المزيد من الأخبار






الممارسة السياسية بالمغرب من الجدية إلى العبث


الممارسة السياسية بالمغرب من الجدية إلى العبث
سعيد العمراني | بروكسيل

لغوياً "السياسة" مصطلح مشتق من "سَاسَ" و "يَسُوسُ" ويعني سبل التصرف في معالجة امور الدنيا (امور جماعة او حزب او دولة…)، والسياسة بمعناها الواسع هي مجموعة من الإجراءات و التدابير و الخطط و الطرق و البرامج المؤدية لاتخاذ قرارات او اجراءات لتغير وضع ما داخل حزب او طبقة اجتماعية او مجتمع او دولة… الخ. كما تعني ايضا كيفية تدبير شؤون جماعة بشرية داخل تنظيم معين او مجتمع بمختلف تعبيراته و تياراته و فصائله السياسية و الثقافية و الدينية.

والسياسة ايضا هو كيفية توزيع القوة والنفوذ بمجتمع ما أو نظام ما، و هذا ما يؤدي الى صراعات قد تكون احيانا مريرة و متطاحنة بين الاطراف المتصارعة حول المصالح كل من موقعه و طبقته الاجتماعية وهذا ما يتطلب تضحيات جسام للوصول الى الهدف و الذي يكمن في اخر المطاف بضرورة تحقيق العدل و الحرية و الكرامة و الامن و السلام و الطمأنينة و الشغل و التعليم و الصحة لكافة المواطنين و المواطنات.

وبما أن السياسة هي السعي إلى امتلاك السلطة وتطبيق برامج سياسية وتدبير الشأن العام و تنظيم العلاقات بين الأفراد بواسطة هيئات و مؤسسات تنظيمية تسخرها لذلك فان ممارسة السياسة و المشاركة و الانخراط فيها يبقى امرا مشروعا لكل اباء الشعب الواحد دون استثناء مهما اختلفت ارائهم و توجهاتهم و انتماءاتهم السياسية و الايديولوجية و معتقداتهم المذهبية و الدينية.

السياسة في المغرب

منذ القدم اختلف المغاربة حول طريقة تدبير شؤون بلدهم و هو اختلاف مشروع. و ما دام ان هذا الموضوع لا يتسع لوقوف الى جذور السياسة في المغرب، إلا انه لابد من الوقوف و لو باختصار شديد عند السياسة عند المغاربة في العصر الحديث ابتداء من المرحلة الاستعمارية الى اليوم.

ففي عهد الاستعمار اتخذت سياسة المغاربة شكلان من اجل فرض التغيير و طرد المستعمر. حيث تكتل المغاربة في اول وهلة في حركات المقاومة و اخرى سياسية. فمنهم من اختار اسلوب الكفاح المسلح كالحركة الخطابية بشمال المغرب و موحا اوحمو الزياني و ماء العينين في الاطلس و الجنوب. لكن مباشرة بعد القضاء على المقاومة بالتآمر و القوة العسكرية الاستعمارية . ولدت الحركة الوطنية المتمثلة انذاك في حزبي الاستقلال و “الشورى و الاستفلال” و الحزب الشيوعي المغربي. ثم عاد الشعب المغربي ثانية الى خيار السلاح تحت لواء جيش التحري بعد تعنت المستعمرين الفرنسي و الاسباني. اما سلاطين المغرب فاختاروا انذاك طلب “الحماية” نظرا لضعف الملكية و عدم قدرتها انذاك على تدبير شؤون المغرب و المغاربة.

عهد الاستقلال

يقر الاغلبية المطلقة من المغاربة سرا او علانية ان استقلال المغرب جاء منقوصا و ابرز عناوين هذا النقص هو عدم ترسيم حدود المغرب شرقا و غربا، شمالا و جنوبا. فاسبانيا حافظت عن مدينتي سبتة و مليلية و الجزر المجاورة لهما كما ان الحدود الجنوبية بقيت مبهمة الى ان استقلت موريتانيا و بروز صراع حول الصحراء بين المغرب و جبهة البوليزاريو و الذي لم يحسم الى يومنا هذا لا امميا و لا رسميا. كما ان الحدود المغربية الجزائرية ضلت ملغومة مما ادى الى نشوب حربا طاحنة بين المغرب و الجزائر و المسماة بحرب الرمال لسنة 1963

هذا النوع من الاستقلال لم يعجب الى جيش التحرير الذي واصل قتاله جنوبا وشمالا كما لم يعجب حتى العديد من ابناء حزب الاستقلال نفسه و هذا ما ادى الى حدوث انشقاق في الحزب و تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ناهيك عن رفض المواطنين في البوادي و المدن.

