المزيد من الأخبار






إلى السيد بلال التليدي، مئة سنة من العزلة، ويوم من الأمل


إلى السيد بلال التليدي، مئة سنة من العزلة، ويوم من الأمل
عبدالسلام بوطيب

نشرت هذا المقال بصيغة أخرى لأول مرة صيف ما قبل السنة الماضية، وأعدت نشره قبل سنة من اليوم، وذلك في ذكرى رحيل غابرييل غارسيا ماركس، أحد آباء الأمل الانساني الذي تمنى أن تسقط الأفكار الكبرى على رؤوس أكبر.

ولأنني حالم متواضع، قررت أن أعيد نشره اليوم لأسباب أعرفها وأجهلها في نفس الوقت، ولعل مرد هذا رغبتي المشاركة في نقاش أمس بين الصديق الياس العمرى والسيد بلال التليدي عن حزب العدالة والتنمية، الذي جاء الى اللقاء في معطف "باحث"، يتأبط وثيقتين كانت لهما أهمية كبرى ابان صدورها، وأفقدها الزمن تلك الأهمية اليوم، ولم تزد كاتبيها إلا احتراما.

أتممت اليوم القراءة العاشرة لرواية غابرييل غارسيا ماركس" مئة سنة من العزلة " الحائزة عن جائزة نوبل، التي قرأتها لأول مرة باللغة العربية أيام الاعتقال السيئة الذكر، ومنذ أن اقتنيت النسخة الاسبانية منها ، وأنا أقرأها – تامة – كلما ضاق خيالي، ووهنت أفكاري، وتشبكت علي خيوط السياسة، وتقدم عنا من يريد جرنا إلى الوراء مهما اختلفت لبوسهم, ولن افشي سرا إن قلت هنا أن هذه القراءات تريحني عميقا، وتسهل علي العودة لأطلق عنان تفكيري فيما نذرت له حياتي، أي المساهمة في بناء الوطن الذي يستحقه المغاربة ويتسع لهم جميعا.

تتمحور مواضيع الرواية المتعددة والمتشعبة حول فكرة الانعزال والاغتراب بشقيها المادي والروحي، فالانعزال والاغتراب هما المحرّك الأساسي لأحداثها وأشخاصها. فبلدة "ماكوندو" الوهمية - وهي رمز لكل البقاع والمؤسسات المهمشة أو التي اختارت التهميش، ليس في أمريكا اللاتينية فحسب، بل في العالم بأسره - عرفت تعاقب ستة أجيال لأسرة "بوينديا" في دوامة من العزلة والأنانية، وهي عائلة مكونة من أفراد منفصلين عن بعضهم البعض ولو كانوا يقطنون المنزل الواحد، بما يجعل من حياة هذه الأسرة شبيهة بحياة أسرتنا الحزبية.و يجعلني لا أجد فرقا من حيث الأنانية والعزلة والتسابق نحو المجهول بينهما، والأدهى أن أسرتنا الحزبية أضافت إلى الأنانية والهرولة والعزلة عن واقعها - رغم عدد الأصوات الخادعة التي يمكن أن يحصل عليها هذا الطرف أو ذاك يؤهلها للتسيير حتي- خوفا وتوجسا من كل جديد، عكس الأفراد الأوائل لأسرة *بويندييا* التي كانت تتفاعل ايجابيا مع كل ما كان يأتي به الغجر الأغراب إلى بلدتهم. وهو ما جعلني أعيد السؤال الكبير الذي يختزل في حدود ما أزمة الأحزاب السياسية المغربية، وهو، لماذا يكره السياسيون المغاربة - أسرة *بويندييا* التجديد في السياسة؟ ولماذا يخاف الساسة المغاربة من الأفكار السياسية الجديدة .لماذا يخاف هؤلاء من نخب مغرب الهامش؟، لماذا يهرول هؤلاء الساسة وراء نصاعة بعض الأسماء العائلية و الاحزاب التقليدية التي لا يمكن أن تساعد المغرب على الانخراط في عالم اليوم القائم على الوضوح الشديد في النهج السياسي والاختيارات الاقتصادية؟

وتتوالى أحداث الرواية ومعها تتعمق مظاهر العزلة والإنسلاب لدى أشخاصها من خلال جملة من المغامرات الاستكشافية والحربية وسلسلة من الممارسات الغريبة، بحثاً عن معنى حقيقي للحياة،و للممارسة السياسية والعلاقات الاجتماعية، وبخاصة البحث عن الحب الحقيقي، لكن دون جدوى.

