ما لا يليق بالأدب السّاعي إلى النمّو، ولا بروح العصر المتميزة بالتحرر من القواعد الكلاسيكية في كلّ مجالات الحياة. بعض الحرية مطلوبة لخلق التميّز ويبقى دور القارئ أساسيا في التمييز بين الغث والسمين.
هل يجب أن أضيف بعدَ ما قيل أنَّ أغلب الشباب الذين اختاروا المشي على درب الأدب، ما كانوا ليفعلوا لولا أيادٍ محنَّكةٍ في الأدب امتدَّت لهم، وهيأت لهُم الظروف المُلائمة للظهور؟ وأنَّ العديد مِن المُبدعين الواعدين تَخلوا عَن حُلم الكتابة إلى أبد الآبدين لأنّ لا أحد مِن الرواد فكّر في تقديم السّند لهم؟

في الختام يجب القول إنّ الكبير في مجال الكتابة الأدبية ليس من تتصدَّر صورُه المَجلات والجرائِد وتتناقل أخبارُه المَواقع الإلكترونية، ولكنَّ الكبير بحقٍّ هو مَن يكتب انطلاقا من هموم الناس ومشاكلهم متمرّدا على كلِّ القوالب والقيود، فيصِل أدبُه إلى القارئ مِن كلّ المشارب والأجيال وتخلد ذكراه وتخلِّف نورا حتى لَو عاشَ يُبدع في الظلام.. الكبير أيضا هو مَن يهتم لمستقبل الأدب في البلد، ويدرك أن سيرته لا تخلّد إلا إذا خلّفت امتدادا في الأجياء الناشئة.

وإذا كانت الكتابة الأدبية شجرة فإن الكبار هم جذورها العميقة والشباب هُم الأغصان الوارفة، وكما أن الشجرة بلا جذور هي شجرة ميتة، فإن الشجرة بلا أغصان هي خشبة لا فائدة منها.. هكذا فكّر شباب الناظور وهكذا نظرّوا لمِهرجانهم الشبابيّ الأوّل، فهل تسمع النخبة وهل تعي؟
Ramianjima7@gmail.com

(1) جاء في لسان العرب بدَع الشيءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه أَنشأَه وبدأَه... والبَدِيعُ والبِدْعُ الشيء الذي يكون أَوّلاً، وفي التنزيل: "قُل ما كنتُ بِدْعاً من الرُّسُل" أَي ما كنت أَوّلَ من أُرْسِلَ قد أُرسل قبلي رُسُلٌ كثير..
(2) أنيس منصور، في صالون العقاد كانت لنا أيام.
(3) يقال إن الكاتب روسي العظيم تشيخوف كان ينفق بعضا من وقته في الحديث بخصوص شؤون الأدب والمسرح وسط حلقات الأدباء الشباب، كما أنه كان يخصص وقتا آخر للإجابة عن الرسائل التي ترده من القراء الشغوفين بالأدب والذي يحلمون بالتوجه إلى الكتابة.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح











المزيد من الأخبار

الناظور

الطاهري يدعو الفاعلين السياسيين للترافع عن مشاريع محطات سياحية لم تر النور بعد بإقليم الناظور

الطاهري يكشف تصوّرا نوعيا حول جعل "الناظور الكبير" وجهة متميزة لجميع أنواع السياحة

اكتظاظ غير مسبوق بميناء مليلية بعد بلوغ عدد مركبات المهاجرين المغاربة العائدين 1400 سيارة

يهم المربيات والأمهات بالناظور.. دورة تكوينية حول الطفل التوحدي من تأطير دكتورة متخصصة من مصر

مصرع سيدة وإصابة شخصين بجروح خطيرة في حادثة سير على الطريق الرابطة بين الناظور وصاكة

العائلة الناظورية "المكي" المعروفة بـ"الروبيو" تهنئ الحاج العدراوي بمناسبة زفاف إبنه البار طارق

المستشفى الحسني بالناظور يعج بجثث المهاجرين والسلطات تواجه صعوبات في تحديد هويتهم