عرفت هذه المرحة بصراع دامي لحسم السلطة لصالح انصار اتفاقية “ايكاس ليبان” بحيث تم تصفية جيش التحرير بشكل بارد و عذب اعضاء حزب الشورى و الاستقلال و قمعت انتفاضات الشعب في الاطلس و الريف بقسوة قل نضيرها.

في خضم هذا الصراع ولد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من رحم حزب الاستقلال و بدا الفرز واضحا بين جناحين: جناح رجعي بزعامة حزب الاستقلال و جناح تقدمي بقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية و هذا من انعكس على الحركات الاجتماعية كالاتحاد الوطني لطلبة المغرب و الاتحاد المغربي للشغل. هذا الفرز ازداد تجدرا باندلاع انتفاضة 23 مارس و التي عبر من خلالها سكان المدن لأول مرة عن رفض نتائج الاستقلال الشكلي و طريقة تدبير المغرب المستقل بعد ان انتفضت البوادي من قبلها.

سنوات السبعينات

اتخذ الصراع منحى اخر بدخول الجيش لأول مرة على الخط عندما قام بمحاولتين انقلابيتين متتاليتين فاشلتين (1971 و 1972). كما اتسمت ببروز الحركة الماركسية اللينينية المغربية (الى الأمام و 23 مارس، و لنخدم الشعب..).

واتسمت هذه المرحلة اي مرحة السبعينات الى حدود نهاية حكم الحسن الثاني بصراع واضح وضوح الشمس بين قوتين متصارعتين حول مشروعين سياسيين، فمن جهة كانت المعارضة المشكلة من قوتين يساريتين: القوة المسماة انذاك ب”الإصلاحية” و المشكلة من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية و التقدم والاشتراكية و منظمة العمل الديمقراطي الشعبي في ما بعد، وقوة اليسار الجذري المكون من الحركة الماركسية اللينينية المغربية التي كانت تتمتع بإشعاع منقطع النظير و نفوذ في الاوساط الشبابية و الطلابية و الجمعوية بالرغم من اعتقال جل ان لم نقل كل قياداتها البارزة.

لقد كان الانخراط في النضال شرف و تكليف و تضحية و بطولة و انتظار لمصير مجهول. و مع ذلك لم يكن يتردد الشباب اليافع و المخلص من دخول المعركة و ابداع اشكال تنظيمية قاعدية تستجيب الى شروط الصراع و تضمن الاستمرارية رغم قسوة القمع و الترهيب.
اواخر الثمانينات و بداية التسعينات

الحركات الاسلامية

أدى تطور المجتمع المغربي بارتباط مع محيطه الاقليمي و الدولي الى افراز ظاهرة الحركات الاسلامية. هذه الظاهرة برزت في سياق محاولة اضعاف اليسار و المعسكر الشيوعي ككل بزعامة الاتحاد السوفياتي انذاك. ففي هذا السياق خلق الطالبان لمواجهة نفوذ الروس في افغانستان و حركة حماس لمواجهة نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية و خلق اسلاميي المغرب لمواجهة نفوذ اليسار داخل الجامعات و النقابات و الجمعيات و خاصة امام استمرار سيطرة القاعديين على الجامعات المغربية.

هذه الحركات كبرت و تطورت حتى اصبحت اليوم لاعبا اساسيا في المشهد السياسي المغربي بل منهم من وصل الى تقاسم السلطة مع النظام كالعدالة و التنمية مثلا.

الحركة الثقافية الامازيغيىة لاعب التوازن وعنصر التعدد بامتياز

ان اهم شيء اضافته الحركة التفافية الامازيغية للمشهد الثقافي و السياسي المغربي هو تكسير كل الافكار الجامدة التي تدافع عن الفكر الواحد و اللغة الواحدة و الحزب الواحد و الرأي الواحد و الدين الواحد… الخ. لقد انهت نهائيا مع لغة التصلب و التحجر و هذا ما يحسب الى مناضلي الحركة الثقافية الامازيغية سواء اتفقنا ام اختلفنا حول طرق تدبير المرحلة و القضية.