اللهمّ في المرة الوحيدة التي نشأت علاقة تخللها قليل من الحب والسعادة، بين "أوريليانو" و"بترا كوتس". وهذه العلاقة كادت أن تتكرر في نهاية الرواية بين "أوريليانو بابيلونيا" و"أمارانتا أورسولا" اللذان قررا إنجاب طفل كان يأمل والده بأن يعيد إحياء مجد الأسرة التي شارفت على الإنقراض. إلا أن العاقبة كانت وخيمة، حيث توفيت "أمارانتا" مباشرة بعد وضع طفل له ذيل خنزير، كثمرة لعلاقة جنسية *غير اجتماعية* بين والديه، حيث تبين أن الأم لم تكن سوى عمة الأب. ومع هذا الطفل الذي أكله النمل، لم يكتب البقاء لجيل سابع في أسرة "بوينديا". لكن ظهور هذا الحب ولو مع نهايته المأسوية، كأنما يبشر بظاهرة ايجابية ربما قصد الكاتب من خلالها الإيحاء بأن الحبّ الحقيقي يرمز إلى القيم الاشتراكية كبديل لعالم العزلة والأوهام والهواجس العصبية التي ترمز إليها حياة وقيم أسرة "بوينديا" التقليدية البالية.

ألم يكن غابرييل غارسيا ماركيس عندما كتب هذه الرواية سنة 1967 يكتب تاريخنا السياسي وينبهنا إلى مآسينا المستقبلية ؟ الم يكن يساعدنا على رسم الأفاق المستقبلية؟ من الطفل الذي أكله النمل منا ؟

ما أثارني في الرواية أن أفراد أسرة بويندييا كانت تعرف أنها غير مسلحة بالأحلام و أن كل زادها كانت مجموعة من الاوهام، ورغم ذلك ظلت فريسة أوهامها ، وبقيت هذه الاوهام ترسم لها خارطة الطريق الى الهاوية.

وعلى نفس النهج لا تريد أسرة بوينديا المغربية أن تفهم أن الفكرة السياسية حلم، وأن المؤسسة الحزبية هي أداة لتحقيقه، وأن بقاء أو ذهاب هذه المؤسسة الحزبية أو تلك ليس رغبة أو تمني، وأن الامر مرتبط بالحاجة المجتمعية لذلك. الامر الذي يدفعني لطرح السؤال الآتي، هل في الامر علاقة بالخوف من تجدد النخب السياسية، أم انهم لا يريدون فهم ذلك اليوم فقط من أجل حرمان فاعلوا الأصالة و المعاصرة من إعادة الدعوة إلى أن صلاح البشرية وإقرار العدالة الاجتماعية يكمن في تبني النهج الاجتماعي الديمقراطي والاعتماد على المبادئ الآتية:

الكرامة : لتمكين كل فرد أو جماعة من التعبير الحر عن الذات والأفكار والرغبات، والمساهمة بشكل إيجابي في خلق الثروة واقتراح صيغ توزيعها؛

الحرية : لتمكن كل فرد أو جماعة من تحقيق المشروع الشخصي أو الجماعي في الحياة، والمساهمة تضامنيا في انجاز المشاريع المشتركة والارتقاء بالمسؤوليات والالتزامات نحو المجتمع.

المساواة : لتمكن كل فرد أو جماعة من التعبير عن القدرات والكفاءات ، وجعل المجتمع برمته يستفيد من هذه القدرات والكفاءات بشكل متساو ؛

التضامن : لتمكين الفرد أو الجماعة من كل الضرورات الأساسية، خاصة في مجال الصحة والتعلم والشغل، وتحويل الفعل التضامني إلى وقود للتنمية الدائمة.

لماذا؟ لم يكن لي شرف الانتماء إلى حزب الأصالة و المعاصرة إبان التأسيس، فلعل حسابات التكتيك والإستراتيجية، التي لم نتقن تعلمها في مدارسنا السياسية السابقة، حرمتني من هذا الشرف وشرف مرافقة رفاق أعزاء بنيت معهم أكثر من مشروع ناجح بامتياز. لكنني انتميت إليه عندما ركب الكل على أمواج ما يعرف بالربيع العربي، وبدؤا ينادون بضرورة إبادة واجتثاث هذا الحلم - المشروع السياسي . وكنت قد فرغت من القراءة التاسعة "لمئة سنة من العزلة "، آنذاك اقتنعت أن في الفكرة – أي المشروع السياسي، شيء - كما قال الشاعر – يستحق الانتباه، ويستحق الاحتضان. وأن الاستئصالين القدامى - الجدد،الجيل السادس من أبناء أسرة *بوينديا*، أحسوا بتزعزع شرعيتهم السياسة وقرب نهاية الاستفادة من الشرعيات الموهومة . فلا أحد يشك من السياسيين النزهاء ومن الباحثين الأذكياء أن الأحزاب السياسية المغربية التقليدية أحزاب تتشبث ب "الشرعيات" أكثر من تشبثها بالإيديولوجية / منهجية العمل المستمدة من ترتيب الأولويات ، لان طبيعة مكوناتها و طريقة تفكيرها وعملها جعلتها تتواطئ لتوزيع شرعيات الوجود والاستمرارية والمنافسة ، وتسجيلها باسمها كما تسجل الإبداعات وأسماء الشركات، بين "الشرعية الوطنية" و"الشرعية الديمقراطية" و"الشرعية الشعبية" و"الشرعية الدينية "والشرعية الإيديولوجية"، وعملها المشترك على محاربة أي مجموعة سياسية لا ترضى لنفسها الوقوف في طابور الانتظار للانتفاع الممكن من ريع احدى هذه الشرعيات الوهمية.

أنا متيقن اليوم أن حزب الأصالة والمعاصرة - بالرغم من أخطاء البداية،التي يمكن أن تتسع لأكثر من مقال افتتاحي لجريدة ما، أو حتي لخطاب زعيم من زعماء أسرة بوينديا، الدينيين منهم أو غيرهم ، ولد من رحم حاجة المجال السياسي إلى نبذ الانتفاع الريعي من هذه الشرعيات وإلى مراجعة الوظيفية التركيبة الحزبية القائمة، ومن الحاجة أيضا لإعادة جسور الثقة والشراكة السياسية بينه وبين المواطن المغربي، وتحفيزه على المشاركة بفعالية أقوى في الشأن السياسي. وأن الذين ركبوا سفينة الأصالة والمعاصرة إبان التأسيس، وظلوا بها – عكس من عبر عن انتهازية نكراء بمغادرة الحزب وهو تحت القصف ، أو الذين ركبوها – وبشجاعة ناذرة – أيام أن كان أفراد *أسرة بويندينا* يريدون قتل الفكرة- المشروع ، كلهم أحسوا قبل هذا الركوب أنهم عاشوا مئة سنة من العزلة مغربيا .بما تعنيه من إقصاء منهجي من لعب أي دور حقيقي في الفضاءات الحزبية كما يلعبونه اليوم .وكما سيستمرون بكل تأكيد في لعبه غدا.والأدهى أن هؤلاء لم يكونوا يوما من كسالى القوم أو من متقاعدي السياسة، بل كانوا مِن مَن عملوا من أجل أن "يحفر" المغرب مجراه الديمقراطي الطبيعي، سواء عبر مشاركتهم في معالجة قضايا حقوق الإنسان والحريات، أو المساهمة في إعلاء ثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية، أو تحرير المشهد السمعي البصري، أو إقرار مدونة الأسرة، أو رد الاعتبار للغة والثقافة الأمازيغية، أو اقتراح مشروع الحكم الذاتي في الصحراء، أو قضايا الهجرة والمهاجرين، أو قضايا التنمية البشرية، ومن عملهم لتحيق مجتمع أفضل على جميع المستويات على قاعدة الشفافية والعدالة الاجتماعية والتضامن والحرية والمساواة.

يكفينا فخرا نحن أبناء القرى المهمشة و أبناء العائلات التي لا تحمل أسماءا لامعة ، أننا في يوم ما قررنا ان نعيش مئة سنه من الفعل والعمل على درب دمقرطة الدولة دمقرطة المجتمع، والبداية قطرة، والمنتهى وطن يجب ان يتسع للجميع.


تعليق جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر بأي حال عن رأي الموقع وسياسته التحريرية
شكرا لالتزام الموضوعية وعدم الإساءة والتجريح