تمييع و تعفن السياسة

بدا تمييع السياسة في المغرب عندما اختلط الحابل بالنابل و لم تعد هناك حدود واضحة بين “المناضل” و “المخبر”، و بين “التقدمي” و “الرجعي” بين من يريد ان يخدم مصلحة المغرب و مستقبله و بين من يريد ان يخدم جيبه و مصالحة. و كانت لمرحلة ما سمي ب”الانصاف و المصالحة” دورا بارزا لتسهيل اندماج بل انصهار العديد من المناضلين في منظومة المخزن بحسن او سوء نية بل احيانا دون ان يشعروا بعد ان تعرضوا لعملية ترويض ممنهجة و رفيعة المستوى.

هذا الوضع مس العديد من المناضلين بما فيهم الصادقين من مختلف التجارب و الحساسيات من الاسلامي و اليميني الى اليساري الاكثر تطرفا مما دفع الشعب الى فقدان الثقة في كل شيء و النزوح من أي مشاركة سياسية و تقزيم دور اليسار بل اصبح اغلب المواطنين و المواطنات يرددون بان “كل الاحزاب فحال فحال و ان اولاد عبد الواحد كلهم واحد” . و لقد كان لفشل لمحاولات توحيد قوى اليسار دورا حاسما في هذا الوضع.

أسباب التعفن

بدون ادنى شك بان للنظام دورا اساسيا في تمييع الحياة السياسية و تخريب الاحزاب و المنظمات النقابية و الجمعوية، لكن لا يمكن ان ننكر مسؤولية المناضلين المنظمين منهم و المستقلين ناهيك عن المثقفين و النخب الفاعلة في المجتمع حتى اضحى التقرب من المخزن و استعمال اسم الملك و الدين عنوانا و رغبة لأغلبية الاحزاب بل كل الاحزاب المشاركة في البرلمان بدون استثناء. فالأحزاب التي تهاجم بعضها البعض في البرلمان و خارجه تمجد الملك وحده دون الشعب الذي انتخب بعض برلمانييها حتى اصبح العديد من المواطنين يتساءلون حول جدوى وجود هذه الاحزاب اصلا مادامت لا تتحرك إلا لتطبيق سياسة مستشاري الملك و تعليماتهم و تصفق لقرارات محيط الملك و تمجد بدون تحفظ كل الخطوات الملكية في الحرب و السلام.

و من ابرز مظاهر هذا التعفن في المغرب تفشي الفساد الاداري و السياسي و التطبيع معه، و انتشار الرشوة و الافلات من العقاب، احتلال مراتب متدنية في التعليم و الصحة حسب التقارير الدولية و اعترافات اعلى سلطة في البلد. ناهيك عن عدم استقلال القضاء و غياب ضمانات المحاكمات العادلة…الخ.

20 فبراير و القوى المساندة لها

و ضعت حركة 20 فبراير الاصبع على الداء الذي اوجع النظام. و صرخت بان في بلدنا لا تحترم كرامة الانسان و لا وجود لعدالة اجتماعية و لا للديمقراطية الشيء الذي دفع بآلاف الناس على طول خريطة المغرب للانضمام الى هذه الحركة و النزول طواعية الى الشارع مكسرين حواجز الخوف و القمع و الترهيب.

لقد سارع النظام من خلال خطاب 9 مارس و المسماة ب”الاصلاحات الدستورية” لوقف زحف الحركة و تطورها لتسهيل القضاء عليها الشيء الذي نجح في بنسبة كبيرة ان لم نقل 100 في 100.
و بعد مرور ثلاثة سنوات من ذلك التاريخ عادت حليمة الى عادتها القديمة فأصبح التحضير للانتخابات اليوم تهيئ و تجرى بنفس الاساليب القديمة بحيث اصبح واضحا بان لغة المال الحرام و قوة النفوذ و الترحال السياسي الفج هي السائدة اليوم تماما كما كان عليه قبل 20 فبراير.

فأي امل يبقى لنا و للأجيال الصاعدة في العملية الانتخابية و السياسية الجارية في المغرب ككل في الوقت الذي كان من المفروض بعد كل ما وقع ان يكون هناك تنافسا ديمقراطيا و شريفا بين كل الفرقاء السياسيين.

اجواء التهييئ لانتخابات الجماعية لشتنبر 2015

يضل كل مغربي مخلص مندهشا بل مصدوما امام تدني مستوى الخطاب السياسي بالمغرب و وصوله الى الحضيض. فمتى تم في كل بلدان الدنيا تبادل رئيس الحكومة و مسئولين حزبيين بارزين تهما خطيرة مليئة بالسب و القذف و و اخرى في غاية الخطورة دون ان تحرك الدولة ساكنا.

ماذا يعني أي يتهم اشخاص بعينهم و مسئولين حزبيين ب”الاتجار بالمخدرات” و بال”صعاليك” و “المفسدين” و شراء الذمم و الاصوات و الدولة تتفرج؟

لماذا لم تفتح الدولة ملكا و حكومة و برلمانا تحقيقا في كل هذه التصريحات و تخلق لجان قضائية و برلمانية للتحقيق لوضح حد لهذا الكلام الساقط و الخطير. فدولة القانون تقتضي فتح تحقيق فاما ان المتهم فعلا ارتكب جرما و مكانه السجن، او الذي يطلق التهم على عواهنه و بدون اثباتات سيكون مصيره السجن. هكذا تتصرف الدول التي تحترم نفسها و مواطنيها. ان التشهير بالأشخاص و حياتهم الشخصية يحاكم عليه القانون في اوروبا لكن في المغرب يتم تشجيعه بصمت الدولة عليه.

ان اعتماد السياسة الوسخة و استعمال المال الحرام و التهريج و السب و القذف لدليل واضح بان الاحزاب المغربية المشاركة في البرلمان و السلطة لا تتصارع عن الافكار و البرامج بل انها تتصارع على المقاعد و المصالح و التقرب اكثر من الملك لتصبح في اخر المطاف مجرد ما صرح به يوما ادريس لشكر الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي عندما قال “نحن معارضة صاحب الجلالة” تماما كما هي حكومة صاحب الجلالة..

هذا النوع من السياسة المائعة مالها الفشل و تدمير البلاد و العباد و ما عزوف اغلب المواطنين و المواطنات عن التسجيل في اللوائح الانتخابية رغم الاشهار المستمر و تمديدات وزارة الداخلية لعدة مرات لخير دليل على ذلك.

ما العمل

ان استمرار المغرب على هذا الوضح ستصيبه لا محال “سكتة قلبية” ثانية لا يجد من “ينقذه” مرة اخرى، فالمغاربة مطالبون اليوم و قبل فوات الاوان ب:

إعادة هيكلة الحقل السياسي و وضع حد لهذا النزيف الذي اختلط فيه الحابل بالنابل و الذي يفتح الطريق بمصراعيه للدواعش و الطفيليات و مزيدا من الافساد السياسي.

على كل المواطنين الصادقين سواء اكانوا منظمين في احزاب او مستقلين. اخذ مسافة بينهم و بين ما يحدث من جرائم في حق الشعب و الوطن و العمل على تقديم نقد ذاتي صارم و الاعتراف بأننا إلا بشر كلنا خطاءين. ان الاعتراف بالأخطاء فضيلة. فلا مستقبل للمغرب في ضل تشتت قوي التغييرالحقيقية و النظيفة. و لا مستقبل له في ظل استمرار الفساد و افساد الناس.

ضرورة اعادة الاعتبار لأسس النضال الصادق و النبيل المبني عن اسس التضحية و الصدق و العطاء النضالي الدائم..

طرح مشروع / مشاريع سياسية و تنظيمية قادرة على تطوير الاحزاب سواء اكانت وطنية ام جهوية و ضمان استقلاليتها عن الدولة و المخزن..



1.أرسلت من قبل يونس في 29/05/2017 03:04 من المحمول
السلام عليكم اخى المحترم ولله انما ما وصلة اليه حالة المغرب السياسية والإجتماعية من تحلل وتعفن لشيء مأسف بل أصبحت اخجل من نفسى كونى منتمى لهاد المجتمع الفاسد من جدوره حتى رأسه صدقنى انمانعيشه من ضروف مزريةلشئ مألم حسبى ربى وشكرا اخى صوت مواظن غيور

تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح